من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [ذي الأصبع]
ذي الأصبع، اسمه حرثان بن الحارث بن عمرو بن عبادة بن يشكر بن عدوان العدواني، شاعر فارس من قدماء الشعراء في الجاهلية. وسمي ذا الأصبع، لأنه نهشته حية في أصبعه فيبست. وقال الآمدي: لأن أفعى ضربت إبهام رجله فقطعها.
وهو أحد الحكماء الشعراء.
وأنشد:
ومنهل وردته عن منهل
قال ابن الأعرابي في نوادره، أنشدني بكير بن عبد الربعي:
أزيد زيد اليعملات الذّبّلخوائفا في كلّ سهب مجهل
معصّبات باللّغام الأشكلينفضنه عن سبطات هذّل
على خشاش وذفار همّلإذ بدر السّراب فوق الأعيل
ليس بذي شرب ولا ذي مأكليمنين منه بغلام قلقل
ليس بعذّال ولا معذلحمّال أثقال الرّفيق معطل
متى تمنّى الخير منه يقبلفي غير لا منّ ولا تعلّل
ومنهل وردته عن منهلفقرية الأعطان لم تسهل
عليه نسج العنكبوت المرملطال فلم يقطع ولم يوصل
قردانه هزلى كحبّ الحنظليا زيد هل عندك من معوّل
من صاحب يدنو وإن قلت ارحلقد خفت أن أرعل إن لم أقتل
ينبت رأس العظم دون المفصلوإن يرد ذلك لا يخصل
قال ابن الاعرابي: الأعبل. حجارة بيض، ويقال: ضربه ضربة واحدة فأقنبه، إذا قطعه. لا يخصل: لا يجعله قطعا.
وأنشد:
وآس سراة القوم حيث لقيتهمولا تك عن حمل الرّباعة وانيا
هذا من قصيدة للاعشى ميمون، ومطلعها:
ذريني لك الويلات آتي الغوانيامتى كنت زرّاعا أسوق السّوانيا
سأوصي بصيرا إن دنوت من البلىوكلّ امرئ يوما سيصبح فانيا
بأن لا تبغي الودّ من متباعدولا تنأ إن أمسى بقربك راضيا
وذو السّوء فاشنأه وذو الودّ فاجزهعلى ودّه أو زد عليه الغلانيا
وآس سراة القوم حيث لقيتهمولا تك عن حمل الرّباعة وانيا
وإن بشر يوما أحال بوجههعليك فحل عنه وإن كنت دانيا
وإنّ تقى الرّحمن لا شيء مثلهفصبرا إذا تلقى السّحاق الغراثيا
وربّك لا تشرك به إنّ شركهيحطّ من الخيرات تلك البواقيا
بل الله فاعبد لا شريك لوجههيكن لك فيما تكدح اليوم راعيا
وإيّاك والميتات لا تقربنّهاكفى بكلام الله عن ذاك ناهيا
ولا تعدنّ النّاس ما لست منجزاولا تشتمن جارا لطيفا مصافيا
ولا تزهدن في وصل أهل قرابةولا تك سبعا في العشيرة عاديا
وإن امرؤ أسدى إليك أمانةفأوف بها إن متّ سمّيت وافيا
ولا تحسد المولى وإن كان ذا غنىولا تجفه إن كنت في المال غانيا
ولا تخذلنّ القوم إن ناب مغرمفإنّك لا تعدم إلى المجد داعيا
وكن من وراء الجار حصنا ممنّعاوأوقد شهابا يسفع النّاس حاميا
وجارة جنب البيت لا تبغ سرّهافإنّك لا تخفى من الله خافيا
الغواني: جمع غانية، الجواري الشابات. والسواني: جمع سانية، وهي البعير الذي يستقى عليه. والتأني: الترفق والتلطف. والشنؤ: مثل الشنع، العداوة والبغض. والغلانية: بالمعجمة، الاسراف في الامر والافراط فيه، وفعله غلوت.
وآس سراة القوم: أي أنلهم من مالك واجعلهم فيه إسوة، يقال آساه بماله مؤاساة.
ورباعة الرجل: بكسر الراء، فخذه الذي هو منها. قوله: (ولا تك ... الخ) يقول: إذا حملوا فاحمل معهم. وأحال بوجهه: ولاه وصرفه. وعليك، بمعنى عنك.
والسحاق: البعاد. وتكدح: تعمل وتسعى. وراعيا: حافظا. وأسدى: ألقى.
والشهاب: النار. ويسفع: يحرق. وحاميا: شديد الحر. وسرّها: نكاحها.
وأنشد:
أتجزع أن نفس أتاها حمامهافهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع
قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: هذا لزيد بن رزين بن الملوّح، أخو بني مرّ ابن بكر، شاعر فارس، وهو القائل:
إنّ أخا المكاره الورد واردوإنّك مرأى من أخيك ومسمع
وإنّك لا تدري أبا لمكث تبتغينجاح الّذي حاولت أم تتسرّع
وإنّك لا تدري أشيء تحبّهأم اخر، ممّا تكره النّفس، أنفع
أتجزع أن نفس أتاها حمامهافهل أنت عمّا بين جنبيك تدفع
هكذا أنشده ولا شاهد فيه على هذا. والحمام: بكسر الحاء، الموت. ثم رأيت في أمالي القالي، قال الرياشيّ، قال العتبى: قال رجل من محارب يعزّي ابن عم له على ولده:
وإنّ أخاك الكاره الورد واردوإنّك مرأى من أخيك ومسمع
وإنّك لا تدري بأيّة بلدةصداك ولا عن أيّ جنبيك تصرع
أتجزع إن نفس أتاها حمامهافهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع
وأنشد:
أعن ترسّمت من خرقاء منزلةماء الصّبابة من عينيك مسجوم
هو لذي الرّمّة. أخرج ابن عساكر عن الأصمعي قال: كان سبب تشبيب ذي الرّمة بخرقاء، أنه مرّ في بعض أسفاره ببعض البوادي، فإذا خرقاء خارجة من خباء، فنظر إليها (لها)، فوقعت في قلبه، فخرّق إداوته ودنا منها يستطعم بذلك كلامها، فقال لها: إنّي رجل على ظهر سفر، وقد تخرّقت إداوتي فأصلحيها، فقالت: والله لا أحسن العمل، وإني لخرقاء وفيها يقول:
أعن ترسّمت من خرقاء منزلةماء الصّبابة من عينيك مسجوم
تثني الخمار على عرنين أرنبةشمّاء مارنها بالمسك مرثوم
هام الفؤاد بذكراها وخامرهمنها على عدواء النّأي تسقيم
تعتادني زفرات حين أذكرهاتكاد تنقضّ منهنّ الحيازيم
ترسمت: تبينت ونظرت هل ترى منزل خرقاء. وماء الصبابة: الدمع. وسجمت العين: قطر دمعها وسال. وخرقاء: امرأة من بني عامر بن ربيعة، وفيها يقول أيضا.
تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة اللّثام
والصبابة: الشوق. ومسجوم: سائل.
ومن أبيات القصيدة بيت يستدلون به على (هنّا) بفتح الهاء وتشديد النون، وهو.
هنّا وهنّا ومن هنّ لهنّ بهاذات الشّمائل والأيمان هينوم
وهينوم مبتدأ خبره لهنّ. وذات ظرف له. والأيمان: تقديره: وذات الأيمان.
وهو من الهيمنة، وهو الصوت الخفي. ومن أبياتها بيت يستدلون به على ورود قد مع المضارع للتكثير، لأن فيه افتخارا وهو:
قد أعسف النّازح المجهول معسفهفي ظلّ أخضر يدعو هامه البوم
العسف: المشي على غير بصيرة في الطريق. والنازح: البعيد. والمجهول:
الذي لا يكاد يسلكه الناس. والظل: الستر. والأخضر: أراد به الليل الأسود، لأن الخضرة إذا اشتدّت صارت سوادا.
وأنشد:
فلقد أراني للرّماح دريئةمن عن يميني مرّة وأمامي
هذا من قصيدة لقطري بن الفجاءة المازني التميمي، يكنى أبا نعامة من الشجعان المشاهير، وقبله:
لا يركنن أحد إلى الإحجاميوم الوغى متخوّفا لحمام
وبعده:
حتّى خضبت بما تحدّر من دميأكناف سرجي أو عنان لجامي
ثمّ انصرفت وقد أصبت ولم أصبجذع البصيرة قارح الإقدام
ركن إلى الشيء: مال إليه. ويركن: بفتح الكاف في الماضي، وكسرها في المضارع، وعكسه وبالفتح فيهما، على التداخل. والاحجام: النكوص. والاجحام: بتقديم الجيم، مثله أيضا، وهو مقلوب. وقالوا أيضا أجحم، إذا أقدم، بتقديم الجيم.
وأحجم بتأخيرها: اذا نكص. والاحجام: مطاوع حجمت، أي كففت ومنعت.
والوغى: الحرب. والمتخوف: الخائف شيأ بعد شيء؛ ونصبه على الحال من أحد، وان كان نكرة، لوقوعه في سياق النهي. وقد استشهد به المصنف في التوضيح على ذلك. والحمام: الموت. والدريئة: بدال مهملة، وهمز، وتركه، فعيلة من الدرء، وهو الدفع. ومن الدّري، وهو الختل، وبهذا سمي البعير الذي يسيب فتألفه الوحش ولا تنفر منه فيجيء صاحبه يستتر به فيرمي الوحش (فيصطاد). والحلقة التي يتعلم عليها الطعن: (درية). قال التبريزي: ويمكن حملها في البيت عليهما معا، فان أريد الحلقة المذكورة فالمراد أن الطعن يقع فيه كما يقع في تلك، وإن أراد الدابة التي يستتر بها فالمراد انه يتّقى به فيصير سترة لغيره من الطعن، كما تكون تلك الدابة سترة للصائد، وعلى هذا يكون معنى (للرماح) من أجل الرماح. وقوله:
(من عن) متعلق بأراني ونحوه، مقدرا و (عن) هنا اسم، والمعنى من جانب عيني انتهى. وقال في موضع آخر: قال أبو زيد: ان درية الصيد خاصة غير مهموز و (أو) في البيت الأخير ليست للشك بل للتقسيم، أي تارة هذا وتارة هذا بحسب، وقع
الطعن، فالعنان لما سال من أعاليه، وجوانب السرج لما سال من أسافله. وقوله:
جذع البصيرة، أي فتى الاستبصار، أي وأنا على بصيرتي الاولى. وقارح الاقدام:
أى مقرّح الاقدام.
وقطري هذا كان خارجيا، سلّم عليه بالخلافة ثلاث عشرة سنة، حتى قتله عسكر عبد الملك بن مروان سنة تسع وسبعين.
وأنشد:
على عن يميني مرّت الطّير سنّحا
وتمامه:
وكيف سنوح واليمين قطيع
سنّحا: بضم السين وتشديد النون، جمع سانح. تقول: سنح الطير يسنح سنوحا، إذا مرّ من مياسرك إلى ميامنك. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشاءم بالبارح، قاله الجوهري. وقال غيره: للعرب في ذلك طريقان، فأهل نجد يتيمنون بالسانح دون البارح، وأهل الحجاز بعكس ذلك. وقوله: (على): متعلّق بمرّت، وسنّحاحال و (عن) في البيت اسم لدخول على عليها. والمعروف عند كونها اسما أن تجر (عن) ولا يحفظ جرّها (بعلى) سوى في هذا البيت خاصة.
وأنشد:
دع عنك نهبا صيح في حجراته
هو مطلع أبيات لامرئ القيس بن حجر الكندي، قالها حين أغارت عليه بنو جذيلة، فذهبت بإبله، فلحق بهم جار لهم، يقال له خالد، فردّها، ثم انتقل هو فنزل في بني ثعل وتمامه:
ولكن حديثا ما حديث الرّواحل
كأنّ دثارا حلّقت بلبونهعقاب تنوفى لا عقاب القواعل
تلعّب باعث بذمّة خالدوأودى عصام في الخطوب الأوائل
وأعجبني مشي الحزقّة خالدكمشي أتان حلّئت بالمناهل
أبت أجأ أن تسلم العام جارهافمن شاء فلينهض لها من مقاتل
تبيت لبوني بالقريّة أمّناوأسرحها غبّا بأكناف حائل
بنو ثعل جيرانها وحماتهاوتمنع من رماة سعد ونائل
تلاعب أولاد الوعول رباعهادوين السّماء في رؤوس المجادل
مظلّلة حمراء ذات أسرّةلها حبك كأنّها من وصائل
قوله: نهبا: ما يغار عليه. وحجراته: بفتح الحاء والجيم، نواحيه. والرواحل:
الابل. ودثار بن فقعس بن طريف من بني أسد، راعي امرئ القيس. وحلقت:
من التحليق. واللبون: الابل ذات اللبن. والعقاب: الطائر المعروف. وتنوفي:
بفتح المثناة الفوقية وضم النون وفاء، جبل عال. والقواعل: جبال صغار. وفي أمالي ثعلب: القوعلة والقيعلة: الأكمة، والجمع قواعل. وأنشد البيت. قال ابن الكلبي: أخبث العقبان ما أرى في الجبال المشرفة. وهذا مثل، أراد كأن دثارا ذهبت بلبونه ذاهبة، أي آفة. وأراد: أنه أغير عليه من قبل تنوفى. والبيت استشهد به المصنف في التوضيح على جواز العطف (بلا) على معمول الفعل الماضي، خلافا لمن منعه. وباعث، وخالد، وعصام: رجال. والخطوب: الأمور. والحزقّة: بضم الحاء المهملة وتشديد القاف، القصير. وإتان: حمارة. وحلئت: طردت عن الماء.
وأجأ: جبل. والقرية: موضع. أمّنا: آمنة. وغبّا: أحيانا. وأكناف: نواحي.
وحائل: موضع. وسعد ونائل: قبيلتان. والوعول: غنم الجبال. ورباعها:
أولادها التي ولدت في الربيع، الواحد ربع. والمجادل: الجبال العالية. ومظللة:
مغطاة. وأسرّة: طرائق، وكذا حبك. ووصائل: ثياب حمر مخططة.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع