من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [ابن الدّمينة]
ابن الدّمينة إسمه عبد الله بن عبيد الله، أحد بني عامر بن تيم الله. والدّمينة اسم أمه، وهي بنت حذيفة السلولية، يكنى أبا السري. شاعر إسلامي. وكان بلغه أن رجلا من أخواله من سلول يأتي امرأته ليلا، فرصده حتى أتاها فقتله، ثم قتلها بعده، ثم اغتالته سلول بعد ذلك فقتلته.
وأنشد:
غدت من عليه بعد ماتمّ ظمؤها
قال ابن يسعون: هو لمزاحم بن عمرو العقيلي. وقال البطليوسي والتدمري:
هو مزاحم بن الحارث. قال ابن سيدة: هو جاهلي. وقال أبو حاتم وأبو الفرج الأصبهاني: هو إسلامي. قال ابن يسعون: وأظنه أدرك الجاهلية والاسلام. وذكره الجمحي في الطبقة العاشرة من الشعراء الاسلاميين وتمامه:
تصلّ وعن قيض ببيداء مجهل
وقبله:
قطعت بشوشاة كأنّ قتودهاعلى خاضب يعلو الأماعز هيكل
أذلك أم كدرية ظلّ فرخهالقى بشرورى كاليتيم المعيّل
وبعده:
غدوا طوى يومين عند انطلاقهاكميلين من سير القطا غير مؤتل
الشوشاة: بمعجمتين، الناقة الخفيفة. والقتود، بضم القاف والفوقية، آخره دال مهملة، أداة الرحل وعيدانه، الواحد قتد. والخاضب: بمعجمتين وموحدة هنا، ولد النعامة، وهو الذي أكل الربيع فاحمرّ ظنبوباه وأطراف ريشه. والظنبوب:
مقدم عظم الساق. وقيل: الخاضب الذي قد خضب قوائمه في الربيع. والأماعز:
جمع أمعز، وهي الأرض الغليظة ذات الحجارة. والهيكل: الضخم. ويروى بدله (مجفل) أي سريع الذهاب، وذلك إشارة الى الخاضب. وهو مبتدأ خبره محذوف لدلالة الحال. والمعنى: أذلك الخاضب يشبه ناقتي في خفتها وسرعتها أم كدرية.
والكدرية: القطاة التي في لونها كدرة. والقطا نوعان: كدري وجوني، فالكدري:
أغبر اللون. والجوني: أسود اللون. واللقي: بالفتح، الشيء المطروح لهوانه.
وشروري: موضع، وقيل جبل. والمعيل: مفعل، من قولك: عالني الشيء يعيلني،
إذا أعجزك. وأصله من العيلة، وهي الحاجة. وقد عال الرجل يعيل عيلا إذا افتقر.
وقوله: (غدت من عليه) أي صارت من فوقه، يعني من فوق الفرخ. فعلى هنا اسم.
وقيل: معناه من عنده، فيكون (على) هنا بمعنى عند، قاله التدمري في شرح أبيات الجمل. قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: كيف؟ قال: غدت من عليه. والقطا: انما يذهب إلى الماء ليلا لا غدوة، فقال لم يرد الغدو، وانما: هذا الجنس مثل للتعجيل.
والظمء: بكسر المعجمة، مدة بقاء الابل والطير بلا شرب، ويروى: (خمسها).
وتصل: بكسر الصاد المهملة، تصوّت أحشاؤها من العطش، مأخوذ من الصليل، وهو صوت الحديد ونحوه. ويروى بدله: (تذل) أي تذهب كل مذهب من شدة سرعتها. والقيض: بقاف وتحتية ومعجمة، قشر البيض. والبيداء: المفازة. ويروى بدله (بزيزاء) بكسر الزاي الأولى وفتحها. وهي الأرض الغليظة الصلبة. وقيل:
المفازة التي لا أعلام فيها، لأن وزن المكسورة فعلال كقرطاس، ووزن المفتوحة فعلاء كحمراء. وقال ابن يسعون: الزيز: القطا المذكر، وهمزته للالحاق، وفتح زائه لغة هذيل والمفرد زيزاة. والمجهل: بفتح الميم والهاء، القفر الذي لا أعلام فيه يهتدي بها.
والمؤتل: المقصر في قوله تعالى (وَلا يَأْتَلِ) أي لا يقصر. ومطلع هذه القصيدة:
خليليّ عوجا بي على الرّبع نسألمتى عهده بالظّاعن المتحمّل
وأنشد:
هوّن عليك، فإنّ الأمور بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّهاولا قاصرا عنك مأمورها
هما للأعور الشنيّ، كذا في الحماسة البصرية، وفي شرح أبيات الكتاب للزمخشري. وقال في:
ولا قاصرا عنك مأمورها
ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون مأمورها مبتدأ وقاصر خبره، ثم تكون الجملة بأسرها معطوفة على الجملة الأولى، كقولك: ما زيد قائما ولا عمرو منطلق. الثاني:
ان تنصب قاصرا وتعطف على محل بآتيك، كأنه قال: فليس منهيها آتيا لك، ولا مأمورها قاصرا عنك. والعامل في الاسمين الأولين والمعطوف عليهما عامل واحد، وهو ليس، كقولك: ليس زيد قائما ولا عمرو منطلقا. الثالث: أن تجر قاصر او تعطفه على آتيك، ثم لا يخلو اما أن يكون مأمورها بمنزلة منهيها، محمولا على ليس، وهو من باب العطف على عاملين، لأنك أنبت الواو مناب ليس، والباء في بآتيك زائدة، واما أن تجعله من قولنا: ليس أمة الله بذاهبة ولا قائم أخوها، بعطف قائم على ذاهبة، وأخوها رفع بقائم، فيخبر عن أمة الله بذهابها وبقيام أخيها، فتكون قد عطفت خبرا على خبر، فكذلك قاصر معطوف على بآتيك، ومأمورها رفع بقاصر، وتكون قد أخبرت عن منهيها بقصور المأمور. وكان القياس على هذا مأموره. الا أن المنهى لما كان بعض الأمور أنث فعله كذهبت بعض أصحابه. ومعنى إضافة المأمور الذي يكون مع المنهى ويذكر معه ويقرن به، لأن الاضافة تكون بأدنى سبب. وفي هذا الوجه الثالث تعسف. وقاصر عنك: مقصر عن اتيانك، انتهى. ثم رأيت البيهقي قال في كتاب الأسماء والصفات مانصه: وأما قوله: في كف الرحمن، فمعناه عند أهل النظر، في ملكه وسلطانه. ومنه قول عمر بن الخطاب إن صح فيما أخبرنا أبو نصر بن قتادة قال أبو العباس محمد بن اسحق الضبعي، حدّثنا الحسين بن علي بن زياد، حدثنا إسمعيل بن أبي أوس، حدثني محمد بن عتبة الخراز عن حماد بن عمرو الاسدي، عن حماد بن ثلج، عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب كثيرا ما يخطب ويقول على المنبر:
خفّض عليك فإنّ الأمور بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّهاولا قاصر عنك مأمورها
أي في مالك الأله وقدرته، إنتهى.
وأنشد:
وما أصاحب من قوم فأذكرهمإلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
تقدم شرحه في شواهد (أم) في ضمن قصيدة زياد بن حمل.
وأنشد:
قد بتّ أحرسه وحدي ويمنعنيصوت السّباع به يضبحن والهام
هذا من قصيدة للنمر بن تولب، أوّلها:
شطّت بجمرة دار بعد إلمامنأي وطول تعاد بين أقوام
حلّتّ بتيماء في حيّ إذا احتملوافي الصّبح نادى مناديهم بأشآم
الى أن قال:
ومنهل لا ينام القوم حضرتهمن المخافة أجن ماؤه طامي
قد بتّ أحرسه وحدي ويمنعنيصوت السّباع به يضبحن والهام
قوله: شطت: أي بعدت. وجمرة: بجيم وراء زوجته، وهي من بني أسد.
وإلمام وتعاد، يقول: قومها وقومي متعادون فلا أقدر عليها. وتيماء: موضع بالشام. والاشآم: الأخذ نحو الشام. ومنهل: أي رب منهل لا ينام القوم فيه، بل يستوحشون من السباع ويفرقون. وأحرسه: أي أحترس فيه. ويضبحن:
بضاد معجمة وباء موحدة وحاء مهملة، يصوّتن. والهام: طير الليل، الواحد هامة.
وأورده الزمخشري:
قد بتّ أحرسه ليلا ويسهرني
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع