من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
الكتاب السادس
وأنشد:
بكرت عليه بكرة فوجدتهقعودا لديه بالصّريم عواذله
هذا من قصيدة لزهير بن أبي سلمى أوّلها:
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطلهوعرّي أفراس الصّبا ورواحله
وقبل هذا البيت:
وأبيض فيّاض يداه غمامةعلى معتفيه ما تغبّ نوافله
وبعده:
يفدّينه طورا وطورا يلمنهوأعيا فما يدرين أين مخاتله
أخي ثقة لا تهلك الخمر مالهولكنّه قد يهلك المال نائله
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الّذي أنت سائله
ترى الجند والأعراب يغشون بابهكما وردت ماء الكلاب هوامله
إذا ما أتوا به قال مرحبالجوا الباب حتّى يأتي الجوع قاتله
فلو لم يكن في كفّه غير نفسهلجاد بها فليتّق الله سائله
قوله: صحا القلب، أي انكشف عنه ما كان به من سكر الباطل. وأقصر:
كف. وعرى أفراس الصبا: مثل ضربه، أي تركت الصبا فلا أركبه. والصبا:
الميل الى الباطل. والأبيض: السيد. وفياض: سخى. والمعتفون: الذين يأتونه فيطلبون ما عنده. وما تغب: أي انها دائمة لا تنقطع، لا يكون غاية في كل يوم. ونوافله: عطاياه. والصريم: قال ابن قتيبة: جمع صريمة، وهي القطعة من الرمل تنقطع من معظمه. قال أبو عبيدة: الصريم: الليل. وأراد أنه غدا عليه في بقية من الليل. ويقال الصريم: الصبح، لأنه يصرم بين الليل والنهار.
وعواذله: يعذلنه على انفاق ماله. وقوله: يدرين: أي لا يدرين أين الأمر الذي يختلنه فيه أي كيف يخدعنه. وأخو ثقة: أي يوثق به. وقوله: لا يذهب الخمر ماله: لا يفنى ماله في اللذات لكن في المكارم. والنائل: النوال والعطاء.
ومتهلل: ضاحك. والجند: الفرسان. والأعراب: الرجالة. والكلاب: بضم الكاف، ماء بأرض بني عامر. والهوامل: الإبل بلا راع. ولجوّا: ادخلوا. وقاتل الجوع:
القرى. ومن أبيات هذه القصيدة قوله:
فقلت تعلّم أنّ للصّيد غرّةوإلّا تضيّعها فإنّك قاتله
وقد استشهد به المصنف في التوضيح على وقوع تعلم على أنّ وصلتها.
وأنشد:
ولكنّما أهلي بواد أنيسهذئاب تبغّى النّاس مثنى وموحد
هذا من قصيدة لساعدة بن جؤية يرثي بها ابنه أبا سفيان، وأوّلها:
ألا بات من حولي نياما ورقّداوعاودني حزني الّذي يتجدّد
وعاودني ديني فبثّ كأنّماخلال ضلوع الصّدر شرع ممدّد
بأوب يدي صنّاجة عند مدمنغوىّ إذا ما ينتشي يتغرّد
ولو أنّه إذ كان ما حمّ واقعابجانب من يحفى ومن يتودّد
ولكنّما أهلي بواد أنيسهذئاب تبغّى النّاس مثنى وموحد
أرى الدّهر لا يبقى على حدثانهأبود بأطراف المناعة جلعد
قوله: ديني: أي حالي. وخلال: بين. وشرع: بكسر المعجمة وسكون الراء آخره مهملة، الوتر الذي في الملاهي. والمعنى: كأن حنيني ضرب عود في أضلاعي. وأوب: رجوع وترديد في الضرب. ومدمن: أي للخمر. وينتشي:
يسكر. ويتغرّد: يتغنى ويطرب. وحم: قدر. ويحفى: يكرم. ويرفق: يقول:
لو كان ابني اذ أصابه ما قدرّ له من الموت بجانب من يودّه ويكرمه لكان أهون لما بي، ولكنه بواد ليس له أنيس مع الذئاب والوحش. وأورد المصنف البيت مستشهدا به على استعمال مثنى وموحد نعتين لذئاب، أو خبرين لمبتدأ محذوف، أي بعضهم مثنى وبعضهم موحد. وقيل: هما بدلان من ذئاب. ورده أبو حيان بقلة ولائهما العوامل. والإبدال انما يكون بالأسماء التي بابها ان تلي العوامل.
وتبغي أصله تبتغي، فحذف إحدى التاءين. يقال: تبغيته إذا طلبته وبغيته.
والأبود: الأبد المتوحش. والمناعة: بلدة. وجلعد: غليظ.
وأنشد:
ولا أرض أبقل إبقالها
هو لرجل طائي، وهو عامر بن جوين بالتصغير، وصدره:
فلا مزنة ودقت ودقها
ومزنة: مبتدأ وأسم لا على إلغائها أو إعمالها عمل ليس. وهي واحدة المزن، وهو السحاب الأبيض. ويقال للمطر: حب المزن. قال المصنف: وهمّ ابن يسعون فقال: إنه المطر نفسه. ويردد قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ). والودق:
بالدال المهملة، المطر. ودقت تدق: قطرت. والجملة خبر المبتدأ، أو خبره، أو نعت لمزنة. والخبر محذوف أي موجودة. وودقها وابقالها مصدر ان تشبيهان.
وأرض: اسم للبرية المزنة. وأبقل: خبرها، فمحله الرفع، أو نعت لاسمها، فمحله النصب والرفع. ويقال للمكان أول ما ينبت فيه البقل: أبقل، وقد يقال: بقل بقلا وبقولا. ولوجه الغلام أول ما ينبت فيه الشعر: بقل، لا غير. وأنكر جماعة واستشهد بقوله: بقل، على حذف التاء من الفعل المسند الى ضمير المؤنث المجازي منهم الأصمعي بقل في المكان، وادّعوا أن باقلا من الشواذ، كأعشب فهو عاشب، ضرورة. قال المصنف: وكأنه لما اضطر حمل الأرض على الموضع. وزعم ابن كيسان: ان ذلك جائز في النثر، وأن البيت بضرورة لتمكنه من أن يقول أبقلت ابقالها، بنقل كسرة الهمزة الى التاء، فتحذف الهمزة. وأجاب السيرافي: بأنه يجوز أن يكون هذا الشاعر ليس من لغته تخفيف الهمزة. وذكر ابن يسعون: أن بعضهم رواه بالتاء وبالنقل المذكور. قال المصنف: فإن صحت الرواية وصح أن القائل ذلك هو الذي قال: (ولا أرض أبقل) بالتذكير، صح لابن كيسان مدّعاه، وإلا
فقد كانت العرب ينشد بعضهم قول بعض، وكل يتكلم على مقتضى لغته التي فطر عليها، ومن هنا تكثرت
الروايات في بعض الأبيات. وذكر ابن الغواص في شرح ألفية ابن معطي: أنه روى ابقالها، فلا شاهد فيه حينئذ. وزعم بعضهم أنه لا شاهد فيه على رواية النصب أيضا ذات، وان التقدير: ولا مكان أرض. فحذف المضاف وقال: أبقل، على اعتبار المحذوف. وقال: ابقالها على اعتبار المذكور.
وأنشد:
صفحنا عن بني ذهلوقلنا: القوم إخوان
عسى الأيّام أن يرجعن قوما كالّذى كانوا
هما من قصيدة للفند الزّمّاني قالها في حرب البسوس، وأولها:
أقيدوا القوم إنّ الظّلم لا يرضاه ديّان
وإنّ النّار قد تصبح يوما وهي نيران
وفي العدوان للعدوان توهين وإقران
وفي القوم معا للقوم عند البأس أقران
وبعض الحلم يوم الجهل للذّلّة إذعان!
صفحنا عن بني ذهلوقلنا القوم إخوان
عسى الأيّام أن يرجعن قوما كالّذى كانوا
فلمّا صرّح الشّرّ بدا والشّرّ عريان
ولم يبق سوى العدوان دنّاهم كما دانوا
أناس أصلنا منهمودنّا كالّذى دانوا
وكنّا معهم نرميفنحن اليوم أخدان
وفي الطّاعة للجاهل عند الحرّ عصيان
فلمّا أن أبوا صلحاوفي ذلك خذلان
شددنا شدّة اللّيثغدا واللّيث غضبان
بضرب فيه تأميموتفجيع وإرنان
بطعن كفم الزّقّغذا والزّقّ ملآن
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع