من «ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا» لشهاب الدين الخفاجي (ت ١٠٦٩هـ)
عبد الله بن شمس الدين بن مُطهرَّ اليمَنيّ
فرعٌ من ذُوابةِ، هاشم، ونَبْعة من وَشِيجِ تلك المكارم.
من آل مُطهَّر وهم ملوكٌ مُكرَمون، لا يمَسّ صحف مجدِهم إلا المطَّهرون، من حَدث البشريَّة، ودَنَس الهَيُولَى الدَّنِيّة.
مِن كلَّ من قضى للعلْياء وَطَرَهَا، وتلى آياتِ المجد وسُوَرَها.
تعبَق منهم أنفاسُ النُّبوَّة، وتجرُّ على وجه البَسيطة أذيالَ الفتُوُة.
لم تُمْنحَ محاسُنهم من صحف الليالي والأيام، ولا تُثْمِر بمثلها أغصان اليَراع والأقلام.
مغارسُ طالتْ في رُباَ المجدِ فالْتقتْعلى أنبياءِ الله والخلفاءِ
إذا حمل الناسُ اللواء علامةًكفاهمُ مُثارُ النّقْعِ كلَّ لِواءِ
حتى أغارت عليهم جيوشُ ابن عثمان فذَوَى ذلك الثمر، واستفت الأيامُ ماءَ حياتِهم فلم يَبْقَ إلا الكدَر.
فالتجأ إلى جبلِ كَوْكبان، واستظلَّ به من هَجيِر حوادثِ الحِدْثان
وهو جبلٌ تضئ فيه قناديلُ النجوم، وتلْفَّ على هامتهِ عصائبُ الغُيوم.
يزاحِم الأفلاكَ بالمناكبِ، وتكاد أن تلْتقِط سُكَّانُه لآلئ الكواكب.
عالٍ كأنَّ الجنَّ مُذ مَرَدَتْجعلّتْه مَرقاةً إلى السِّرِّ
وهو الآن تاجٌ على رأس الزَّمن، وخالٌ تتَزينَّ به وَجَناتُ اليمن.
كأنما شَمخ كبْراً بُمجاورةِ مَن به نزَل، وصار كبيرَ أناسٍ في بِحَادٍ مُزَمّل
وطَودٍ على ظْهرِ الفلاةِ كأنهطُوالَ الليالي مُطرِقٌ في العواقبِ
يُلوثُ عليه الغيْمُ سُودَ عمائمٍلها من وَميِضِ البرْقِ خُضرُ ذوائبِ
تحلي به آثارُ آبائِه بعد مماتِها، ويَرُدُّ روحَ المكارمِ للآمالِ بعد وفاتِها وفواتِها.
فمما التقطته من بعض السَّيارة أشْعاره، وأهدَتْه إلىَّ تجِارُ اليمن من تحُفَ آثاره، قوله من قصيدة مدح بها أخاه عزّ الدين:
خطَرتْ فقال الغصنُ صَلّ على النّبيوبدَت فقالت للشُّموشِ تحجَّبي
وسُموطُها دارت على لَبابِهاَوزهَتْ فقلنا للنُّجوم تغَّيبي
لاحتْ لنا كالبدرِ ثم تبَرْقعتْفرأيتُ بدراً حلَّ قلب العَقْربِ
وبخدّها خالٌ أراه عَمَّةحُسْناً وناسَبه بلوْنٍ أجنبي
فلطَرْفِها عزُّ انكسارِ جفونِهاولعِطفْيها تيِهُ المدُلّ المُعجَبِ
ومنها:
مُنىَّ علىَّ بزَوْرةٍ أحي بهافي أنْسِ قُربك أوْ عِدِيني وأكْذِبي
رِقَّي بعزِكّ يا سعادُ لذِلَّتيِمُتّى ومَتّنيِني أمانَي اْشْعَبِ
ما أحسنَ الأطماعَ يُرْجَى نَيْلُهاوالصَّبُّ بين مًصدّقٍ ومَكذّبِ
ومنها:
يا ليتَ شِعْرِي هل أفوزُ بمَطْلبيمِن لَثمْ دّياكَ الخُدَيْدَ المُذْهَبي
مَن لي بشمِسىّ الجمالِ ممُنَعٍما دونه لِمُحبّة من مَذْهَب
مُتلوّنٍ كمَدا مِعي فوُعدودُهلقّبْلَنِي بالخائفِ المُترقّبِ
يا قلبُ مالك ما انْقلْبتَ عن الهوىوالقلبُ قد قالوا كثيِرُ تقلُّبِ
خَلّ النسّيبَ فقد أطْلت وَعدَ عنذكرِ الصَّبابةِ واشتغِلْ بالأنسْبِ
كَفَرْ زخارِفَ زُورِ لهوس بالثَّناوانشُرْ مُلآآتِ الحديثِ الأطْيَبِ
بصفاتِ عز الدين والدنيا ومَنما قلتَ فيه من الثَّناء لم تكذِبِ
حدّثْ وقلْ ما شئتَ في أوصافِه الحسنَى وحَيّ بكلّ فنِ مُعجِبِ
أسد تخافُ الأسْدُ ثعلبَ رُمْحِهوعجْبتُ من خوفِ الأسودِ لثعَلْبِ
قوله:) صلى على النبي (المراد به التعجب، والناس يستعملونه بهذا المعنى كثيرا، كقول شيخ الشيوخ الأنصاري، بحَماة:
فمن رأى ذلك الوِشاح الصَّائمَ صَلّى على محمد
وقال عَرْقَلة:
أقبلَ يهتزُّ في غُلالِتِهمَن ليس يَشفِى لعاشقٍ غُلَّةْ
فقال كلُّ اْمرئ تأمّلَهُألفُ صلاةٍ على رسُولِ اللهْ
وقد تابعتُهم، فقلت في قصيدة:
ظَبْىٌ على الصّبَ حين سلَّمْصلَّى على المصطفى وسلَّمْ
مُدْنَفُهُ والدموعُ بحرٌبُتربِ أقْدامِه تيمَّمْ
ومثله قولهم:) الله اكبر (، كما قال ابن النَّبيه:
الله أكبر ليس الحسنُ في العربِكم تحتَ كُمةِ ذا التركىَّ من عَجَبِ
وهو قد اقتدى بعلىّ بن الَجْهم، في قصيدة مدح بها بعض الخلفاء:
اللهُ أكبرُ والنبيُّ محمدُوالحقُّ أبْلجُ والخليفةُ جعفرُ
وقد عابه شعراء عصره؛ حتى قال فيه مَروان يهجوه:
لَّما وصلتَ إلى الإمِام عشَّيةًوكذَبْتهُ ومدحْتَهُ بآذانِ
وقال أيضا:
أراد علىُّ يقولَ قصيدةًبَمْدحِ أميرِ المؤمنين فأذَّناَ
فقلتُ له لا تعْجَلَنْ بإقامةٍقلتُ على طهرٍ فقال كذا أَناَ
والإمام النَّووِيّ، رحمه الله تعالى، صرَّح في) الأذْكار (بأن الصلاةَ على النبيَّ ﷺ في مثلِه ممنوعةٌ شرعاً، والوارد في مثْلِه) سبحانه الله (.
وقال الحَليِميّ من أئمة الشَّافعية:) إنه جائز بلا كراهة، وبيَّنوا وجهَة في فِقْههم.
النص من طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع