من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد عسى
وأنشد:
يا أبتا علّك أو عساكا
هو لرؤبة وصدره:
تقول بنتي قد أنى أناكا
أي حان وقت رحيلك، يقال: أنى يأنى إنى، أي حان. وأناك: بفتح الهمزة وتخفيف النون. ومعنى البيت: انها قالت: قد جاء زمن سفرك علك تجد رزقا.
وفي البيت شواهد، أحدها: وهو الذي أورده المصنف له، وقوع المضمر المنصوب المتصل بعد عسى. الثاني: دخول تنوين الترنم في عسى، كذا ذكره بعض شراح الايضاح. الثالث: الجمع بين العوض والمعوّض في أبتا، لأن الألف والتاء عوضان من ياء المتكلم، وعلى ذلك أورده ابن أم قاسم في شرح الألفية. الرابع: استعمال على بمعنى
لعل.
وأنشد:
عسى الكرب الّذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
هذا من قصيدة لهدبة بن خشرم بن كرز بن حجير بن أسحم بن عامر العذري، قالها وهو مسجون بسبب القتيل الذي قتله، وقد تقدّمت قصته في شواهد إذا، أوّلها:
طربت وأنت أحيانا طروبوكيف وقد تغشّاك المشيب
يجدّ النّأي ذكرك في فؤاديإذا ذهلت عن النّائي القلوب
يؤرّقني اكتئاب أبي نميرفقلبي من كآبته كئيب
عسى الكرب الّذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
فقلت له: هداك الله مهلاوخير القول ذو اللّبّ المصيب
فيأمن خائف ويفكّ عانويأتي أهله الرّجل الغريب
الكرب: أشد من الغم. وأمسيت: دخلت في المساء. ويروى بضم التاء وفتحها، و (فيه) متعلق به في موضع نصب على الظرف. قال ابن يسعون: ويجوز ان يكون أمسيت بمعنى صرت، و (فيه) في موضع نصب على الخبر متعلقا بمحذوف، ويكون خبر عسى وهي تامّة لاخبر لها. ووراءه: ظرف متعلق بها، أي خلفه وأمامه، ويجد النأي: أي يحقق ويجدّد. والنأي: البعد. ويؤرّقني: يسهرني. والاكتئاب:
الحزن. وأبو نمير: صديق له زاره في السجن. واللب: العقل. والعاني: الأسير.
وآخر أبيات هذه القصيدة:
وإن يك صدر هذا اليوم ولّىفإنّ غدا لناظره قريب
وأنشد:
أكثرت في العذل ملحّا دائمالا تكثرن إنّي عسيت صائما
الخزانة، وابن عقيل، ويروى:
(أكثرت في اللوم ...).
لا يعرف له قائل. كما قاله عبد الواحد الطراح في كتابه بغية الامل، وتبعه أبو حيان والمصنف. وقال العيني: وقيل إن قائله رؤبة. ويروى: (لا تلحني) بدل (لا تكثرن) وهو بفتح الحاء، يقال لحيته ألحاه لحيا، إذا لمته. والعذل: بالذال المعجمة، الملامة. وملحا: اسم فاعل من ألح يلح إلحاحا، وهو نصب على الحال.
وأنشد:
عسى طيّئ من طيّئ بعد هذهستطفئ غلّات الكلى والجوانح
قائله قسام بن رواحة السّنبسيّ من شعراء الحماسة وقبله:
لبئس نصيب القوم من أخويهمطراد الحواشي واستراق النّواضح
وما زال من قتلى رزاح بعالجدم ناقع أو جاسد غير ماصح
دعا الطّير حتّى أقبلت من ضريّةدواعي دم مهراقة غير بارح
عسى طيّئ من طيّئ بعد هذهستطفئ غلّات الكلى والجوانح
قال المرزوقي: يريد بأخويهم صاحبيهم. والعرب تقول: يا أخا بكر، يريد واحدا منهم. والحواشي: صغار الابل ورذالها. والنواضح: التي يستقى عليها الماء.
واحدتها ناضحة، وسميت بذلك لأنها تنضح الزرع والنخل. يقول: مذموم في انصباء القوم من صاحبيهم طرد الابل وسوقها وسرقة البعران التي يستقى عليها.
وإنما جعل الطرائد حواشي الابل ونواضحها ازراء بهما، والقصد بالبيت التعريض بمن وجب عليه أن يطلب دم صاحبيه، فاقتصر على الاغارة عليهم وسرقة الابل منهم.
وفيه جر وبعث على طلب الدم. وقتلى: جمع قتيل. ورزاح: براء ثم زاي وحاء
مهملة، قبيلة. وعالج: اسم مكان. والناقع: الثابت، ومصدره النقوع.
والماصح: بميم وصاد وحاء مهملتين، الزائل الدارس. وضرية: اسم بلاد تشتمل على جبال. ودواعي: فاعل دعا. ومهراقة: مصبوبة. وغير بارح: أي زائل.
والقصد بالبيتين التذكير بدماء المقتولين، وفيهما بعث شديد وحض بليغ على طلب الدم، لما فيهما من تصوير مصرع القوم بما يأتيه من عوافي الطير، فتأكل من جيف القتلى. وقوله بعد هذه: إشارة الى الحالة الحاضرة الجامعة لكل ما ذكره، وأدخل السين في خبر عسى بدلا عن (انى) لاشتراكهما في الدلالة على الاستقبال. وغلات:
جمع غلة، بضم الغين المعجمة، وهي حرارة العطش. والكلي: جمع كلية.
والجوانح: جمع جانحة، وهي الضلوع القصار. والمعنى: المطموع فيه من أولياء الدم أن يطلبوا الثأر في المستقبل وإن كانوا أخّروه الى هذه الغاية، فلتسكن نفوس ولتبرد قلوب.
وأنشد:
يا ابن الزّبير طال ما عصيكا
هو لرجل من حمير يخاطب عبد الله بن الزّبير، وبعده:
وطال ما عنّيتنا إليكالنضربن بسيفنا قفيكا
قوله: عصيكا: أراد عصيت، فأبدل من التاء كافا، لأنها أختها في الهمس.
وقد استشهد به المصنف لذلك. وعنيتنا أتعبتنا.
وأنشد:
فقلت عساها نار كأس وعلّهاتشكّى فآتي نحوها فأعودها
هو لصخر بن جعد الخضري، من قصيدة: أوّلها:
تذكّرت كأسا إذ سمعت حمامةبكت في ذرى نخل طوال جريدها
دعت ساق حرّ فاستحنّت لصوتهامولّهة لم يبق إلّا شريدها
فيا نفس صبرا كلّ أسباب واصلستملى لها أسباب صرم تبيدها
وليل بدت للعين نار كأنّهاسنا كوكب لا يستبين خمودها
فقلت عساها نار كأس وعلّهاتشكّى فآتي نحوها فأزورها
فتسمع قولي قبل حتف يصيبنيتسرّ به أو قبل حتف يصيدها
كأس: اسم امرأة، كان صخر مغرما بها، وهي بنت بجير بن جندب. والذرى:
جمع ذروة. وصرم: بكسر الصاد، القطع. والسنا: بالقصر، الضوء. وتشكي:
أصله تتشكى.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع