تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

الكتاب الثامن

وأنشد:

فتى هو حقّا غير ملغ قولهولا تتّخذ يوما سواه خليلا

وأنشد:

إنّ امرأ خصّني يوما مودّتهعلى التّنائي لعندي غير مكفور

هو لأبي زبيد الطائي يمدح أخاه لأمه وليد بن عقبة عامل الكوفة في خلافة عمثان ﵁. وسبب ذلك أن بني تغلب أخواله كانوا قد أخذوا له إبلا فاقتلعها منهم وليد المذكور، وبعده:

أرعى وأروى وأدناني وأظهرنيعلى العدوّ بنصر غير تعذير

أرعى: جعل إبله ترعى. وأروى: سقاها. والتعذير التقصير.

وأنشد:

أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب

هو لعامر بن الطّفيل، وصدره:

فما سوّدتني عامر عن وراثة

قال الصولي: حدثني الحسن بن اسمعيل قال: سمعت المعتضد يقول:

لا فخر أفخر من قول عامر بن الطفيل:

وإنّي وإن كنت ابن سيّد عامروفارسها المشهور في كلّ موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثةأبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة
ولكنّني أحمي حماها، وأتّقيأذاها، وأرمي من رماها بمنكبي
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

هذا والله السؤدد أن يشرف بنفسه، يزيد بذلك شرفه بآبائه، فإن نقص عنهم كان ذلك لاحقا به لا بهم. والأبيات المذكورة من قصيدة، أولها:

تقول ابنة العمريّ مالك بعد ماأراك صحيحا كالسّليم المعذّب

السليم: اللديغ. وسوّدتني: من السيادة. وأسمو: من السمو، وهو العلو والارتفاع. والمنكب: بكسر الكاف وفتح الميم، رأس العرفاء في النكاية، وهي العرافة. وقيل أعوان العرفاء. والمعنى: وأرمي من رماها بجماعة رؤساء من الفوارس. وعامر بن الطفيل العامري، ورد على النبي ﷺ ولم يسلم وتهدّده، فقال رسول الله ﷺ: اللهمّ اكفنيه بما شئت! فأخذه الطاعون كما ثبت ذلك في كتاب المعجزات. وفي شرح شواهد الإيضاح أنه يكنى أبا الجزاز، بزائين. وقيل أبا جزيز بالتصغير. وأنه لما قدم كان له بضع وثمانون سنة، وكان أعور.

وأنشد:

إذا رضيت عليّ بنو قشير

تقدم شرحه في شواهد على.

وأنشد:

فيها خطوط من سواد وبلقكأنّه في الجلد توليع البهق
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

تقدم شرحه في شواهد التنوين.

وأنشد:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهكاليوم هانئ أينق جرب

قال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو عامر عن أبي عبيدة قال:

خرجت تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشّريد، وهي الخنساء، وهي في زود لها جرّب، ثم نضت عنها ثيابها واغتسلت، ودريد بن الصّمّة يراها لا تراه، فقال دريد:

حيّوا تماضر واربعوا صحبيوقفوا فإنّ وقوفكم حسبي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهكاليوم هانئ أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنهيضع الهناء مواضع النّقب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»
متحسّرا نضخ الهناء بهنضخ العبير بريطة الهضب
أخناس قد هام الفؤاد بكمواعتاده داء من الحبّ
فسليهم عنّى خناس إذاغضّ الجميع هناك ما خطبي

قال القالي: النّقب، بكسر القاف، ويقال أيضا بفتحها، القطع المتفرّقة من الجرب في جانب البعير، والواحدة نقبة. وغضّ: من الغضاضة واللّين.

وخناس: هي الخنساء الشاعرة المشهورة وأسمها تماضر. وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي عبيدة وابن الأعرابي وابن الكلبي مثل هذه القصة. وزاد: فلما أصبح غدا على أبيها يخطبها، فدخل عليها أبوها فقال: يا خنساء، أتاك فارس هوزان وسيّد جشم دريد بن الصّمّة يخطبك! فقالت: أنظرني حتى أشاور نفسي، ثم بعثت وليدة لها فقالت: انظري دريدا إذا بال، فإن وجدت بوله قد خرق الأرض ففيه بقية، وإن وجدته قد ساح على وجهها فلا فضل فيه.

فاتّبعته وليدتها ثم عادت اليها فقالت: قد وجدت بوله قد ساح على وجه الأرض.

فعاودها أبوها فقالت: يا أبه، أتراني تاركة بني عمّي مثل عوالي الرمّاح وناكحة شيخ بني جشم هامة اليوم أو غد! فصرف دريد.

وأنشد:

لما أغفلت شكرك فاصطنعنيفكيف ومن عطائك جلّ مالي

وأنشد:

يا ليت حظّي من نداك الصّافيوالفضل أن تتركني كفاف

هذا من رجز لرؤبة يخاطب به أباه العجّاج وقد سرق، أعني أباه، قصيدة له وأنشدها سليمان بن عبد الملك فأجازه عشرة آلاف درهم، فطلب منه ابنه نصيبا منها لكونه أجيز بشعره فأبى. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي سعيد السّيرافي عن أبي بكر بن السراج عن أبي العباس المبرد عن الرياشي عن الأصمعي قال: قال رؤبة:

خرجت مع أبي أريد سليمان بن عبد الملك، فلما صرنا ببعض

الطريق قال لي: أبوك راجز وجدّك راجز وأنت مفحم. قلت: أفأقول؟ قال:

نعم، قلت:

كم قد حسرنا من علاة عبس

ثم أنشدته إياها فقال: اسكت فضّ الله فاك. فلما انتهينا الى سليمان قال له: ما قلت؟ فأنشده أرجوزتي، فأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما خرجنا من عنده قلت: أتسكتني وتنشد أرجوزتي؟ فقال: اسكت ويلك! فإنك أرجز الناس. قال:

فالتمست منه أن يعطيني نصيبا مما أخذه بشعري (فأبى) فنابذته فقال:

لطالما أجرى أبو الجحّافلبدته بعيدة الإتحاف
يأتي عن الأهلين والألّافسر هفته ما شئت من سرهاف
حتّى إذا ما آض ذا أعرافكالكردن السّرود بالإكاف
قال: الّذي عندك لي صرافمن غير ما كسب ولا اعتراف

فقال رؤبة يجيبه:

إنّك لم تنصف أبا الجحّافوكان يرضى منك بالإنصاف
ظلمتني غيّك ذو الإسرافيا ليت حظّي من نداك الصّافي

والفضل أن تتركني كفاف

أبو الجحاف: بجيم ثم حاء مهملة وفاء، كنية رؤبة. وروى صاحب كتاب (مناقب الشبّان وتقديمهم على ذوي الأسنان) من طريق محمد بن سلام، عن أبي يحيى الضبي قال: كان رؤبة يرعى إبل أبيه حتى بلغ وهو لا يقرض الشعر، فتزوّج أبوه امرأة يقال لها عقرب، فعادت رؤبة، وكانت تقسم إبله على أولادها الصغار، فقال رؤبة: ما هم بأحق مني لها!، إني لأقاتل عنها السنين، وأنتجع بها الغيث. فقالت عقرب للعجّاج: اسمع هذا وأنت حي! فكيف بنا بعدك؟ فخرج فزبره وصاح به وقال له اتبع إبلك، (ثم قال).

لطالما أجرى أبو الجحّافوكان يرضى منك بالإنصاف
لمّا رآني أرعشت أطرافياستعجل الدّهر وفيه كاف

يخترف الإلف عن الألّاف

في أبيات، فأنشد رؤبة يجيبه:

إنّك لم تنصف أبا الجحّافوهو عليك دائم التّعطاف

وكان يرضى منك بالإنصاف

قال صاحب مناقب الشبان: قوله:

استعجل الدّهر وفيه كاف

كقول الآخر:

يعين عليّ الدّهر والدّهر مكتف

وقول كسرى:

إذا أدبر الدّهر عن قوم كفى عدوّهم

وأنشد:

جالت لتصرعني فقلت لها اقصريإنّي امرؤ قتلي عليك حرام

هو من قصيدة لامرئ القيس بن حجر قوافيها كلها مجرورة سوى هذا البيت فإنه وقع في الإقواء، وأولها:

لمن الدّيار غشيتها بسحامفعمايتين فهضب ذي أقدام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»
دار لهند والرّباب وفرتنىولميس قبل حوادث الأيّام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»
عوجا على الطّلل المحيل لأنّنانبكي الدّيار كما بكى ابن جذام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»

ومنها:

ومجدّة نسّأتها فتكمّشترتك النّعامة في طريق حام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»
تخدي على العلّات سام رأسهاروعاء منسمها رثيم دام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»
جالت لتصرعني فقلت لها اقصريإنّي امرؤ قتلي عليك حرام
فجزيت خير جزاء ناقة واحدورجعت سالمة القرى بسلام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بِسحام»

سحام، بمهملتين مضموم الأول. وذى أقدام: موضعان. وعمايتان:

بمهملة، جبلان. وهضب وهند والرباب وفرتنا ولميس أسماء نساء. وعوجا:

اعطفا. والمحيل: المتغير. ولأنّنا: لغة في لعلّنا. وقد استشهد بالبيت على ذلك.

وابن جذام: شاعر قديم. ومجدة: ناقة سريعة. والواو واورب. ونسأتها:

زجرتها. وتكمشت: أسرعت. ورتك: سرعة. وحام: حار من الشمس. وتحدى:

تسرع. والعلاة: المشاد. وسام: مرتفع. وروعاء: نشيطة. والمنسم: طرف الخف.

ورثيم: مجروح. ودام: نفر دمه. وجالت: اضطربت. وتصرعني: تسقطني واقصري: كفي. والبيت في ديوان امرئ القيس بلفظ:

صرعي عليك حرام

والقرى: بالقاف الظهر.

وأنشد:

طلبوا صلحنا ولات أوان

تقدم شرحه في شواهد لات.

وأنشد:

ما تنقم الحرب العوان منّي

تقدم شرحه في شواهد أم.

وأنشد:

يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا

هو من أبيات أولها:

حوراء لو نظرت يوما إلى حجرلأثّرت سقما في ذلك الحجر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»
يزداد توريد خدّيها إذا لحظتكما يزيد نبات الأرض بالمطر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»
فالورد وجنتها والخمر ريقتهاوضوء بهجتها أضوا من القمر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»
يا من رأى الخمر في غير الكروم ومنهذا رأى نبت ورد في سوى الشّجر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»
كادت ترفّ عليها الطّير من طربلمّا تغنّت بتغريد على وتر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»
بالله يا ظبيات القاع قلن لناليلاي منكنّ أم ليلى من البشر
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنامن هؤ ليّائكنّ الضّال والسّمر
للشاعر كامل المنتفقي، اقرأ القصيدة

هكذا رأيته بخط المصنف في بعض تعاليقه. ورأيت في الدمية للباخرزي: قوله:

(بالله يا ظبيات القاع) بعد قوله: (يا ما أمليح)، وبعدهما قوله:

إنسانة الحيّ؟ أم أدمانة السّمر؟بالنّهي، رقّصها لحن من الوتر!
للشاعر العرجي، من قصيدة «إنسانة الحي أم أدمانة السمر»

ولم يذكر غير هذه الثلاثة. وقال: إنها من مترنمات كامل الثقفي. قال:

ولكامل هذا شعر بدوي، وصيت له بين الشعراء روي. والبيت: استشهد به المصنف كالنحاة على تصغير فعل التعجب. واستشهد غيره بعجزه على تصغير اسم الإشارة، وعلى اقترانه بالهاء. وقوله: بالله يا ظبيات القاع ... البيت. استشهد به أهل البديع على النوع المسمى تجاهل العارف. واستشهد به المصنف في التوضيح على تحريك ياء ظبية في الجمع بألف وتاء. وفي شواهد العيني: نسبة هذه الأبيات للعرجي. وأميلح: تصغير أملح، من ملح الشيء ملاحة. وشدنّ: بتشديد النون، جمع مؤنث من شدن الظبي شدونا، إذا صلح جسمه وإذا قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه فهو شادن. والضال: بمعجمة ولام خفيفة، السدر البري، واحده ضالة بالتخفيف أيضا. والسمر: بضم الميم، ضرب من شجر الطلح، الواحدة سمرة.

وظبيات جمع ظبية. والقاع: المستوى من الأرض.

وأنشد:

يا صاح بلّغ ذوي الزّوجات كلّهمأن ليس وصل إذا انحلّت عرا الذّنب

وأنشد:

لحب المؤقدين إليّ مؤسىوجعدة إذ أضاءهما الوقود

هو من قصيدة لجرير يمدح بها هشام بن عبد الملك. أولها:

عفا النّسران بعدك فالوحيدولا يبقى لجدّته جديد
نظرنا نار جعدة هل نراهاأبعد غال ضوءك أم همود
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا النسران بعدك والوحيد»
لحبّ المؤقدين إليّ مؤسىوجعدة إذ أضاءهما الوقود
تعرّضت الهموم لنا فقالتجعادة: أيّ مرتحل تريد
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا النسران بعدك والوحيد»
فقلت: لها الخليفة غير شكّهو المهديّ والحكم الرّشيد
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا النسران بعدك والوحيد»

ومنها:

هشام الملك والحكم المصفّىيطيب إذا نزلت به الصّعيد
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا النسران بعدك والوحيد»
يعمّ على البريّة منه فضلوتطرق من مخافته الأسود
وإن أهل الضّلالة خالفوكمأصابهم كما لقيت ثمود
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا النسران بعدك والوحيد»
وأمّا من أطاعكم فيرضىوذو الأضغان يخضع مستقيد
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا النسران بعدك والوحيد»

النسران: انقاء بالدهناء، واحدها نقا، وهو كثيب من الرمل. والوحيد وموسى ابنه. وجعدة: ابنته. وهما عطفان بيان للموقدين، كانا يوقدان نار القرى. وإذ أضاءهما: بدل اشتمال منهما. واللام في لحب للقسم. وحب: فعل ماض بضم الحاء وفتحها من أحب وحب. والمعنى: حبّب الله إليّ اضاءة وقودهما إياهما.

وأنشد:

ممّا حملن به وهنّ عواقدحبك النّطاق فشبّ غير مهبّل
حملت به في ليلة مزؤودةكرها وعقد نطاقها لم يحلل
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «وَلَقَدْ سَرَيْتُ عَلَى الظَّلاَم بِمغْشَمٍ»

تقدم شرحه في شواهد الى.

وأنشد:

كيف تراني قالبا مجنّيقد قتل الله زيادا عنّي

وأنشد:

لنا قمراها والنّجوم الطّوالع

تقدم شرحه في شواهد الخطبة.

وأنشد:

إلى ملك كاد الجبال لفقدهتزول وزال الرّاسيات من الصّخر

وأنشد:

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم

تقدم شرحه.

وأنشد:

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحىولكنّما الفتيان كلّ فتى ند

وأنشد:

حتّى يكون عزيزا من نفوسهمأو أن يبين جميعا وهو مختار

وأنشد:

إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحاعنّي وما سمعوا من صالح دفنوا

قاله قعنب بن أم صاحب من شعراء الحماسة، وبعده:

صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا
جهلا علينا وجبنا من عدوّهملبئست الخلّتان الجهل والجبن

قوله: سبة: هي ما يسب به. وفرحا: مفعول له. ومعنى طاروا بها:

كثروها في الناس وأذاعوها. وعنى بدل مني: أي من جهتي. وصم: خبره مقدرا.

وأذنوا: بكسر المعجمة، استمعوا. وجهلا وجبنا: مصدران لعله، أي تجمعوا جهلا على الأقارب وجبنا على الأعداء. والجبن: ضد الشجاعة. بضم الباء وسكونها لغتان وقعا في البيت. وفيه من أنواع البديع التوشيح، وهو ختم الكلام بمثنى فسر بمفردين.

وأنشد:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتناأو تنزلون، فإنّا معشر نزل

هو من قصيدة للأعشى ميمون أولها:

ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحلوهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وقبل هذا البيت:

لئن منيت بنا عن غبّ معركةلا تلفنا عن دماء القوم ننتفل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

قوله: ودّع، استشهد به أهل البديع على نوع من التجريد، وهو خطاب الإنسان نفسه. ومنيت: ابتليت، أي قد قدرت لنا وقدرنا لك. وعن: بمعنى بعد.

وقد استشهد ابن مالك بالبيت على ذلك بالفاء بأحد النفل. قال المصنف: الكثيرون يروونه بالقاف وهو تصحيف. ومن أبيات هذه القصيدة ما استشهد به في البديع وهو:

ما روضة من رياض الحزن معشبةخضراء جاد عليها مسبل هطل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
يضاحك الشّمس منها كوكب شرقمؤزّر بعميم النّبت مكتهل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
يوما بأطيب منها نشر رائحةولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

والحزن: بالفتح وزاي، اسم موضع، وهو في الأصل ضدّ السهل. ومسيل:

سائل. وهطل: متتابع. ويضاحك: يميل معها حيث مالت. وكوكب: معظم الزهر، وكوكب كل شيء: معظمه. وشرق: ريان. وعميم: طويل. ومكتهل:

ظاهر النور. والأصل جمع أصيل، وهو العشي. وبعد هذه الأبيات قوله:

علّقتها عرضا، وعلّقت رجلاغيري، وعلّق أخرى ذلك الرّجل
للشاعر محمد بن حمير الهمداني، اقرأ القصيدة

وهذا البيت استشهد به المصنف في التوضيح على بناء الفعل للمجهول في الافعال الثلاثة لإقامة النظم. والعلاقة: بالفتح، الحب. وعرضا: بالعين المهملة، من عرض له كذا أتاه على غير قصد. وبعد هذا:

فكلّنا مغرم يهذي بصاحبهناء ودان ومحبول ومحتبل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
قالت هريرة لمّا جئت زائرهاويلي عليك وويلي منك يا رجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

قال المصنف في شواهده: هذا أخنث بيت قالته العرب. ومنها:

كناطح صخرة يوما ليوهنهافلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

استشهد النحاة بهذا البيت على إعمال اسم الفاعل إذا اعتمد على موصوف مقدر، لأن التقدير: كوعل ناطح. ومنها:

أتنتهون ولن ينهى ذوي شططكالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل

استشهد به النحاة على وقوع الكاف اسما، فإنها في قوله: (كالطعن) اسم مرفوع على أنه فاعل ينهى. وقوله: يذهب فيه الزيت والفتل أي إنه يعالج بذلك.

والفتل جمع فتيلة. ومنها:

إمّا ترينا حفاة لا نعال لناإنّا كذلك ما نحفى وننتعل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وقد استشهد المصنف بهذا البيت في حرف الميم.

أخرج أبو الفرج عن الشعبي قال: الأعشى أغزل الناس في بيت، وأخنث الناس في بيت، وأشجع الناس في بيت، فأغزل في بيت قوله:

غرّاء فرعاء مصقول عوارضهاتمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «معلقة الأعشي»

وأخنث بيت قوله:

قالت هريرة لمّا جئت زائرهاويلي عليك وويلي منك يا رجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وأشجع بيت قوله:

قالوا الطّراد! فقلنا تلك عادتناأو ينزلون، فإنّا معشر نزل

فائدة: في شرح ديوان الأعشى للآمدي، قال أبو الحرة: وجدت على ظهر كتاب المجاز لأبي عبيدة بخط أبي غسان، رفيع بن سلمة المعروف بديار صاحب أبي عبيدة، وحدثنا به السكري بعد حديثا يرفع إلى الأعشى أنه قال: لما خرجت أريد ابن قيس بن معدي كرب بحضرموت أضللت في أوائل أرض اليمن، لأنني لم أكن سلكت ذلك الطريق، فلما أضللت أصابني مطر، فرميت ببصري كل مرمى، أطلب لنفسي مكانا ألجأ اليه، فوقعت عيني على خباء من شعر، فقصدت نحوه فإذا أنا بشيخ على باب الخباء، فسلمت فردّ السلام، وأدخل ناقتي إلى بيت، الى جانب البيت الذي كان جالسا على بابه، وقال: احطط رحلك واسترح! قال: فحططت رحلي، وجاءني بشيء فجلست عليه. قال: من تكون وأين تقصد؟ قلت: أريد قيس بن معدي كرب، قال: أظنك قد مدحته بشعر؟ قلت: نعم. قال: أنشدنيه،

فابتدأت أنشده قولي:

رحلت سميّة غدوة أجمالهاغضبى عليك فما تقول بدا لها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقال: حسبك! أهذه القصيدة لك؟ قلت: نعم، ولم أكن أنشدته منها إلّا بيتا واحدا، فقال: من سميّة التي شببت بها؟ فقلت: لا أعرفها، ولكنه اسم ألقى في روعي فاستحسنته فتشببت. فنادى: يا سمية، اخرجي. فإذا جارية خماسية قد خرجت فوقفت وقالت: ما تشاء يا أبة، فقال: أنشدي عمك قصيدتي التي مدحت بها قيس بن معدي كرب وتشببت بك في أوّلها، فاندفعت فأنشأتها من أوّلها الى آخرها ما حرّفت منها حرفا واحدا، فلما أتمتها قال: انصرفي، فانصرفت.

ثم قال: هل قلت شيأ غير هذه؟ قلت: نعم، كان بيني وبين ابن عم لي يقال له يزيد ابن مسهر، ويكنى أبا ثابت، كما يكون بين بني العم، فهجاني وهجوته فأفحمته، قال: وما قلت فيه؟ قال: قلت قصيدة أوّلها:

ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحلوهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

فأنشدته بيتا فقال: حسبك، ثم قال: من هريرة التي شببت بها؟ قلت: لا أعرفها، وسبيلها سبيل التي قبلها، أعني سمية، فنادى: يا هريرة! فإذا جارية قريبة السن من الأولى فقال: أنشدي عمك قصيدتي التي هجوت بها أبا ثابت يزيد بن مسهر، فأنشدتها من أوّلها الى آخرها ما حرّفت منها حرفا واحدا، فسقط في يدي وتحيرت وتغشتني رعدة، فلما رأى ما نزل بي قال: ليفرّج روعك أبا بصير، أنا هاجسك مسحل بن أوثاثة الذي ألقى على لسانك الشعر، فسكنت نفسي ورجعت إليّ وسكن المطر، فقلت له: أدللني على الطريق، فدلني عليه وأراني سمت مقصدي، وقال: لا تعج يمينا ولا شمالا حتى تقع ببلاد قيس.

وأنشد:

فلا تلحني فيها فإنّ بحبّهاأخاك مصاب القلب جمّ بلابله

هو من أبيات الكتاب ولم يسم قائله. قوله: تلحني: أي تلمني، من لحاه يلحاه إذا لامه وعذله. وضمير فيها للمحبوبة. وجمّ، بفتح الجيم وتشد الميم، أي عظيم. وكثير بلا بله: أي وساوسه، جمع بلبلة، وهي الوسوسة. قوله: بحبها متعلق بمصاب، فهو معمول خبر أن قدم على اسمها.

وأنشد:

أبعد بعد تقول الدّار جامعة

لم يسم قائله. وتمامه:

شملي بهم أم يقول البعد محتوما

الشمل: الاجتماع. وجمع الله شملهم: اذا دعى لهم بتآلف. ومحتوما: بحاء مهملة، أي واجبا من الحتم، وهو الوجوب. والهمزة أوّل البيت للاستفهام. وبعد:

ظرف. وبعد: ضد القرب. ويقول: بمعنى يظن. وهو عامل عمله لاجتماع شروطه، والمنصوبان بعده مفعولاه. ووقع الفصل بينه وبين الاستفهام بالظرف للتوسع فيه.

وأنشد:

إذن والله نرميهم بحرب

قيل انه لحسان، وتمامه:

يشيب الطّفل من قبل المشيب

والبيت استشهد به على إعمال إذن مع الفصل بينها وبين الفعل بالقسم.

وأنشد:

وما كلّ من وافى مني أنا عارف

هو من قصيدة لمزاحم بن الحارث، أوّلها:

أشاقك بالهزين دارة بدتمن الحيّ واستلّت عليها العواصف
صبا وشمالا نيرخا تعتضيهماعثانين ثوبات الجنوب الرّفارف

ومنها:

وقالوا تعرّفها المنازل من منىوما كلّ من وافى منى أنا عارف
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
ولم أنس منها ليلة الجذع إذ مشتإليّ وأصحابي منيح وواقف

تعرّفها: أمر من تعرّف يتعرّف، من قولهم: تعرفت ما عند فلان، أي تطلبته

حتى عرفته. أراد أنه اجتمع بمحبوبته في الحج ثم فقدها فسأل عنها فقالوا له تعرفها، يعني تطلبها وسل عنها في منازل الحجاج من منى. فقال: أنا لا أعرف كل من وافى منى حتى أسال.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.