من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [عمرو بن معدي كرب]
عمرو بن معدي كرب بن عبد الله بن عاصم بن زبيد الأصغر، وهو منبه بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبّه بن زبيد الأكبر بن الحارث بن صعب ابن سعد العشيرة بن منحج الزّبيدي المذحجي يكنى أبا ثور. قدم على
رسول الله ﷺ في وفد زبيد فأسلم سنة تسع أو عشر. وأقام بالمدينة برهة ثم شهد عامة الفتوح بالعراق. وكان شاعرا محسنا مشهورا بالشجاعة، قتل يوم القادسية، وقيل مات عطشا يومئذ، وقيل جرح في وقعة نهاوند فحمل فمات بقرية من قراها يقال لها رودة سنة احدى وعشرين.
وأنشد:
إنّ الكريم وأبيك يعتملإن لم يجد يوما على من يتّكل
وقبله:
إنّي لساقيها وإنّي لكسلوشارب من مائها ومغتسل
وأنشد:
ولا يؤاتيك فيما ناب من حدثإلّا أخوثقة، فانظر بمن تثق
أورده ثعلب في أماليه، وقبله:
يا أيّها المتحلّي غير شيمتهومن خليقته الإفراط والملق
عليك بالقصد فيما أنت قائلهإنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق
وبعده:
يا جمل إن يبل سربال الشّباب فمايبقى جديد على الدّنيا ولا خلق
وإنّما النّاس والدّنيا على سفرفناظر أجلا منهم ومنطلق
ورأيت في المؤتلف والمختلف للآمدي عزو ذلك إلى سالم بن وابصة بن عبيدة ابن قيس الأسدي، من شعراء عبد الملك بن مروان، قوله: (ولا يواتيك) أي يعاطيك ويعاملك بما ترضاه. فيما ناب: أي أصاب من حدث، أي نازلة من نوازل الدهر.
وأنشد:
أبي الله إلّا أنّ سرحة مالكعلى كلّ أفنان العضاه تروق
هذا من قصيدة لحميد بن ثور الهلالي الصحابي ﵁، أوّلها:
نأت أمّ عمرو فالفؤاد مشوقيحنّ إليها نازعا ويتوق
أخرج أبو الفرج في الأغاني عن محمد بن أبي فضالة النحوي قال: تقدم عمر بن الخطاب أن لا يشيب رجل بامرأة إلا جلده، فقال حميد بن ثور، وكانت له صحبة، فذكر شعرا فيه:
أبى الله إلّا أنّ سرحة مالكعلى كلّ أفنان العضاه تروق
وهل أنا إن علّلت نفسي بسرحةمن السّرح مأخوذ عليّ طريق
قال ثعلب في أماليه: كنى بالسرحة عن امرأة، وأصلها الشجرة العظيمة الطويلة.
والأفنان: الغصون الملتفة، جمع فنن. والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك، واحدها عضاهة.
وأنشد:
فو الله لا أنسى قتيلا رزئتهبجانب قوسى ما بقيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّمانوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
هذان من أبيات لأبي خراش، خويلد بن مرّة الهذلي.
قال أبو عبيدة: أغارت ثمالة بقوسي، فقتلوا عروة أخا أبي خراش، وأسروا
ابنه خراشا فيمن أسروا. فوقع لرجل منهم فجهد به أن يخبره من هو فلم يفعل.
فبينا الآسر وخراش في ماشية أضافه ابن عم له قد عرف خراشا، فقال له: أتعرف مكان أهلك؟ قال: نعم. فألقى عليه ثوبه مجيرا له. فأقبل الآسر بالسيف صلتا فقال:
أسيري أسيري!! فقال: كذبت، قد أجرته. فكف عنه ولحق خراش بأبيه، فقال:
من أجارك؟ فأخبره. قال: فمن الرجل؟ قال: ما أتيته. فمدحه أبو خراش وهو لا يعرفه. قال أبو عبيدة: وكان يقال: لم نعلم شاعرا مدح رجلا لا يعرفه إلا أبا خراش فقال:
حمدت الهي بعد عروة إذ نجاخراش وبعض الشّرّ أهون من بعض
كأنّهم يشّبّثون بطائرخفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يبادر قرب اللّيل وهو مهابذيحثّ الجناح بالتّبسّط والقبض
ولم يك مثلوج الفؤاد مهبّجاأضاع الشّباب في الرّبيدة والخفض
ولكنّه قد نازعته مخامصعلى أنّه ذو مرّة صادق النّهض
ولم أدر من ألقى عليه رداءهسوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض
فو الله لا أنسى قتيلا رزئتهبجانب قوسى ما بقيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّمانوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
قوله: (كأنهم) يعني الذين يعدون خلف خراش. والمشاش: رؤس العظام.
ويقال لكل من استخف، خفيف المشاش. والنحض: بفتح النون وسكون الحاء المهملة، اللحم. ومهابذ: بالمعجمة،
سريع. قال الأصمعي: أراد مهاذب، فقلبه.
يقال: من هذب إذا عدا عدوا شديدا. وقال غيره: إنما هو مهابذ، بالمهملة، أي جاد.
قال العسكري: وهذا تصحيف، والقول ما قال الأصمعي. وقال الباهلي: أهبذ وأهذب أي أسرع واجتهد. ومثلوج الفؤاد: بارد ضعيف لا حرارة له ولا ذكاء.
ومهبج كثير اللحم، ثقيل منفوخ الوجه. والربيدة: النعمة والخصب والدعة.
والخفض: الاقامة. ونازعته: تناولته: ومخامص: جمع مخمصة. وذو مرة:
ذو قوّة. وصادق النّهض: صاحب نهضات في الأمور صائبات. ورزئته: أي أصبت به، صفة قتيلا. وبجانب متعلق بقتيل. وقوسى: بفتح القاف، موضع.
و (على أنها تعفو) في محل نصب على الحال، وعامله لا أنسى. والتقدير: أنا على عفاء كلوم، أي أذكره عافيا كلمى. وتعفو: تذهب وتبرأ. والكلوم: الجراحات.
قال التبريزي: وعنى بها الحزن عند ابتداء الفجعة. وقال العسكري: انما يحزن لما يمسي حديثا وينسى ما مضى وإن جل، كما قال الآخر:
ما شيء يعولك والاقدام تنساه
وإن هو جل. والماجد: الكريم. ويروى: (على أنه قد سلّ) والمعنى: لا أعرف اسمه ونسبه، إلا أنه ولد كريم بما ظهر من فعله. والبيت: استشهد به المصنف على ورود على للاستدراك. وهكذا أورده صاحب الحماسة. والذي أورده العسكري في أشعار هذيل: (بلى انه) وعلى هذا فلا شاهد فيه.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع