من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
حرف الواو
وأنشد:
فأصبح لا يسألنه عن بما به
والبيت قال العيني: لم يسم قائله. وتمامه:
أصعّد في علوّ الهوى أم تصوّبا
أصعد: أي ارتقى. أم تصوّبا: أي أم نزل. والبيت استشهد به على تأكيد عن بالباء تأكيدا لفظيا لأنهما يستعملان في معنى واحد، فيقال: سألت به وسألت عنه.
وأنشد:
على ربعين مسلوب وبال
هو لابن ميادة وأوّله:
أمن طلل بمدفع ذي طلالأمحى جديده قدم اللّيالي
بكيت وما بكا رجل حزينعلى ربعين مسلوب وبالي
قال الزمخشري: ذو طلال: واد بأعلى السربة. أمحى: أبلى. المسلوب:
الذي قوّضت أخبيته وابتزت عمده. والبالي الذي ذهبت آثاره. ومسلوب وبال:
بدل من ربعين. ويروى (وما بكا رجل نزيع) أي منتزع وبال كالمسلوب.
وأنشد:
[إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهافقدان مثل محمّد ومحمّد]
قال المبرد في الكامل: كان الحجاج رأى في منامه أن عينيه قلعتا فطلّق الهندين: هندا بنت المهلّب، وهندا بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث أن جاءه نعيّ أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد، فقال: هذا والله تأويل رؤياي، ثم قال: إنّا لله وإنّا اليه راجعون، محمد ومحمد في يوم واحد:
حسبي بقاء الله من كلّ ميّتوحسبي رجاء الله من كلّ هالك
إذا كان ربّ العرش عنّي راضيافإنّ شفاء النّفس فيما هنالك
وقال: من يقول شعرا يسليني به؟ فقال الفرزدق:
إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهافقدان مثل محمّد ومحمّد
ملكان قد خلت المنابر منهماأخذ الحمام عليهما بالمرصد
فقال: لو زدتني! فقال الفرزدق:
إنّي لباك على ابني يوسف جزعاومثل فقدهما للدّين يبكيني
ما سدّ ميت ولا حيّ مسدّهماإلّا الخلائف من بعد النّبيّين
وأنشد:
وزجّجن الحواجب والعيونا
هذا من قصيدة للراعي وصدره:
وهزّه نسوة من حيّ صدق
وقيل صدره:
إذا ما الغانيات برزن يوما
وبعده:
أنحن جمالهنّ بذات غسلسراة اليوم يمهدن الكدونا
ومطلع القصيدة:
أبت آيات حبّي أن تبينالنا خبرا وأبكين الحزينا
الغانيات: جمع غانية، وهي المرأة التي غنيت بجمالها عن الحليّ. وبرزن: ظهرن.
وزججن: بزاي وجيمين، يقال: زججت المرأة حاجبها دققته، وطوّلته. والزجج:
دفة في الحاجبين وطول. والرجل أزج. وذات غسل: بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة ولام، اسم موضع. وقيل: إنه قرية بين اليمامة والساج.
وسراة اليوم. وسطه، وسراة كل شيء: وسطه. وكدون بالضم، جمع كدن، وهو ما توطأ به المرأة مركبها من كساء ونحوه.
وأنشد:
وألفى قولها كذبا ومينا
قال محمد بن سلام الجمحي: هو لعدي بن زيد، وأوّلها:
ففاجأها، وقد جمعت فيوجاعلى أبواب حصن مصلتينا
فقدّمت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذبا ومينا
قال: وفي قافيته الإسناد. وقال المفضل: في روايته (كذبا مبينا): فرارا من الاسناد، والرواية هي الاولى. انتهى.
وأنشد:
عليك ورحمة الله السّلام
قال البطليوسي: لا أعلم قائله. قال: ونسبه قوم للأحوص، وصدره:
ألا يا نخلة من ذات عرق
قال التدمري: وبعده:
سألت النّاس عنك فأخبرونيهنا من ذاك يكرهه الكرام
وليس بما أحلّ الله بأسإذا هو لم يخالطه الحرام
قال التدمري: ويروى بدله قوله:
عليك ورحمة الله السّلامبرود الظّلّ شاعكم السّلام
أي ملاكم السلام. وذات عرق: موضع بالحجاز. والنخلة هنا: كناية عن المرأة، كما كنى عنها الآخر بالسرحة وهي الشجرة في قوله:
أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك
وأنشد:
كما النّاس مجروم عليه وجارم
تقدّم شرحه في شواهد الكاف.
وأنشد:
وقالوا: نأت فاختر من الصّبر والبكافقلت: البكا أشفى إذا لغليلي
تقدّم شرحه في شواهد اللام ضمن قصيدة كثير.
وأنشد:
على الحكم المأتيّ يوما إذا قضىقضيّته أن لا يجور ويقصد
وأنشد:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهمولم تكثر القتلى بها حين سلّت
هو للفرزدق. قال المبرد في الكامل: هذا بيت طريف جدّا عند أصحاب المعاني، وتأويله لم يشموا: لم يغمدوا، ولم تكثر القتلى، أي لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى بها حين سلّت.
وأنشد:
ولبس عباءة وتقرّ عينيأحبّ إليّ من لبس الشّفوف
تقدّم شرحه في شواهد لو.
وأنشد:
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيم
المشهور أنّ هذا البيت لأبي الاسود الدؤلي، وقد تقدمت القصيدة التي هو منها بتمامها في حرف اللام. وقد وقع
في قصيدة للمتوكل بن عبد الله اللّيثي، فعزاه بعضهم إليه. فأما أن يكون من توارد الخواطر، أو سرقة منه، فإنه متأخر عنه، كان في عهد يزيد بن معاوية، والقصيدة المذكورة أوّلها:
للغانيات بذي المجاز رسومفببطن مكّة عهدهنّ قديم
ومنها:
لا تتّبع سبل السّفاهة والخناإنّ السّفيه معنّف مشتوم
وأقم لمن صافيت وجها واحداوحليفة إنّ الكريم يؤوم
لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعار عليك إذا فعلت عظيم
وإذا رأيت المرء يعير نفسهوالمحصنات فما لذاك حريم
ومعيّري بالفقر قلت له اقتصدإنّي أمامك في الزّمان قديم
قد يكثر النّكس المقصّر همّهويقلّ مال المرء وهو كريم
تريك أمكنة إذا لم أرضهاحمّال أضغان بهنّ غشوم
ومنها:
تلقى الدّنيّ يذمّ من ينوي العلاجهلا ومتن قناته موصوم
فعل المنافق ظلّ يأبن ذا النّهىفي دينه ونفاقه معلوم
وقال شارع أبيات الايضاح: اختلف في هذا البيت اختلافا كثيرا، فنسب لأبي الاسود الدؤلي. وقيل: هو لأبي جهينة المتوكل بن نهشل بن مسافع الليثي. ورأيت في تاريخ ابن عساكر بسنده الى ابن رواحة: إنه للطّرّماح. وفي شواهد من للزمخشري: إنه لحسان. وقيل: للأخطل، ونسبه الحاتمي لسابق البربري. وبه جزم الآمدي في المؤتلف والمختلف. قال الشارح المذكور: والصحيح عندي كونه لأبي الأسود وللمتوكل. وقد رأيته في قصيدة
كل منهما. قال الحاتمي: هذا البيت أشرف بيت في تجنب إتيان ما ينهى عنه. وقوله: (عار) خبر مبتدأ مقدر، أي ذلك عار و (عليك) صفة عار. وعظيم: نعت بعد نعت، والعامل في إذا إما متعلق الجار أو عظيم.
وأنشد:
وو الله لولا تمره ما حببته
وتمامه:
وكان أدنى من عبيد ومشرق
وقبله:
أحبّ أبا مروان من أجل مالهوأعلم أنّ الرّفق بالمرء أرفق
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: كذا أنشده الجوهري وغيره على الإقواء.
ورواه المبرد:
وكان عياض منه أدنى ومشرق
بغير إقواء. وكل رواه أبو الحسن الاخفش. وقال: عياض ومشرق رجلان.
ومشرق بضم الميم وكسر الراء، بزنة اسم الفاعل. وقال السخاوي: أنشده ابن الأعرابي بلفظ: (وأقسم لولا غيره).
وأنشد:
وما بال من أسعى لأجبر عظمهحفاظا وينوي من سفاهته كسري
قال ثعلب في أماليه: زعم عثمان بن حفص الثقفي أنّ خلفا الأحمر أخبره عن مروان بن أبي حفصة أنّ هذا الشعر لابن الذئبة الثّقفي وبعده:
أعود على ذي الذّنب والجهل منهمبحلميّ، ولو عاقبت غرّقهم بحري
أناة وحلما وانتظارا بهم غدافما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر
أظنّ صروف الدّهر والجهل منهمستحملهم منّي على مركب وعر
ألم تعلموا أنّي تخاف عزائميوأنّ قناتي لا تلين على القسر
وإنّي وإيّاهم كمن نبّه القطاولو تنبّه باتت الطّير لا تسري
ثم رأيت في المؤتلف والمختلف لأبي القاسم الآمدي نسبة ذلك الى وعلة بن الحارث الجرمي، شاعر جاهلي.
وأنشد:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
هو من معلقة امرئ القيس، وتقدّم شرحه في شواهد اللام.
وأنشد:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
تقدم شرحه في شواهد التنوين.
وأنشد:
وإذ ما مثلهم بشر
تقدم شرحه في شواهد إذ.
وأنشد:
شربت بها والدّيك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
هو للنابغة الجعدي، وقبله:
ومولى جفت عنه الموالي كأنّمايرى وهو مطليّ به القار أجرب
وصهباء لا تخفي القذى وهي دونهتصفّق في راووقها ثمّ تقطب
شربت بها والدّيك يدعو صباحهإذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
وبيضاء مثل الرّيم لو شئت قد صبتإليّ وفيها للمخاضر ملعب
تجنّبتها إنّي امرؤ في شبيبتيوتلعابتي عن ريبة الجار أنكب
وخرق مروراة يحاربها القطايردّد فيه همّه أين يذهب
قطعت بهوجاء النّجاء كأنّهامهاة يراعيها بحربة ربرب
قال الزمخشري: قوله: (لا تخفي القذى) أي لا تسره لصفائها، وهي دونه.
يريد: أن القذى إذا حصل في أسفل الإناء رآه الرائي في الموضع الذي هو فيه.
والخمر أقرب إلى الرائي من القذى، وهي ما بين الرائي وبين القذى. يريد أنه يرى ما وراءها. وتصفق: تدار من إناء الى إناء. يدعو صباحه: أي في وقت صباحه.
وقال ابن الدهان، في الغرّة: شذ. قوله: دنوا فتصوّبوا، لأنه أجرى بنو نعش مجرى من يعقل، وعزا البيت لجرير.
وأنشد:
يلومونني في اشتراء النّخيلأهلي فكلّهم ألوم
قال العيني: لم أقف على اسم قائله. وقوله: ألوم، أفعل تفضيل من اللوم.
ويروى: فكلهم يعذل. قلت: عزاه السخاوي في المفصل الى أحيحة بن الجلاح وأورده بلفظ: (قومي فكلهم يعذل). وقال ابن الدهان في الغرّة: يرويه الفرّاء بالميم: ألوم. والبصري يرويه باللام يعذل.
وأنشد:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّىوجدت مرارة الكلإ الوبيل
قال أبو الفرج في الأغاني: اخبرنا ابن دريد، حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: كان عقيل علقمة قد طرد بنيه، فتفرّقوا عنه في البلاد وبقى وحده. ثم إن رجلا من بني صرمة، يقال له، بجيل - وكان كثير المال والماشية - حطم بيوت، عقيل بماشيته، ولم يكن قبل ذلك أحد يقرب من بيوت عقيل إلّا لقى شرّا، فطردت أمة له الماشية، فضربها بجيل بعصا كانت معه فشجعها. فخرج إليه عقيل وحده - وقد هرم يومئذ وكبرت سنه - فزجره وضربه بجيل بعصاه واحتقره، فجعل عقيل يصيح: يا علقمة، يا عملّس، بأسماء أولاده مستغيثا بهم، فقال ارطاة بن سهيه:
أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّىوجدت مرارة الكلإ الوبيل
ولو كان الألى غابوا شهودامنعت فناء بيتك من بجيل
وبلغ خبر عقيل ابنه العملس وهو بالشام، فأقبل الى أبيه حتى نزل إليه، ثم عدا الى بجيل فضربه ضربا مبرحا، وعقر عدة من إبله وأوثقه، وجاء به حتى ألقاه بين يدي أبيه، ثم ركب راحلته وعاد من وقته الى الشام ولم يطعم له طعاما ولم يشرب له شرابا.
قال ابن الشجري: قوله: أكل الضبّ: معناه أكل الضب أولاده، لأن الضباب تأكل أولادها إلا القليل، فجعل تعديه على بنيه وظلمه لهم كأن الضب ولده مبالغة في وصفه بالبغي عليهم والظلم لهم.
وأنشد:
وقد أسلماه مبعد وحميم
هو لعبد الله بن قيس الرقيات يرثي مصعب بن الزبير بن العوام، وقبله:
لقد أورث المصرين خزيا وذلّةقتيل بدير الجاثليق مقيم
تولّى قتال المارقين بنفسهوقد أسلماه مبعد وحميم
أراد بالمصرين: البصرة والكوفة. ودير الجاثليق: بجيم ومثلثة مفتوحة ولام مكسورة وتحتية وقاف، موضع على شاطئ نهر دجلة بالعراق قتل به مصعب سنة احدى وسبعين. وأسلماه: خذلاه ولم ينصراه، والمبعد: بفتح العين، الرجل الأجنبي. والحميم: الصاحب الذي يهتم بصاحبه.
وأنشد:
من حوثما سلكوا أدنو فأنظور
وقال ابن جنى في سرّ الصناعة: أنشدني أبو علي:
الله يعلم أنّا في تلفّتنايوم الفراق إلى أحبابنا صور
وأنّني حيثما يثني الهوى بصريمن حوثما سلكوا أدنو فأنظور
يريد: فأنظر، فاشبع ضمة الظاء، فنشأت عنها واو، انتهى.
وأنشد:
سقيت الغيث أيّتها الخيام
تقدم شرحه في شواهد الباء ضمن قصيدة جرير.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع