من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الشيخ حنيف الدين بن الشيخ عبد الرحمن المرشدي
فاضل نبيه. قام مقام أبيه. فتقلد منصب الفتيا بعده. واجتلى في مطالع الاقبال سعده. فجلا بسناه الظلم. ومن يشابه أبه فما ظلم
شبيه أبيه خلقة وخليقةكما حذيت يوماً على أختها النعل
وبلغني أنه كان ينكر على أبيه. عشر قضايا من فتاويه. ثبت لديه بطلانها. ولم ينهض بصحتها برهانها. وكان يقول لولا خطة أخافها. لأشتهر عني خلافها. وله في الأدب محل. لا ينقض ابرامه ولا يحل. ملك به زمام السجع والقريض. وميز بين الصحيح منه والمريض. فمن نثره ما كتبه إلى المنلا علي بن المنلا قاسم مراجعاً له من الطائف سنة ثلاث وأربعين وألف. ما روضة غناء تدفقت أنهارها. وما حديقة حسناء تصادحت أطيارها. وما دوحة أمال أغصانها النسيم. وما سرحة غردت بأفنانها أكمال فأسجعت بصوتها الرخيم. وما هيفاء قد برزت متلثمة بالجمال. وطلعت بأفق الحسن كالهلال. وما الخزامى والمندل الرطب. وما العنبر والعبير إذا فاح وشب. وما الدر المكنون في الصدف. وما ساعات السرور المعدودة من الصدف. بأجل من كتاب ورد فبرد بوروده. غليل مشتاق. وأخجل بورده وعوده. روائح النرجس الغض وما ينثر في الأطباق. قد نظمت قلائد عقيانه أنامل مولى تسنم ذروة المجد. وأبرزته أفكار مخدوم حاز من الفضائل ما فاق به السعد. تختال في رياضه النضرة فرسان البلاغه. فلا تلحق جواده. وترشف حياضه العذبة أرباب الفصاحة والبراعه. مقتفية آثاره كيلا تضل جادة الاصابة والاجاده. قد هب من خلال سطوره نسيمه الرطب. فأشفى العليل. وجرى من بحر منثوره شهده العذب. فبرد اللوعة وأطفى الغليل. وانتشرت أزهار حدائقه فما الدر المنظوم لها بمثيل. وسطعت شموس آفاقه قائلة ألا أيها الليل الطويل. وأسفر صبح طرسه بعد ما تلثم بديجور مداده. فحار النظر إذ ذاك بين بياض طرته وحالك سواده. ووقف العقل عند تفضيل كل منهما. وحكم حاكم الانصاف أن لا تفاضل بينهما. حيت أقام كل منهما على ما ادعاه البرهان. فعلم المخلص حينئذ إنهما فرسا رهان. فالله تعالى يبقى ناشر لوائه. وفارس بيدائه. راقياً إلى معارج السعود. باقياً بالمعزة والجلالة إلى أن يقوم الناس ليوم مشهود.
آمين آمين لا أرضى بواحدةحتى أضيف لها ألف آمينا
هذا وما ذكره المولى بكتابه. وشكاه في طي خطابه. من مقاساته ألم الفراق. واشتياقه إلى ساعات التلاق. فهذه الشكوي. هي عين ما يجده المخلص من البلوى. استغفر الله الأحد. هل ما بالمحب أزيد وأشد.
وليس يمكنني شرح الغرام لكموكيف يمكن وضع النار في الورق
غير إنه إذا تزايد به الشغف. واشتعلت بفؤاده نيران الأسا والأسف. أخذ يتسلى في رياض ذلك الكتاب. ويسلي نفسه بما تضمنه ذلك الخطاب. فيشاهد إذ ذاك ذات مهديه. عند ما يمر النظر فيه.
لا أستلذ بغير وجهك منظراًوسوى حديثك لا ألذ سماعا
والله المسئول أن يطوي مشقة البين من البين. ويقربكم في أشرف البقاع العين. إنه الجدير بالاجابه. وولي الانابه. ثم ما شرحه المولى من تلقيه الأهوية التي على خلاف هواه. وتقلبه في حر ذلك السموم اللافح وجوه أعداه. واعتياضه عن الأنهار الجارية بالخوض في بحار العرق. وتشاغله في مسامرة الأنجم الزواهر في جنح الغسق. وعدم وجد إنه فرصة إلى التنزه ولو إلى الأجداث الدوارس. وتعذر إسعافه بخل محادث ومجالس. وإن المملوك يستنشق روائح الأزهار. ويختال في الرياض المحفوفة بالنرجس والبهار. ويتنزه من حديقة إلى حديقه. ويتملى بزخارفها الأنيقه. فوالله إن حر ذلك السموم أطيب عندي من هذا النسيم. والخوض في بحار ذلك العرق أعذب إلي من هذه الأنهار التي يشفى بمائها السقيم. وتنزهي مع ذلك الخل بهاتيك النواحي الجليلة المقدار. أشهى لدي من الجولان بهذه الرياض المحفوفة بأنواع الأزهار. وأسأل الله تعالى. وأرجو فضله الذي لم يزل يتوالى. العود إلى الوطن. والرجوع إلى الاخلآء والسكن. لنتملى بتلك الذات الشريفة. والحضرة المنيفه. والسلام. فأجابه المنلا على المذكور بقوله
يا أهيل الحجاز إن حكم الدهريين قصآء حتم ارادي
فغرامي القديم فيكم غراميوودادي كما عهدتم ودادي
قد سكنتم من الفؤاد سويداهـ ومن مقلتي سواء السواد
لا أجد قوافل النسائم. فأستودعها بدائع الأثنية والتحايا. ولا أظفر بصوادح الحمائم. فأستخدمها لنقل ودائع الأدعية إلى رب المفاخر والمزايا. تعذر اقتناصها في حريم هذا الحرم. ولو تشبثت في ذلك بحبائل الطيف. ودام نفورها عن أهل هذا السوح المحترم. فلا يطمع في إيلافهم بها رحلة الشتاء والصيف. فالمسؤل من كرم الله تعالى أن يمن بتواصل لا يعدل معه إلى التوصل بهذه الوسائل. ولا يفتقر إلى التطويل بترتيب المقدمات في صفحات الصحائف والرسائل. يا مولانا لا ريب في إن البلاغة ذات أنواع وأقسام. وإن نوع الايجاز منها ينشرح له منها صدور المهارق وتمتد إليه أعناق الأقلام. فلا يحسن العدول عنه إذا كان مقتضي المقام سلوك نهجه الذي هو سواء السبيل. ولا يمدح الاسهاب والاطناب في كل حين فقد وقع النهي الصريح عن القال والقيل. وحيث كان مولانا مكدر البال لحنينه إلى الوطن. مشوش الفكر لبعده عن السوح المحترم والحرم المؤتمن. تعين على المملوك الاقتصار. خوفاً من السآم والملال. وترجح لديه الاختصار. عملاً بقولهم لكل مقام مقال. هذا وإن لهذه الديار من الحنين إلى مولانا أضعاف ما أفصحت عنه فصاحة كلمه. ولها من التطلع والتشوق أمثال ما بلغت إليه بلاغة يراعه وقلمه. لم تزل ربوعها الخوالي تستعيذ برب البيت من لواعج الحزن والأسف. وتستعين بكل من بكى واستبكى وذكر المنازل والأحباب واستوقف ووقف. لابدع إذا انهلت سحائب دمعها الهطال. ولا غرو إن سحت بسواكب الشؤن على ما بقى فيها من الرسوم والأطلال. فقد لعمري ألقت بأفلاذ كبدها وتخلت. ورمت المحبين بما بها من دآء الهجر وما انسلت. فلم تزل تجيب أنين الأخلاء بما يسمع فيها من الصدا. وتشحذ بأشجانها أذهانهم فينجلى بذلك بعض ما غشيها من الصدا.
قد مررنا بالدار وهي خلاءفبكينا طلولها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنابشفاءٍ وما سألنا حكيما
ولقد افتقد المخلص أنس مولانا في هذا العيد الذي استنار بمصابيح مشكاة ضيآء النبوة. واستبان فضله ببزوغ شمس فلك الرسالة وبدر سمآء الفتوة.
فالله يبقيك لأمثالناوالله يحييك لأمثاله
وقد تم فيه ما به قد جرت العاده. وخفقت على رؤس الطوائف أعلام التنسك والزهاده. فأخذ كل من ذوي اللهو والزهد نصيبه المقسوم. وتمتع كل من الفريقين بتلك الليلة المشهودة وبذلك اليوم المعلوم. وما وسع الأعيان أن لا يستجيبوا حضرة الأفندي ومولانا شيخ الحرم. لكنهم صاروا يتسللون لواذاً فانفصل سلك ذلك النظام وانفصم. وقد كان الوزير المعظم. والحكيم النحرير المفخم. أعزه الله تعالى. ممن أحيا تلك الليلة بأنفاسه المسيحيه. وكمل تلك الحضرة بذاته الملكة المليكيه. فجلس نواب المحاكم على ميمنة المنيب وجنح شيخ الحرم إلى اليسار. وأجلس حضرة الوزير إلى ما يلي سلطان هيكله فلولا ما حازه من العلوم لقيل جزى الله اليسار. هذا واستغفر الله من الاطناب. الذي جرى به القلم فاستلزم عدم الوفاء بالوعد. واعتذر بما تقرر في مقتضى التطويل لدى مخاطبة الأحباب. عازماً علي أن لا أعود إلى مثل ذلك من بعد. والسلام. فأعاد عليه الجواب ثانياً وصورته
يا سميري روّح بمكة روحيشادياً إن رغبت في إسعادي
فذراها سربي وطيبي ثراهاوسبيل المسيل وردي وزادي
نقلتني عنها الخطوب فجذّتوارداتي ولم تدم أورادي
آه لو يسمح الزمان بعودفعسي أن تعود لي أعيادي
مولانا الذي إذا قال لم يدع قولاً لقائل. وإذا أطلق عنان يراعه في هذا المجال فلسان حاله ينشد أين الثريا من يد المتناول. وسيدنا الذي إذا أخذ القلم ببنانه أطرق قس الفصاحة خجلاً لما يبديه من بديع المعاني. وأمسى سحبان البلاغة آخذاً من تلك الألفاظ التي ليس لها في النظير ثاني. وصديقنا الذي استنزل الثريا فنشرها في بياض طرسه فلا يدع أن يدعي بالسمآء ذات البروج. ومخدومنا الذي نظم الجوزاء في سلك دراري ألفاظه فكان الواسطة لها في العروج. أبقاه الله للعلم وتهذيبه. والفضل وترتيبه. وأحيا به مدارس العلوم. وأبدى به دقائق المنطوق والمفهوم. فيا أيها المشار إليه عند احتباك المجالس بأعيانها. ويا أيها المعول عليه في العويص من المسائل إذا أحجمت الأذهان عن بيانها. أهدي إلى ذاتك التي استجمعت كل فضيلة لا يدرك لها مدى. وحازت من الكمال ما لا غاية له فيهتدي إليه من رام الهدى. وأسدي إلى حضرتك التي لم ترض غاية بالأثير أن يكون لأخمصها حذا. سلاماً يفوق العنبر والعبير في الشذا. أينعت أغصان دوحته في رياض الفضائل فاكتست منه حللاً. وأشرقت أفنان سرحته فغدت الشمس كاسفة واستتر البدر في سحابة خجلاً. فنسيمه الرطب إذا هب أنعش الأرواح وأحيا. وتسنيمه العذب إذا جرى في خلال تلك الرياض أنسى الحزين حزنه وجلب له السرور وهيا. وثناء يقاوم الورد. استغفر الله بل يفوته عطراً. ويفاوح الند. بل يفوقه فخوا وا. وأبثك شوقاً يقصر اليراع عن حده. ويقف عن بثه بهذه السطور وسرده. لعلمه إنه لم يف منه أن ما في الأرض.
فالشوق أعظم أن يختص جارحةكلي إليك وحق الله مشتاق
فأسأل الله أن لا يرد يد سائله صفراً. وأتوسل إليه بصاحب الشفاعة والأسرا. أن يمن بساعة التلاق. في أشرف محل ومكان. ويقصر مدة الفراق. ويقربك للعين من الانسان. هذا وقد وصل الكتاب الذي لم يكن على بذل الفرائد بضنين. الحرى بان يقال فيه لولا الديانة إنه الكتاب المبين. فقام له المخلص عند إقباله عليه. فرحاً بوصوله. وتلقاه حال وفوده إليه. مجتهداً في إجلاله عند حلوله. وقبله ألفاً بل زاد في التقبيل. ورفعه على هامته واتخذه لها كالاكليل. وفض ختمه شوقاً إلى اقتطاف أزاهره. واستنشاق روائحه العطرة وعباهره. فإذا به قد جمع فأوعى. وأثرت مواعظه في القلوب صدعاً. وحرك ساكن ذلك الشوق الذي لم تخمد ناره. ولا خفيت آثاره.
أمسى وأصبح من تذكاركم وصبايرثي لي المشفقان الأهل والولد
قد حدد الدمع خدي من تذكركمواعتادني المضنيان الوجد والكمد
وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكموخانني المسعدان الصبر والجلد
لاغرو للدمع أن تجري غواربهوتحته المظلمان القلب والكبد
كإنما مهجتي شلو بمسبعةينتابها الضاريان الذئب والأسد
لم يبق غير خفي الروح في جسديوذلك الباقيان الروح والجسد
فكيف وقد أذكرني بهاتيك العهود. وشوقني إلى تلك الأعياد المشرق طالعها في فلك السعود. فأسأل الله أن يمن بالعود إلى ذلك الحرم. وبوح ذلك السوح المحترم. إنه على ذلك قدير. وبالاجابة جدير.
ومن نظمه ما كتبه إلى بعض الأعيان مراجعاً عن لسان والده
تبدي لنا برق بأفق ربا نجدفأذكرني عهداً وناهيك من عهد
وهيمني شوقاً وزاد بي الأسىوأضرم لي نار الصبابة والوجد
وجدّد لي ذكر الليالي التي خلتوطيب زمان بالحمى طيب الورد
زماناً جلا ذو الحسن شمس جمالهعلينا فشاهدنا به الشمس في البرد
وأبدت لنا ذات الجمال جبينهافاخجل بدر الأفق في طالع السعد
هي الروض تبدو للأنام بوجههافنقطف زهر الورد من خدها الوردي
وفاح لنا نشر الخزامى بروضةشدت ورقها شوقاً على الأغصن الملد
تغنت على غصن الأراك بمدح منعلا قدره السامي على ذروة المجد
جمال أهالي العصر أو حد وقتهمشيد ربع المجد بالسعد والجد
كمال قضاة المسلمين امامهموموضح منهاج الرشاد لذي الرشد
امام التقى والفضل أعظم من غدافريداً بهذا الدهر كالعلم الفرد
هو الحسن الأخلاق والاسم من حويمن الفضل ما قد جل قدراً عن العد
هو البحر بحر العلم والحلم والتقىهو السيد المفضال ذو الخير والزهد
محقق أبحاث العلوم بفهمهوكشاف ما تخفى العبارة من قصد
ومن صيته قد شاع في كل موطنومن ذكره قد سار بالشكر والحمد
عليه مدى الأيام مني تحيةتفوق فتيت المسك والعود والند
وقال في مثل هذا المعرض
غنت الورق في المسا والبكورساجعات على غصون الزهور
وتبدت في كلة الحسن خودتخجل الشمس مع سناء البدور
قد تحلت من الجمان بعقدجل في الحسن والبها عن نظير
واقتطفنا من خدها زهر وردفاق نشر النسرين والمنثور
وارتشفنا من ثغرها العذب شهداًفانتشونا لا نشوة المخمور
بردت بالوصال قلب كئيبكان فيه للهجر نار السعير
يالها عذبة الثنايا رداحاًقد تبدت في زي ظبي غرير
قد أتتنا من عالم العصر مولىقد تسامى على السها والأثير
الامام الهمام رب المعاليالفقيه البليغ في التقرير
شيخ كل الأنام من قد تعالىأوحد العصر في المقام الخطير
دام يبقى بمصر مفتي البرايادام يرقي على ممر الدهور
قد أتاني مولاي منك كتابذو نظام حكى عقود النحور
ففضضت الختام عن كنز علمحاز منه الغناء كل فقير
وتأملت في رياض حماهوتسنمت ما به من عبير
مذ بدا نظم طرسه مع نثرذي بيان فسر منه ضميري
دمت يا واحد الزمان فريداًفي أمان بحفظ رب خبير
وصلاة الإله تترى دواماًمع سلام على البشير النذير
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع