من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الإمام زين العابدين بن عبد القادر الطبري الحسني المكي
هو شبل ذلك الأسد. ونجله الأكبر الأسد. سلك سبيل سلفه الصالح. وتهلل بوجوده وجه البدر الكالح. وورد منهل الفضل نميرا. وتصدر في مجالس أربابه أميراً. وشحذ مرهف طبعه الباتر. فوشي بنتائجه الطروس والدفاتر. وأذكى نار قريحته وأوقد وأتى من خالص الكلام بما لا يعترض ولا ينقد. ولم تزل ناطقة ببراعته السن الكلام. شاهدة بسبق يراعته الجلة الأعلام. إلى أن استأثر به الواحد العلام. فأنقضت أيامه كأنها أحلام. وكانت وفاته لثلاث بقين من شهر رمضان المعظم سنة ثمان وسبعين وألف وقد أثبت له ما تستحليه الأذواق. وتباهي بحسنه القلائد والأطواق. فمنه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي ملغزافي محمود.
يا مفرد العصر في جمع العلوم ومنغدا مثنى المثنى صفوة الرؤسا
عين الأماثل مفقود المماثل مقصود الأفاضل في تبيين ما التبسا
وكيف لا وهو تاج الدين ناصرهبالقول والفعل محيي منه ما درسا
ما البدر ما البحر ما الدر الثمين سوىمرآه أو نفعه إن جاد أو درسا
استغر الله من هذا الكلام فقدأخطأت إذ جئت بالتشبيه منعكساً
فهل يشبه بالبدر المصور منكساه نوراً وأضحى منه مقتبسا
كذلك البحر لولا بسط راحتهما امتد والدر لولا نظمه بخسا
لا زال خدن المعالي في الأنام علىمر الليالي ومن عين العدا حرسا
ما قوله في معمى حار فيه أولوالأبصار إذ كان فيه الأمر ملتبسا
وقد رأى ربعك المأهول ذا شرففأمّ أبوابه لا الأربع الدرسا
محيل ما حل من أشكاله فعسىبعد التحلل يبدو منه ما احتبسا
هذا ومن عجب أن المشار لههو اسم خل ودود تحفة الجلسا
ذي طلعة تخجل الأقمار طالعةوتترك الكوكب الوضاح منطمساً
رأيته ورأيت الشمس فاشتبهاعليّ حتى توهمت الصباح مسا
وذاك بالمحو والاثبات حيث كسىمنها وألبسها من حسنه وكسا
كم زارني والدجى يربد من حنقمنا فأشعل في ظلمائه قبسا
وكم جلينا عروساً من محاسنهتلك الليالي فكانت كلها عرساً
وكم لبسنا حرمدان الشطارة فيرد المخالف حتى عاد منتكساً
ومن محاسنه حسن التلاوة بالصوت الرخيم الذي قد زاده أنساً
سألته سورة من فيه أسمعهاوصورة تطرد الوسواس والهوسا
فعند ما رام أسماعي قراءتهوجاد لي بالذي قد كنت ملتمسا
بدا بآخر ما في الروم ثم رعىودي فلما تلى حم مت أسى
فيا أخا الود من يحيي القتيل ومنيشفي الغليل ومن ينشي الذي درسا
فهل ترى ما يداويه ويبعثهحيا وينفخ فيه الروح والنفسا
سوى تدارك الطاف بشم هوىأرواحه فعساها أن تهب عسى
فآجابه القاضي تاج الدين بقوله
أزهر روض أرى في الظرف قد غرماحتى كأن الصبا أهدت لنا نفساً
أم الجواهر في الأسلاك تنضد أمأماط ريم الخبا عن ثغره اللعسا
أم ذاك نظم امام لو يعاصرهقس البلاغة أو سحبانها خرسا
ألفاظه ومعانيها كؤوس طلارشفتها فأرتني الأمر ملتبساً
قد صاغها من زمام النظم في يدهوالنثر تاجا لتاجي قط ما لبسا
بحر العلوم فلو أقوت مدارسهاأحيا به الله منها كل ما اندرسا
وفارس البحث في ميدانه فإذاجاري مناظره في حلبة فرسا
وألمعي يرى بالفكر قبل غدماذا يكون غدا أن ظن أو حدسا
راوي حديث العلا والمجد عن سلفحلوا الصدور فكانوا ارؤس الرؤسا
تفردوا بمقام من يرمه يعدعنه حسيراً بحول الله منتكسا
مضوا وآل له إرثاً فحاك علىمنوال نسجهم فيه وما وكسا
يهدي إلى السمع في محرابه طرباوللقلوب خشوعاً عمها وكسا
حتى تقول أزين العابدين بهأم ذاك داود في محرابه درسا
فيا هماما رقى في الفضل منزلةما ظنها فكر راقٍ لا ولا هجسا
طار حتنى بمعمى ما برحت بهأردد الفكر محتاراً صباح مسا
وجهت فكرك في أوصافه قيدتوجيهة زاد توجيهها قدسا
ما سمته الفهم الأعزّ مدركهلولا سنا منك أبدى منه ما التسا
فلاح لي من خلال الرمزحين بدابآخر الروم معني عز ملتمسا
إن اصطبارك محمود ودل علىمحموده مرة أخري كما التمسا
حيث المقدم من حم صيرهعين المؤخر فأنظر مدعاه عسى
وبالمقدم والتالي أشار إلينتيجة هي ودّ بعد ذاك رسا
فأعجب له من معمي وهو ذو بصرقد حله كحل يجلوه فانطمسا
وزال إذ ذاك كل الكحل منه ولمتكن له قدم للسعي فاحتبسا
وبعد ذا فله وعد وليس يرىانجازه وهو محمود بكل لسان
وقد أشار لسان الاكتفاء إلىإني أرد لسان القول منحبسا
ستراً على متى باريت سحبك منعجزي ومن ذا يباري الغيث منجسا
فأغفر جناية بخسي درّ نظمك إذمن قابل الدر بالأصداف قد بخسا
بقيت ما حملت ريح الصبا نفساًمن نشر زهر بروض الطرس قد غرسا
فراجعه الامام المذكور بقوله
قلدت من درك المنظوم لابخساجيد الفضائل عقداً قظ ما لبسا
وصغت منثوره تاجاً علا وغلاقدراً وسعراً ولا والله ما وكسا
لأنه تاج تاج الدين من فخرتبه الرياسة وازدادت به قدسا
قس الفصاحة سحبان البلاغة بلأعلى فلو جارياه فيه ما تعسا
من راض صعب المعاني بالحجا فغداسهلاً وكنا نراه جامحاً شرسا
وزمّ أنف ألقوا في حين مارسهافطاوعت إذ رأته ماهراً مرسا
رب الشهامة والقدر الرفيع فلايرى على الضيم والاذلال منكبسا
فخذ حديث المعالي عنه متصلاثم أروه عالي الاسناد للجلسا
عن نفسه عن أبيه طاب مضجعهعن جده الندب عن أسلافه الرؤسا
فياله مفرداً في الجمع مرتفعاًعن أن يثني به من كان مشتكسا
وألمعياً فلا تخطي فراستهفي كل أمر ويأتي طبق ما حدسا
أجل ومصداق هذا ما أجاب بهعن مشكل في معمى جن والتبسا
في ضمن بستان نظم فائق صنعيسمو على الدر والياقوت حين يسار
سرحت طرفي وقلبي في خمائلهليقطفا لي مما فيه قد غرسا
فألفيا زهرة الدنيا التي اقتطفتيدا زهير واخرى حسبما التمسا
فأنعش الروح مني بعد ما خمدتإذا نشقا فيّ من أرواحه نفسا
عود لبدء وقد كان المشار لهفي لجة اللبس والأشكال منغمسا
فحل ما فيه مولانا بحكمتهفرقّ طبعاً وأضحي ليّناً سلسا
وفاز بالأجر حقّاً حين عاملهبالصبر حتى برى من بعد ما يئسا
فها هو الآن محمود وحيث غدادواؤه منه لم يمسسه قط أسا
لكنه وافق الداعي وخالفهولم يجبه إلى ما ظن أو هجسا
فأبرز العنصر المائي منهمراًوخلف العنصر الريحيّ متخبسا
فالحمد لله رب العالمين علىسلامة الناس منه عند ما انبجسا
هذا وقد لاح من تلويح سيدناوجه لهذا المعمى زاده أنسا
إذ صارت العين عين الكحل منه وقدألقي عصاه وأبدى عدّ منطمسا
فجاء يشكي ويبكي حيث فارقهعكازه فتراه حائراً عبسا
فأعجب لهذا المعمي في تنقلهفي كل طور وشكل بكرة ومسا
وكل شكل بدا فيه له لقبأعرضت عن ذكره كيلا بذاك يسا
وانظر إلى خده إذ مده شركاللصيد فاقتنص الألباب وافترسا
وزان إذ بان من محمرّه طرفللورد فاستل منه الطرف واحتبسا
وكيف لا وهو ذو الطرف الكحيل وذوالوصف الجميل وممدوح بكل لسان
ما فيه عيب سوى أخلاف موعدهفالقلب عن مطله ما زال منفحسا
والوعد كالرعد منه ليس فيه سوىفراقع تشبه البوقات والجرسا
لكنه إن أتى يوماً بحربتهتزلزل الكون خوفاً منه وارتجسا
وحيث قد صار مجلواً بأثمدكمقد زاد نوراً على نور فلا انطمسا
لأجل ذا ما مسحنا الكحل أجمعهبل قد بقى منه شيء يذهب الغمسا
وأسلم ودم في مقام قد سما شرفاًعلى السها وبعين الله قد حرسا
وأعجب لتحرير رام في أصابتهعين المعمى وإن أخطا به وأسا
بقيت مستخدماً عين العلا أبداًولم يزل كل فضل منك مقتبسا
فكتب إليه القاضي راجعاً ثانياً
تتابعت من أياديك التي غرسترياض مدحي سحب غيثها انبجسا
لم أقض وسميّها شكراً فكيف وقدأولت فعلت ووالى العدّ من غرسا
ثم انثنى لمحاجاتي بتعميةما نال فكري من مصباحها قبسا
ظناً بأني في يوم الرهان لهندّ وإني وإياه به فرسا
رفقاً فما مدرك شأ والضليع ولاغباره ضالع من شمه يئسا
ولا ذبالة فهم جوّه حلكتحكى ذكاء ذكاء جوّه شمسا
كلا ولا ذو لسان قائل طلقكذى لسان بسجن العيّ قد حبسا
أخرستني فاقم لي منك معذرةإن لم أفه فمحال نطق من خرسا
لكن أشير إلى كشف الغطا لترىمذكراً قد يرى أنثى إذ التمسا
تأنيثه صفة محمودة عهدتكم نفّست قبض طبع لم يجد نفسا
ومن بدا ذكراً في زي ذات حرٍلم يلتحق برجال لا ولا بنسا
فأعجب له من معمى مشكل أبداوانظر لأشكاله بعد البيان عسى
وقد أزاحت لنا أشكاله صفةله تزيل الخفا عنه إذا التبسا
يحنو حشاه إذا يا صاح لاذ بهأبو ابن آوى لفقد ابن له ومسا
ثم التناسب لا يخفاك بينهماوعلة الضم إذ هذا بذا أنسا
هذا واستغفر الله العظيم فقدجرى اللسان بما أخطا به وأسا
ولما نظم الشيخ غرس الدين الخليلي قوله في أهل مكة عام وروده إليها ورأى عدم التفاتهم إليه وهو
جيران مكة جيران الآله لذالا يعبؤن بمن قد غاب أو حضرا
لولا الطبيعة عاقتهم لكان لهمإسراء روح بسر السر قد ظفرا
انتدب لجوابه أكثر علماء العصر وأدبائه فكان ممن أجابه الامام المذكور بقوله
أم القرى معدن التقوى بروضتهاذات المحاسن غرس الدين قد ظهرا
ولاح زهر رباه عند ما انفتقتأكمامه وأرانا الأنجم الزهرا
وفاح عطر شذاه من خمائلهفأصبح الكون من أرواحه عطرا
وأينعت بالهدي أثماره بكراًوغردت بالتقى أطياره سحرا
وأهل مكة غرس الدين فاجتن منأغصانه ثمر التقوى وكن ثمرا
فإنهم صفوة المولى وخيرتهمن خلقه ولهم في الفضل ما اشتهرا
سموا فخاراً وطابوا محتداً وزكواأصلاً وعلماً وطالوا مرتقى وذرى
وكل فضل فعنهم قد روى ورؤىوكل سر فمنهم في الوجود سرى
وكيف لا وهم أهل الآله وفيجواره وقد امتازوا بما ذكرا
لا يشهدون سوى مولاهم فلذالا يعبؤن بمن قد غاب أو حضرا
وحيث كانوا كما قد قلت حق لهمأسراء روح بسر السر قد ظفروا
وإن يكونوا مع الأملاك في قرنٍلولا الطبيعة أعني كونهم بشرا
فخذ حديثاً قديماً مسنداً لهمعنهم صحيحاً صريحاً واقتف الأثرا
والقط فرائد در من فوائدهمفإنهم بحر علم يلفظ الدررا
أما تراه بجيد الدهر منتظماًوفي ذوي المجد والعليآء منتثرا
ولو نشاء نظمنا من جواهرهقصائداً في معاني فضلهم غررا
تفوق نظم اللآلي من بلاغتهالكن يقول لسان الحال والشعرا
ومن شعره أيضاً قوله في فتاة تسمي عربية مشجراً
غارت بدور التم من كاعبهام بها المفتون بين الأنام
رنت بطرف فاتر ناعسيرشق من ألحاظه بالسهام
بديعة الشكل ولكنهابعيدة الوصل على المستهام
يود لو زار حماها علىرغم العدا مختفياً في الظلام
هذا ورؤباه إلى وجههاغاية ما يخطي به والسلام
وقوله في مثل ذلك أيضاً
غارت غصون البان من غادةغابت لمرآها بدور التمام
رقت معاني لطفها مثل مارقت محلاً في البها لا يرام
بطلعة لوان الشمس الضحىبدت لها لاستترت بالظلام
يا عاذلي في حبها خلنييكفيك ما بي من صنوف السقام
هل شاهدت عيناك من عاشقهداه قلبي مثل هذا الكلام
ولما وقف على قول بعض المتأخرين في القهوة
هات أسقني قهوة قشرية فضحتبكر المدام وشنف لي الفناجينا
تدعو إلى نحو ما فيه البقاء ولودعت إلى نحو ما فيه الفناجينا
لو أن ألفاً أحاطوا حول ساحتهاقصد النجاة رأيت الألف ناجينا
ذيله بقوله
يا ربة الأنس حلينا حماك فإننطلب فجودي وإن نسأل فناجينا
وقرأت في تذكرة القاضي تاج الدين ما نصه مما اتفق لنا أنا ركبنا في صحبة الشيخ عبد الصمد بن محمد العمودي وزير مكة للأشراف على عمارة داره بمني ومعنا شخص يسمى الشيخ محمود على حصان فأجرى حصانه في أثناء الطريق مع بعض الجماعة فسقط إلى الأرض فأرخت سقطته ارتجالاً بقولي طاح الشيخ محمود ثم جعلت لهذا التاريخ توطئة نظماً فقلت
لله يوم أتينا فيه خيف منىلقصد دار لها بالسعد تشييد
وبيننا رب تلك الدار واسطةبها لنا ولعقد المجد تنضيد
سرنا على صهوات الخيل تمرح فيمسيرها ولطير السعد تغريد
وكان في الركب محمود على فرسيقول إني من الفرسان معدود
فخر عند استباق الخيل منجدلاًوما ادعى بلسان الحال مردود
فقلت مرتجلاً في حال سقطتهتاريخ ذلك طاح الشيخ محمود
ووطأ لهذا التاريخ الامام زين العابدين المذكور أيضاً فقال
رام التقدم من لا يستحق علافخف يطرد ركضاً وهو مطرود
فخر ملقى على الرمضآء مكتئباًيرثيه شامته والضد موجود
فكان تاريخه إذ خر يضبطهحروف قولك طاح الشيخ محمود
فلما بلغت هذه الأبيات الشيخ محموداً تكدر خاطره فقال الامام ثانياً متلافياً لذلك
الشيخ محمود محمود الفعال ومنأهل الكمال أولى الأحوال معدود
نودي من الجانب الغربي إنك بالوادي المقدس حيث الحق مشهود
فغاب عن حسه وجداً فخر على الاقان وهو على ما كان محسود
فشاهدت ما جرى تلك البطاح لهفارخته بطاح الشيخ محمود
هذا هو الوجه في توجيه سقطتهوما سواه من الأقوال مردود
أخوه الامام علي بن عبد القادر الطبري سابق فرسان الاحسان وعين أعيان البيان. المشار إليه في المحافل. والحالب ضرع الأدب الحافل والباهر الألباب والعقول بفوائد المعقول والمنقول. غاص في بحور الأدب فاستخرج درره. وسما إلى مطالعه فاستجلى غرره. فنظم اللآلئ والداري ونثر. وجدد ما درس من مغاني المعاني ودثر. وهو وأخوه فرسا رهان. وشريكا عنان. ورضيعا لبان. وفلذتا جنان. ما منهما إلا محسن مجيد. ومقدم في الفضل مجيد. وقد شنفت مسامعك بفرائد أخيه. وسأتلو عليك من بدائع هذا ما يشد البديع بأواخيه. فمن نثره ما كتب به إلى الملا علي بن الملا قاسم المكي وهو بالمخا
إن أرضا بها أنخت المطاياهي دار النعيم من غير شك
نشرت طيبها فضمخت الكون فأغنت عن طيب ند ومسك
أرضاً تساق إليها يعملات الرجا. وتناخ بها مطي من قصد وجا. سقي وسيمها صادي الأكباد. وعم وافر فضلها كل حاضر وباد
نبتت زهور المكرمات بروضهافغدا عديم مشابه ونظير
سرّح بيانعها النواظر تكتحلمنها بزهر يانع ونضير
أرضا خفقت أعلام بشائرها بالهنا. وأغدقت سحائب نعمها من هنا ومن هنا. أرضاً يممت ربوعها المانوسة وجوه الأماجد. وقصد جهتها المحروسة كل فاضل وماجد.
يا من يعز علينا أن نفارقهموجد أننا كل شيء بعدكم عدم
فقرب الله ساعات الاجتماع بعد قضآء المطالب. وأدنى ليلة القرب لكل قاصد وطالب. ووجه وجهك أينما توجه. وسهل لك من سبيل الخير واديه وفجه. فالله كريم وعد بالأجابة من رفع أكف دعائه. وبشر بالقبول خصوصاً من ابتهل في صباحه ومسائه هذا والمعروض بعد طيب صوت الأطناب. وأداء ما يجب لذلك المقام والجناب. على حضرة المولى الذي أعلى الله مقامه. وشغل بإفادة العلوم لياليه وأيامه. إن الدعآء مبذول لحضرته العلية. ومسؤل ممن حضر هذه الأماكن البهية. وإن الشوق ما برح تزايده. وما انفك كثيره وزائده. وإن لسان الحال ما زال ينشد ذوي الآداب. بيتين يرقمان على وجه الدهر بالتبر المذاب
من لقلب به البعاد مضروبه من جوى النوى تبريح
وفؤادي روى حديث ودادحسناً وهو مسند وصحيح
إلى غير ذلك ومنه ما رفعه إلى القاضي تاج الدين المالكي سائلاً. سيدنا المقتدي بآثاره. المهتدي بأنواره. امام محراب العلوم البديعه. وخطيب منبر البلاغة التي أضحت مذعنة له ومطيعه. قمر سماء المجد الأثيل. فلك فخر كل ذي مقام جليل. المميطة يد بيانه حواجز الأشكال عن وجوه المعاني. المعترف بمنطقه الفصيح القاصي من هذه الأمة والداني. عمدة المحققين قديماً وحديثاً. ملاذ المدققين تفسيراً وتحديثاً. والصاعد معارج العليا بكماله. المنشد في مقام الافتخار لسان حاله
لنا نفوس لنيل المجد عاشقةولو تسلت أسلناها على الأسل
لا ينزل المجد إلا في منازلناكالنوم ليس له مأوى سوى المقل
والقائل عند المجادله. في مقام المناهله.
نحن الذين غدت رحا أحسابهمولها على قطب الفخار مدار
المملوك يقبل الأرض التي ينال بها القاصد ما يؤمله ويرتجيه. وينهى إنه نظم بعض الجهابذة الأعيان بيتين في التشبيه. والسبب الداعي لهما. والمعنى المقتضي لنظمهما. إنه أبصرت العين ظبياً يرتع في رياضه. ويمنع بسيوف جماله عن ورود حياضه. يرى العاشق سيآته حسنات جاد بها وأحسن. ويعترف له في الحسن كل حسن في الأنام وابن أحسن. بدا وهو الجوهر السالم من العرض. وظهر وعليه أثر من آثار المرض. فأراد المشبه تشبيهه في هذه الحاله. فشبهه بغصن ذابل قائلاً لا محاله. ونظم ذلك المعنى. فشدا بما قاله صادح الفصاحة وغنى. وهو
بدا وعليه أثر من سقامكمكحول من الآرام ساهي
فخيل لي كبدر فوق غصنذوي للبعد من قرب المياه
فاعترض معترض عالم بالاصدار والايراد. قائلاً إن البيت الثاني لا يؤدي المعنى المراد. إذ القصد تشبيهه بالغصن الموصوف. وليس المراد تشبيهه بالبدر إذ البدر لا يوصف إلا بالخسوف. فطالت بين المعترض والمعترض عليه المنازعه. ولم يسلم كل منهما للثاني ما جاد له فيه ونازعه. فاختارا القاضي الفاضل حكماً. وراضياً سيدنا حاكماً ومحكماً. فليحكم بما هو شأنه وشيمته من الحق. وليتأمل ما عسى أن يكون قد خفى عن نظرهما ودق. والاقدام مقبله. وصلي الله على سيدنا محمد وآله ما هبت المرسله فأجابه القاضي بما هو صورته. سيدنا الهمام الذي أضحى علم الأئمة الأعلام. الامام المقتدي به وإنما جعل الأمام الحبر الذي قصرت عن استيفاء فضائله الأرقام.
ولو إن ما في الأرض من شجرة أقلام. وارث الجلالة عن آبائه الذين زهت بذكرهم الأخبار والسير. لتقيم من نفسه العصاميه على ذلك أوضح دلالة يصدق فيها الخبر الخبر. بما استشهد به في شأن المملوك. السالك من الكمال طريقة عز على غيره فيها لعزتها السلوك. مالك أزمة المنطوق والمفهوم. ملك أئمة المنثور والمنظوم. الفاضل الذي هو مرجع الفضلاء في التحقيق. الفاصل بين الأدلة إذا أعوز الترجيح والتوفيق. جامع شمل العلوم العقلية والنقلية. مقتطف ثمرات الفرعية من الأصليه. يقبل المملوك الأرض بين يديه. ويؤدي بذلك ما هو الواجب عليه. وينهى وصول المثال العالي. الفائقة جواهر كلماته على فرائد اللآلي. يتضمن السؤال عن بيتي ذلك الجهبذ. في الشادن الذي قضى حسنه أن تسلب الأرواح ويؤخذ. ومنع حبه الكلام الألسن. وكان الدليل على ذلك اعتراف ابن أحسن. فإنه ذو النظر العالي المدرك حقيقة الكنه. فإذا تنور من أذرعات أدني ما تنوره إلي قيد شبر منه. فتأمل المملوك ما وقع من تلك المعارضة. التي أفضت إلي التحكيم والمفاوضه. فإذا المتعارضان قد مزجا في حلو فكاهتهما شدة الباس في البحث برقة الغزل. وأخرجا الكلام لبلاغتهما على مقتضى حال من جد وهزل. وجرياً إلي غاية حققا عند كل سابق إنه المسبوق. وأريا غبارهما لمن أراد اللحوق.
وكان الأحرى بالمملوك ستر عوار نفسه. وحبس عنان قلمه أن يجري في عنان طرسه. لكن لما كان ترك الجواب من الأمر المحظور. لم يلتفت إلي ما يترتب على الجواب من المحذور. فقال حيث كان الأمر على ما أسنده مولانا عن الناظم وروى. من إنه قصد التشبيه في حال بقايا أثر السقام بغصن ذوي. فعدل إلى سبكه في قالب صياغته. وسلكه في سلك بلاغته. فلا شك إنه أتي بما لا يدل علي المراد دلالة أولية ظاهرة. وكان كمن شبه الأغصان أمام البدر ببنت مليك خلف شباكها ناظرة. وحينئذ فاطلاق القول بان البيت الثاني لا يدل على ما أريد. ربما تمسك الخصم بعدم ثبون الحكم بأنه اطلاق في محل التقييد. كما ان للمعترض أن يتمسك في ذلك بانتفاء الدلالة الأولية فيكون المحكوم به هو التعارض في القضية. وهذا أجدى ما رآه المملوك في فصل الخطاب وأحرى ما تحري فيه إنه الصواب.
مع اتهامه نفسه بعدم مطابقة الواقع في الفهم. لعلمه بدقة نظر مولانا إذا قرطس أغراض المعاني من فهمه بسهم. وتجويزه علي نفسه العجز عن الوصول إلى فهم مولانا ومدركه. واعترافه بأنه لا يجاري في نقد الشعر لأنه فارس معركة. انتهى. قوله في أثناء الجواب كان كمن شبه الأغصان أمام البدر ببنت مليك خلف شباكها ناظره يشير به إلى الصلاح الصفدي حيث قال
كأنما الأغصان لما انثنتأمام بدر التم في غيهبه
بنت مليك خلف شباكهاتفرجت منه على موكبه
وقال في ذلك أيضاً.
كأنما الأغصان في روضهاوالبدر في أثنائها يسفر
بنت مليك سار في موكبقامت إلى شباكها تنظر
قال النواجي لا يخفى ما في هذين المقطوعين من ضعف التركيب وكثرة الحشو وقلب المعنى وذلك إنه جعل الأغصان مبتدا واخبر عنه ببنت المليك وهو فاسد وإن كان قصده تشبيه المجموع بالمجموع إلا أن الأعراب لم يساعده على إنه لم يخترع هذا المعني بل سبقه إليه القاضي محيي الدين بن قرناص فقال
وحديقة غناء ينتظم الندىبفروعها كالدر في الأسلاك
والبدر من خلل الغصون كأنهوجه المليح يطل من شباك
فانظر إلى حشمة هذا التركيب وانسجامه وعدم التكلف والحشو واستيفاء المعنى في البيت الثاني فحسب والصفدي لم يستوف المعنى إلا في بيتين مع ما فيهما فلو قال في المقطوع الأول.
كأن بدر التم لما بدامن خلل الأغصان في غيهبه
بنت مليك خلف شباكهاتفرجت منه على موكبه
وفي المقطوع الثاني.
كأن بدر التم في روضةمن خلل الأغصان إذ يسفر
بنت مليك سار في موكبقامت إلى شباكها تنظر
انتهى كلام النواجي ومن شعر الامام المذكور قوله في فتاة تسمى غربية مشجراً
غيداء كالبدر بليل التمامغادرني الحب لها كالغلام
رشيقة الأعطاف كالغصن كمرمي بقلبي طرفها من سهام
بخدها روض وفي ثغرهابالمرشف الألعس كم من مدام
يكاد بدر التم من فرعهايخفى إذا لاحت له بالظلام
هي التي من بين كل المهاهام بها قلبي بوادي الغرام
وقوله فيها
هيفاء كالشمس ولكنهاغربية يا قوم عند الشروق
يفتر منها الثغر عن لؤلؤرطب ويبدو منه لمع البروق
بالله يا عذال عني فذابارده السلسل فيه يروق
رفقاً فما في العذل لي طاقةيمكن منها لعذولي الطروق
غبت عن العاذل فيها فماهزل وجد لذوات الفروق
وقوله فيها
غزال كبدر التم لاح بوجهههلال رأته العين من أفق الشمس
رنى طرفه الفتان يوماً لناظريهيم به من حيث يصبح أو يمسي
بدا لي في خضر الرياض بأسمربه سود هاتيك الحدائق في لبس
يعلل بالتسويف قلبي فليتهرأى دنفاً ما زال يقنع باللمس
هلكت جوى منه فمن لمتيمغريب عن الأوطان يدنو من الرمس
وقوله فيها
هذي رياض الحسن أغصانهاغرّد بالدوحة منها الهزار
يهتز فيها قدّ ذات الربىرقيقة الخصر على الاختصار
بت ونار الشوق قد أضرمتبمهجة أحرقها الاستعار
رام عذولي هدّ ركن الهوىيا كعبة الحسن بك المستجار
غضيت ذاك الطرف عن ناظرهيجه الوجد عفيف الأزار
وقوله مصدراً ومعجزاً أبيات الشيخ أبي بكر الحانوتي فيها
أي شمس لنا من الغرب لاحتفأضاءت أنوارها المشرقيه
وتراءت لعاشق مستهامفي عقود من اللآلي السنيه
غادة كالقضيب قداً إذا ماجر ذيلاً في الروضة السندسيه
ياله من قوام لطف رشيقماس بالروض في حلاه البهيه
هي شمس فكيف بالغرب تبدومع فقد العلامة الأخرويه
فألحظن بألحاظ أمراً عجيباًإن في ذاك عبرة للبرية
كل شمس شرقية غير شمسيإذ لها مطلع بعكس القضيه
جعلت مشرق المحاسن غرباًفهي والله لم تزل غربيه
وقوله مشجراً فيها
غانية تخجل بدر التمامغاية سؤلي من جميع الأنام
رقيقة الخصر حوى لفظهارقي فأصبحت لها كالغلام
بين ثناياها وذاك اللمىبرق تلا لا في دياجي الظلام
يحسدها المسك على لونهايا للهوى والريق يحكي المدام
همت بها حباً وكم في الهوىهام بها في العشق مثلي همام
وقوله فيها
ولي جهة غربية أشرقت بهالعيني شمس الأفق من غير لا حجب
ولاح بها بدر التمام لناظريومن عجب شمس وبدر من الغرب
وقوله فيها
إن الأهلة مذ بدت غربيةفالغرب منه ضيا المسرة يشرق
والشرق دعه فليس منه سوى ذكاتحترّ في وسط النهار وتحرق
وقوله في صدر كتاب
على الحضرة العلياء دام مقامهاعلياً سلام طيب النشر والعرف
إلى نحوها حملته نسمة الصبالتكسب وصفا من شذا ذلك الوصف
جال الدين محمد بن عبد الله الطبري أحد أولئك الجله. وواحد تلك البدور والأهلة. الضارب في كل فن بسهم. والقارع صفاة كل قريحة وفهم. ضاع نشر ادبه وما ضاع.. ورضع ثدي الفضل فشب على حب ذلك الرضاع. وله قريض يزرى بقراضة الذهب. ثبت في صفحات الصحايف حسنه وما ذهب. وقفت له على كافية هي في الشهادة بفضله كافيه وقافيه. راحت الباب أولى الآداب لاثرها قافيه. وهي
أسير العيون الدعج ليس له فكلان سيوف اللحظ من شأنها الفتك
حذار خليّ القلب من علق الهوىفأولها سقم وآخرها سفك
ورح سالماً قبل الغرام ولا تقسعلى فاني هالك فيه لا شك
ألم ترني ودعت يوم فراقهمحشاي لعلمي إن ما دونه الهلك
وكيف خلاصي من يدي شادن إذابدا أبيض في الديجور من نوره الحلك
وهيهات أن ترجي لمثلي سلامةوقد سل بيض الهند ألحاظه الترك
يقولون ترك الحب أسلم للفتىنعم صدقوا لو كان يمكنه الترك
دعوني وذكرى بين بانات لعلعغريباً هواهم في المواقف لي نسك
وإن رمتمو ارشاد قلبي فكررواأحاديث عشق طاب في نظمها السبك
أما والخدود العندميات لم أحلوكل الذي عنى روى عاذلي أفك
وما بمصون الثغر من ماء كوثروكأس عقيق ختمه حاله المسك
لقد لذلي خلع العذار وطاب فيهوي الخرّد الغيد الدمي عندي الهتك
تنبيه قد يتوهم إن قوله في البيت الثالث فإني هالك فيه لا شك لحن بناء على أن لا نافية للجنس واسمها في مثل ذلك مبني على الفتح ولا لحن بل فيه وجهان أحدهما منع كونها نافية للجنس بل عاملة عمل ليس والخبر محذوف جوازاً كقول الحماسي
والحرب لا يبقى لجاحمها التحيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح
من صد عن نيرانهافأنا ابن قيس لا براح
والثاني أن تكون نافية للجنس إلا أنها ملغاة والرفع بالابتداء ولم يجب تكرارها لجواز تركه في الشعر فاعلم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع