تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

شهاب الدين أحمد بن محمد الأنسي اليمني

شاعر حظي من الأدب بنصيب. وهو مع ذلك تارة يخطى وطوراً يصيب. ورد مكة المشرفة فمدح بها سلطانها السيد الشريف زيد بن محسن بقصيدة طويلة الذيل. فأجازه عليها جائزة سنية الذيل. على أن نظام أبياتها غير مؤتلف. وانتساق معانيها يتفاوت ويختلف. فهي كما قيل درة وآجره. وقحبة وتجاورها حرة. وأولها قوله

سلوا آل نعم بعدنا أيها السفرأعندهم علم بما صنع الدهر
تصدى لشت الشمل بيني وبينهافمنزلي البطحا ومنزلها القصر
وإني ونعماً لاهيين فغالنافشلت يد الدهر الخؤون ولا عذر
فوالله ما مكر العدو كمكرهولكن مكراً صاغه فهو المكر

هذا البيت ساقط جداً ويتلوه ما بعده

فقولاً لأحداث الليالي تمهليويا أيها ذا الدهر موعدك الحشر
سلام على ذاك الزمان وطيبهوعيش تقضى لي وما نبت الشعر
فتلك الرياض الباسمات كان فيعواتقها من سندس حلل خضر

هذا البيت ملحون القافية إذ صوابها النصب لأنها صفة لحلل وهي اسم كان والظرف المقدم خبره رجع

تنضد فيها الاقحوان ونرجسكأعين نعم إذ يقابلها الثغر
كان غصون الورد قضب زبرجديحال من الياقوت أعلامها الحمر
إذا خطرت في الروض نعم عشيةتفاوح من فضلات أردانها العطر
وإن سحبت أذيالها خلت حيةإلى الماء تسعى ما لأخمصها أثر

هذا من قبيح التشبيه على ما فيه من الخلل

كساها الحمال اليوسفي ملابساًفأهون ملبوس لها التيه والكبر
فكم تخجل الأغصان منها إذا انثنتوتغضي حياء من لواحظها البتر
لها طرة تكسو الظلام دياجياًعلى غرة إذ أسفرت طلع الفجر
وصحنان خد أشرقا فكأنمامصابيح رهبان أضاء لها الدهر

هذا البيت ملحون أيضاً إذ صوابه وصحنا خد بحذف نون التثنية لمحل الاضافة وفيه تشبيه المثنى بالجمع وقافيته مردوفة بخلاف ما قبله وما بعده وهو من السناد الذي هو من عيوب الشعر

وجيد من البلور أبيض ناعمكعنق غزال قد تكنفها الذعر
ونحر يقول الدر أن به غنىعن الحلى لكن بي إلى مثله فقر
وحقان كالكافورتين علاهمامن الند مثقال فندبى الصبر
رويدك يا كافور إن قلوبناضعاف وما كل القلوب هي المصر
ادخل لأم التعريف على مصر وهيعلم للبلدة المشهورة وهو غير جائز
بدا القد غصناً باسقاً متأوداًعلى نقوى رمل يطوف به نهر
تكاد تقد الخصر من هيف بهروادفها لولا الثقافة والهصر
لها بشر مثل الحرير ومنطقرخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا دار مي على البلي»

هذا البيت من قصيدة ذي الرمة المشهورة وقد انتحل من غير تنبيه على ذلك

رأتني سقيماً ناحلاً والهابهافأدنت لها عوداً أناملها العشر
وغنت ببيت يلبث الركب عندهحيارى بصوت عنده يرقص البر

أراد بالبر خلاف الفاجر

إذا كنت منظوراً فلا زلت هكذاوإن كنت مسحوراً فلا برىء السحر
فقلت لها والله يا ابنة مالكلما شفنى إلا القطيعة والهجر
رمتني العيون البابليات أسهماًفاقصدني منها سهامكم الحمر
فقالت وألقت في الحشا من كلامهاتأجج نار أنت من ملكنا حر
فوالله ما أنسى وقد بكرت لنابإبريقها تسعى بها القينة والبكر
تدور بكاسات العقار كأنجمإذا طلعت من برجها أفل البدر
نداماي نعم والرباب وزينبثلاث شخوص بيننا النظم والنثر
على الناي والعود الرخيم وقهوةيذكرها ديناً لأقدامنا العصر
فتقتص من ألبابنا ورؤسنافلم ندر هل ذاك النعاس أم السكر

يريد أن هذه القهوة عصرناها بأقدامنا فاقتصت من رؤوسنا وهو معنى حسن إلا أنه ضعف التركيب غبر في وجهه وهو من قول أبي نواس

عاقرتم معقورة لو سالمتشرابها ما سميت بعقار
ذكرت حقاً يدها القديمة إذ غدتصرعى تداس بأرجل العصار
ورنت لهم حتى انتشوا وتمكنتمنهم فصاحت فيهم بالثار

وإنما نبهت على ذلك كله لأن بعض أهل العصر يغالي في استحسانها زاعماً أنها من أعلى طبقات الشعر وليس الأمر كما توهم ولا حاجة بنا إلى اثبات جميعها ومن مديحها قوله

مليك له سر خفي كأنمايناجيه بالغيب ابن داود والجفر
فإن كذبوا أعداء زيد فحسبهمن الشاهد المقبول قصته البكر
ليالي إذ جاء الحصي وأكثرواأقاويل عني ضاق ذرعاً بها الصدر
فأيقظه من نومه بعد هجعةمن الليل بيت زاد فخراً به الشعر
كأن لم يكن أمر وإن كان كائنلكان به أمر نفاذ لك الأمر
وفي طي هذا عبرة لأولي النهىوذكر لمن كانت له فطنة تعر

يشير بذلك إلى ما وقع للشريف المذكور وهو أن سلطان الروم وجه خادماً خصياً من أعاظم خدامه إلى مكة المشرفة وأمره بالقبض على الشريف وتقييده وأن يأتي به إليه وشاع اخبر بذلك فلما بلغ الشريف قلق واهتم فسمع في بعض الليالي هاتفاً ينشد هذا البيت

كأن لم يكن أمر وإن كان كائنلكان به أمر نفاذ لك الأمر

فلم يصل الخادم إلى وادي فاطمة حتى وافى البريد يخبر موت السلطان والأمر بعدم التعرض للشريف بمكروه فعد ذلك من غرائب الوقائع والله أعلم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.