من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
السيد محمد يحيى بن الأمير نظام الدين أحمد الحسيني
أخي وشقيقي. وابن أبي وصديقي. ومن لا أرى غيره بي أحق. إذا حصحص الحق. لا كما قال مهيار الديلمي
سألتك بالمودة يا ابن وديفإنك بي من ابن أبي أحق
ماجد ثبتت في المجد وثائقه. وفاضل نشبت بالفضل علائقه. أحرز من الأدب النصيب الأوفر. وتمسك منه بما أخجل طيب نشره المسك الأذفر. إلى دماثة شيم وأخلاق. ما شان قشيب أبرادها أخلاق. وصدق صداقة وصفاء. وحسن مودة ووفاء. أبرم بهما عقد إخائه. وهب بذكائهما نسيم رخائه. وله شعر تأخذ بمجامع القلوب طرائقه. ويملك مسامع أولى الأشواق شائقه ورائقه. فمن قوله
تذكرت أيام الحجيج فأسبلتجفوني دمآءً واستجد بي الوجد
وأيامنا بالمشعرين التي مضتوبالخيف إذ حادي الركاب بنا يحدو
وقوله مخاطباً لي
وما شوق مقصوص الجناحين مقعدعلى الضيم لم يقدر على الطيران
بأكثر من شوقي إليك وإنمارماني بهذا البعد منك زماني
وقوله
الا لا سقى الله البعاد وجورهفإن قليلاً منه عنك خطير
ووالله لو كان التباعد ساعةوأنت بعيد إنه لكثير
وله
ألا يا زماناً طال فيه تباعديأما رحمة تدنو بها وتجود
لألقى الذي فارقت أنسي مذ نأىفها أنا مسلوب الفؤآد فريد
وكتب إلي مادحاً وعلى فنن البلاغة صادحاً
أفل أيهذا القلب عما تحاولهفإنك مهما زدت زاد تشاغله
دع الدهر يفعل كيف شاء فقلمايروم امرؤُ شيئاً وليس يواصله
وما الدهر إلا قلبٌ في أمورهفلا يغترر في الحالتين معامله
ويا طالما طاب الزمان لواجدٍفسرّ وقد سآءت لديه أوائله
رعى وسقى الله الحجاز وأهلهبلثٍّ تعمّ الأرض سقياً هواطله
فإنّ به داري ودار عزيزةعليّ ومهما أشغل القلب شاغله
ولكن بي شوقاً إلى خلتي التيمتى ذكرت للقلب هاجت بلابله
أبيت ولي منها حنين كأننيطريح طعان قد أصيبت مقاتله
هوى لك ما ألقاه يا عذبة اللماوإلا فصعب ما أنا اليوم حامله
أكابد فيك الشوق والشوق قاتليوأسأل ممن لم يجب من يسائله
تقى الله في قتل امرئ طال سقمهوإلا فإن الهجر لا شك قاتله
صليه فقال طال الصدود فقلمايعيش امرؤ والصد ممن يقاتله
حزين لما يلقاه فيك من الجوىفها هو مضنى مدنف الجسم ناحله
بلى ان يكن لي من علي وعزمهمعين فإني كلما شئت نائله
فذاك أخي حامي الذمار وسيديوذخري الذي ألقى به ما أحاوله
وذاك الذي لولاه ما عرف الندىولا عرف التفضيل لولا فضائله
أعز همام يمتطي صهوة العلافتعلو به بين الأنام منازله
فلا فخر إلا فخره وعلاؤهولا جود إلا ما هو اليوم باذله
يعز إذا ذلت أسود لدى الوغاوتسعد منه في الحروب قبائله
له بين أبناء الملوك مخايلفيا حبذا ذاك الفتى ومخايله
إذا ما أتاه سائل نال سؤلهونال جزيلاً فوق ما هو آمله
ويأتي إليه طالب الجود راغباًفيرجع مسروراً بما نال سائله
فيا ملجئي في النائبات ومن بهإذا رمت أمراً في الزمان أواصله
إليك فقد جاءتك منى قصيدةأتت تشتكي دهراً تعدي تطاوله
ودم ذا علاءٍ في البرايا وسؤددرفيع مكان لا علاء يطاوله
فراجعته بقولي
إليك فقلبي لا تقر بلابلهإذا ما شدت فوق الغصون بلابله
تهيج له ذكري حبيب مفارقزرود وحزوري والعقيق منازله
سقاهن صوب الدمع منى ووبلهمنازل لا صوب الغمام ووابله
يحل بها من لا أصرح باسمهغزال على بعد المزار أغازله
تقسمه للحسن عبل ودقةفرن وشاحاه وصمت خلاخله
وما أنا بالناسي ليالي بالحمىتقضت وورد العيش صفو مناهله
ليالي لا ظبى الصريم مصارمولا ضاق ذرعاً بالصدور مواصله
وكم عاذل قلبي وقد لج في الهوىوما عادل في شرعة الحب عاذله
يلومون جهلاً بالغرام وإنماله وعليه بره وغوائله
فلله قلب قد تمادى صبابةعلى اللوم لا تنفك تغلي مراجله
وبالحلة الفيحاء من أبرق الحمىرداح حماها من قنا الخط ذابله
تميس كما ماس الرديني مائداوتهتز عجباً مثل ما اهتز عامله
مهفهفة الكشحين طاوية الحشافما مائد الغصن الرطيب ومائله
تعلقتها عصر الشبيبة والصباوما علقت بي من زماني حبائله
حذرت عليها آجل البعد والنوىفعاجلني من فادح البين عاجله
إلى الله يا أسماء نفساً تقطعتعليك غراماً لا أزال أزاوله
وخطب بعاد كلما قلت هذهأو آخره كرت على أوائله
لئن جار دهر بالتفرق واعتدىوغال التداني من دها البين غائله
فإني لأرجو نيل ما قد أملتهكما نال من يحيى الرغائب آمله
كريم وفي إحسانه ونوالهبما ضمنت للسائلين مخايله
من النفر الغر الذين بمجدهمتأطد ركن المجد واشتد كاهله
جواد يرى بذل النوال فريضةعليه فما زالت تعم نواقله
لقد أُلبست نفس المعالي برودهوزرّت على شخص الكمال غلائله
أجل همام أدرك المجد نيلهوأدرك مولى سح بالفضل نائله
وقد أيقنت نفس المكارم إنهالتحيا بيحيى حين عمت فواضله
أخ لي ما زالت أو أخي إخائهمؤطدة منه ببر يواصله
له همة نافت على الأوج رفعةتقاصر عنها حين همت تطاوله
ليهنك مجد يا ابن أحمد لم تزلفواضله مشهورة وفضائله
أبى الله إلا أن ينيف بك العلاويعلي بها الفضل الذي أنت كافله
وما زلت تسعى في المكارم طالباًمقاماً تناهي دونه من يحاوله
رويدك قد جزت الأنام برتبةيشير لها من كل كف أنامله
سأشكر ما أهديت لي من الزاهريجول عليها من ندى الحسن جائله
ودم سالماً من كل سوء مهنياًبما نلته دهراً وما أنت نائله
وأثني على ما صغته من قلائدتحلى بها من جيد مدحي عاطله
ودونكها من بعض شكري وما عسىيفي بالذي أوليت ما أنا قائله
وكتب إلي أيضاً
لعلى روحي ومالي فداءوله مني الثنا والدعآء
هو ذخري إن خفت من ريب دهريوهو كهفي وملجائي والرجاء
وهو الماجد الكريم المرجىللمعالي وهو الهدى والضياء
كيف أنسى زمان أنس تقضىهو فيه السرور والسراء
دمت يا سيدي وكهفي علياًوملاذاً دامت لك العلياء
فأجبته بقولي
هذه الأرض قد سقتها السماءفأسقياني سقتكما الأنواء
بنت كرم قد هام كل كريمفي هواها وطاب منها الهواء
واجلواها عذراء تحكي عروساًألبستها نطاقها الجوزاء
وأنشداني مديح يحيى ليحياميت هجر قد عز منه الشفاء
هو عوني على العلا ورجائيحبذا العون في العلا والرجاء
وهو أنسى في وحشتي وسروريفي همومي وديمتي الوطفاء
شمل الخلق فضله فأقرتبنداه الأموات والأحياء
فبيحيى لا يبرح الفضل يحياوالمعالي به لهن اعتلاء
أحكم الود منه عقد إخائيهكذا هكذا يكون الإخاء
وكتب إلى أيضاً
أستغفر الله أنت الفائق الأممبالعلم والحلم والأفضال والكرم
ألست أنت الذي أضحت فضائلهمشهورة كاشتهار النار في علم
العقد ما رحت ترويه وتنظمهمن فاخر القول ذي الإعجاز والحكم
أنت الذي رحت لي لهفاً وملتجأفلا أخاف مدى الأيام من عدم
خفف عليّ فقد حملتني منناأقلها وافر في أعين الأمم
لا درّ درّ زمان عنك أبعدنيفقد دنا بي إلى الأحزان والألم
لا تحسبن جوابي عنك آخرهتأخير ودّ ولا تغضب ولا تلم
أنت العليم بما في القلب يا أملىمن الوداد فجد بالعفو لي ودم
فأجبته بقولي
مهلاً سقتك الغوادي هاطل الديممن ذا يباريك في قول وفي حكم
نظمت قسراً نجوم الأفق زاهرةورمت نظمي وأين الأفق من كلمي
ما الدر في نسق والبدر في أفقوالليث في نقم والغيث في كرم
أبهى نظاماً وأسنى منك مطلعاًأدهى انتقاماً وأجدى منك في نعم
فهل لمن رام أن يحكي علاك علافي مثل هذي المساعي الغر من قدم
إن رمت فخراً فقل ما شئت من هممإن رمت مشياً فطأ ما شئت من قمم
وكتب إلي أيضاً
وزائرة والبدر يتبعها وهناونور سناها من سنا نوره أسنى
رداح لها في الحسن أعظم آيةتراها إذا ما أقبلت تخجل الغصنا
لها في صميم القلب خافي محبةوسر وداد أظهر الأسم أو كنى
حليف غرام في هواها مولعبها دائم الأسقام من هجرها مضنى
يذكرها عهد المحبة والهوىفتعرض عما قال مصغية ظنا
وإن لاح برق من نواحي ديارهاأحل بقلبي المستهام بها حزنا
فياليت شعري كم يقاسي صدودهافتى لم يجد صبراً ويوشك أن يفنى
فوالله رب العرش حلفة صادقلقد ضقت ذرعاً من زماني وما سنا
زمان إذا ما رحت فيه مطالباًلنيل سرور زادني وهنه وهنا
أسائله تجديد عهد بقربهاوهيهات منه أن يمن وما منا
وما كل من يعطى النول ينيلهولا كل من أغناه خالقه أغنى
نعم في بلاد الله طرا ممجدإذا قال قولاً صدق الخبر المعنى
على أخي البر الذي ما قصدتهلدى شدة إلا وصادفته ركنا
فتى قط ما لاقيت منه حزونةعلى أنني صاحبته السهل والحزنا
فلا زال محروس الجناب مؤيدابرب الورى طراً وأسمائه الحسني
فكتبت إليه بهذين البيتين
أيا ماجداً قد أحكم اللفظ والمعنيومعه من الابداع ما لم يكن معنا
إليك فقد صيرت سحبان مفحماوأخجلت بالأفضال يا سيدي معنا
ولما ورد الخبر بموت العمة الشريفة من مكة المشرفة كتبت إليه معزياً له فيها لأنها هي التي تولت تربيته إذ ماتت أمه عن مهده
ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين
أهكذا دوحة العلياء تنقصفوهكذا الشمس في الآفاق تنكسف
وهكذا ظبة الماضي تفل شبامن بعد ما زانها الامضاء والرهف
وهكذا بهجة العليا ونضرتهايذري بمشرفها الأظلام والسدف
وهكذا ذروة المجد الأثيل غدتيضمها بعد حسن الحلية الصدف
لله آية روح فارقت جسداًوأي جثمان عن ضمه جذف
يا قرة لعيون المجد قد سحنتبكى لها الأشرفان المجد والشرف
إنا لله وإنا إليه راجعون قول من عمه البلى لفقد عمته. وتردد فيه الحزن من لمته إلى قدمه ومن قدمه إلى لمته. أي والله عم الرزء والمصاب. وحفت بهذه المصيبة الأرزاء والأوصاف
مصاب قضي أن لا تأسى بعدمامضى منجداً صبري وأوغلت متهما
نعي الناعون واضحة المحياألوف البيت ذي العمد الطوال
من البيض العقائل من معدبنين قبابهن على الجلال
نعوا ظبة لابيض مشرفيقديم الطبع عاديّ الصقال
لله أي شمس نعوا. وأي حزن دعوا. وأي دوحة ذوت. وأي نجمة خوت. وأي بهجة ولت. وأي نعمة فاتت. وأي عمة ماتت.
فياليت شعري هل درى الموت من دهاويا هل أديم الأرض يعلم من أخفى
بكى بعدها من كان لا يعرف البكاوودت رجال لو تشاطرها الحتفا
آه لهذه المصيبة القاضيه. وواه لتلك الحبيبة الماضيه. مضت والله الشمس أخت البدر. والمحجة بنت الصدر. والغرة في جبهة الكرم. والقرة لعين الحرم.
مضت عفة الأثواب لم تبق روضةغداة ثوت إلا اشتهت إنها قبر
يا مولانا هذه نفثة مصدور. ونبذة من وصف هذه الرزية التي صدعت الصخور. فما ظنك بالمصدور. فياليت شعري كيف حال مولاي بعدها. وقد أفرشته حجرها. وأورثته بموتها أجرها. والله إن المصاب بها لجليل. وإن الحزن عليها لقليل. وأهالها من غريبة في وطنها. وجيدة في قطعنها. ووحيدة في عطنها. صد عنها القريب. وحن عليها الغريب. إلى الله الملجأ من هذه المصيبه. وبرسوله التأسي في فقد هذه الحبيبه. فصبراً يا مولانا على هذه المصيبة صبراً. وجبراً لهذه القلوب المنكسرة جبراً.
ولو كان في الدنيا خلود لواحدلكان رسول الله فيها المخلدا
ومن ذا الذي يبقي من الموت سالماًوسهم المنايا قد أصاب محمدا
فالله تعالى يلهمنا وإياكم الصبر الجميل. على هذا الرزء الجليل. إنه ولى ذلك وكتبت إليه أيضاً معزياً عن أم ولد له. العلوم الشريفة محيطة بأن هذا الأمر. لا محيد عن القلق له إلا الصبر. فسيدي بحمد الله أولى من تدرع جلبابه. وأعلى من علم إن مآل الخلق إلى هذا المصير الذي لا يسد أحد بابه. وتسهيل الخطب أوضح من أن يذكر. والله تعالى هو الذي يحمد على المكروه ويشكر. فعوضك الله عنها. أفضل ما يكون منها.
فإنك رأس المال ما دمت باقياًفعوضت عنها بالمثوبة والأجر
على إنها لم تذهب بحمد الله تعالى إلا وقد كسرت سورة اللهف. بمن أبقته رحمها الله تعالى أكرم خلف.
إذا رضى الإناث الموت قسماًفمشكور إذا ترك الفحولا
فالله تعالى يحييك لاقتناء ألف مثلها. ويبقيك بقاء يفترع من المكارم حزنها وسهلها. والسلام
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع