من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
بدر الدين محمد بن سليمان أبو فاضل المرهبي اليمني
أحد فضلاء اليمن. وواحد أدباء الزمن. إن نثر أزري بزهر المروج. وأوفى على زهر البروج. وإن نظم أخجل جواهر العقود. وفعل بالألباب فعل ابنة العنقود. وكلامه يطرب الأسماع. ويأخذ بمجامع القلوب والأسماع. على أنه كان مغالياً بشعره. أسفا أن يقرن شعر أقرانه بشعره. وإذا ذكر معه أحد من الشعراء. قال ايقاس الفحل بالعشراء. وقد وقفت له على نثر اتبعه بنظم. نهك فيه من أدباء بلده اللحم والعظم. وهو رسالة كتبها إلى جمال الاسلام والمسلمين. علي بن المتوكل على الله أمير المؤمنين. وقد أحسن التوجيه فيها بأسماء السور. وجلا معانيها في أحسن الصور. وصورتها مولانا جمال الاسلام. وبهجة الايام. لا زالت آيات الثنا عليه منزلة. وسور المدائح لديه مجملة ومفصلة. فإن الشعراء ببابك العالي كالنمل. ولو طاب ما يخرج في أفواههم لقلت كالنحل. قد ملؤا الحجرات. وأشبهوا بأكمامهم الصافات. وبسرعة عدوهم إلى السفرة العاديات. فهم كالانعام لدى المائده. ما منهم إلا من يرى الحذر في الأطعمة. ولا يجيز الترتيل للقم البارده. قد جودوا الأكل لكنهم يرون اظهار البلع في موضع الاخفاه. ويلزمون العشا القصر والمقلاة الامالة وهذا مخالف لما عليه القراء طالما وقفوا في السفرة حيث لا يحسن الوقوف. وكم سمعت لهم عند رؤية الثريد غنة تنبىء عن معرفتهم بمخارج الحروف. يستجيدون في اللقم الادغام. ولا يقنعون من الطبائخ بالاشمام. لهم في تسهيل النجم تدقيق. وعند تفخيم الهضبات ترقيق. فأما فلان فللوغد عند صوته فخامه. ومتى أنشد قصيدة ظن السامع أنها الحاقة أو القيامه. لا يحسن العصص. ولا يجيد الفاتحة ولا المخلص. ليس له حجر إبراهيم. ولا عرفات بالطلاق والتحريم. يروم أن ينظم ما حرروه لقمان من الحكم. فيأتي من كهف خياله بقصة يونس وما لقي من الألم. فسبحان من أسرى بعقله من تلك الثياب. وصيره ضحكة بين الأحزاب. وأما فلان فما أحقه أن يتلى له الواقعه. ويرمي بجميع ما قاله في القارعه. لأن البقرة عنده انسان. وله عند الأنفال نضنضة افعوان. طالما نسجت على شعره العنكبوت. وضاقت بما قاله المنازل والبيوت. وتبرم به البلد. واستجار بالمعوذات منه كل أحد. يحب التكاثر ويبخل بالماعون. ويحضر الجمعة هو والمنافقون. وأما فلان وإن عز ببابه الغاشيه. وأعجب قاعداً بالانشاد على ركبه الجاثيه. وادعى أنه فرد العصر. وأنه لا يأتي الزمان بمثل إلى الحشر. فإنه يستعين في زخرف نظمه بالزمر. وكثيراً ما تراه لا يفرق في البروج بين النجم والشمس والقمر. فإذا رأيته يزمزم بالفتح في الكلام. ويتشبه بمحمد ﵊. فنعوذ بالله من جهل كالليل المظلم. وانسان في صورة الفيل المفلم. نعم أجمع أهل الشورى على أن يذري جميع ما قالوه في الذاريات. ويحال جوائزهم فيه على النازعات. ويؤمروا بالحج والتوبه. وأن لا يكون لهم إلى تعاطي الشعر من أوبه. ويخوفوا بالنبأ. وتتلى عليهم الأواخر من سبأ. وقد نظم المملوك قصيدة صعد بها الأعراف. وأتى فيها من أوصاف النساء بمحاسن الأوصاف. وأجاد فيها تشبيه العذار بالدخان والأرداف بالأحقاف. ووشحها بتقاصير الحكم. وعوذها من الناس بتبارك وحصنها من الجن بالقلم. وقطع في تنقيح مرسلات أمثالها شطر الدهر. واشتغل بتنميقها عن رعاية القدر في ليالي هذا الشهر. قضاء لحق نعمتك التي أحلتني الطور. وأقبستني النور. فإن تقض بالفرق بين شعري وشعرهم فكرتك الممتحنة. وتحقق أن فضل قافيتي على قوافيهم كالضحى مردوفة بالبينة. وتميز بين النظمين بالتباين. وإلا وقع في المعارج التغابن. وربما قطعت عليهم النشيد. وبرزت في الصف شاكاً في الحديد. لا زال النصر قرين لوائك. والزلزلة في بيوت أعدائك. وتبت يدا معاديك. وقر بالاخلاص قلب مواليك. والقصيدة الموعود بها هي هذه
أما آن أن ترقي الجفون السواجموتقصر هاتيك القلوب الهوائم
وقد سمعت زهر النجوم دعايتيوملت مناجاتي لهن الحمائم
إلى الله حتى البرق أعداه رقةنحولي واعتلت لجسمي النسائم
ومن حر ما ألقاه من مهيع الصباغدت نسمات الحي وهي سمائم
وقد ذهبت لوني يد الشوق واكتسىأصيل الحمى من صغرتي وهو نائم
ولولا بكاي في المعاهد سحرةلما سمعت للطير فيها مآثم
وكم يستمد القيظ من حر زفرتيوتمتار من أجفان عيني الغمائم
وما الرعد إلا أنه من جوانحيتنم بما زارته مني الحياء دم
فحتام قلبي في الصبابة هائموإنسان عيني في المدامع عائم
خليلي كم أخفى الهوى وتذيعهجفون مساعي الدمع فيها النمائم
ولم أر مثل القلب عوناً على الهوىتشب به نار الجوى وهو كاتم
وفي كبدي من حب اسما جراحةتعز على الأسى فيها المراهم
وإن شفائي ما استدار نطاقهاعليه وما ضمنته منه المباسم
ودون لقاء أسماء من بأس قومهاسباسب ما سارت عليها المناسم
ومن ذا على خوض المهالك مسعديوقد قل في هذا الزمان المسالم
أخلاي طرا حاسد ومفندوقال ومغتاب وواش ولائم
سقى تلعات الجزع فالشط فاللوىفسفح النقا سار من المزن ساجم
مغان قضت فيها الشبيبة حقهاسروراً وغصن اللهو ريان ناعم
ولي بين هاتيك المعاهد ظبيةتبات حواليها الليوث الضراغم
من الهيف نعساء النواظر طفلةلها السمر والبيض الرقاق تمائم
تنام فلم يلمم بها الطيف غرةبفحش ولم يحلم بها قط حالم
ترى علمت أني بها الدهر مغرموأن فؤادي في الصبابة هائم
وإن لقلب لوعة يستثيرهاإذا هدأت جنح الظلام الهمائم
لئن درست تلك المعاهد أو عفتفلم تعف من شهوى إليها معالم
وأن زماناً قد قضت لي صروفهبفرقة هاتيك الديار لظالم
وهل جاز لي أرض عن الدهر أواريبه ضاحكاً والفضل غضبان واجم
ومالي لا أشكو الزمان وقد هوتبأهل النهى أحقاده والسخائم
يحار ذا ما سيل لم أخصب الفتىجهولاً ولم أكدى بها وهو عالم
وما هي إلا حكمة دون فهمهافلاة مطي العقل فيها روارم
تقاصرت الأوهام عنها كأنماعليها لتضليل العقول طلاسم
وأسلم شيءٍ أن يقال بأنهاحظوظ قضى الباري بها ومقاسم
ألم ترني أستنهض الجد عاثراًوأستنطق الأقدار وهي أعاجم
وأستنجح الأيام وهي حوائلوأستمطر الأنواء وهي حوائم
وذنبي أن في البلاغة صادحوغيري في أسر الفهاهة باغم
وفي الناس من يستقصر الشعر رتبةوما الناس لولا الشعر إلا بهائم
فبي ختمت رسل الفصاحة وانتهتإلى ابن أمير المؤمنين المكارم
فتى يسعد الآمال والفضل عندهوتشقى القنا في كفه والدراهم
بمن ذا من الأجواد يوماً أقيسهوقد جاز في مسعاه كعب وحاتم
أنال الخراد البيض وهي كواعبوأعطي عتاق الخيل وهي كوائم
غدا حاكماً شرق البلاد وغربهاوآمالنا فيما حواه حواكم
يجل صغير الأمر في عين غيرهوتصغر في عينيه منه العظائم
أنيطت به الأحكام طفلاً وأنهاتمائم مخصوص بهن الأكارم
نديماه يوم السلم شعر وعالموخدناه يوم الروع رمح وصارم
ترج نداه المغني وهو نافعولذ بحماه أمناً وهو عاصم
تخيلته في الدست بدراً متوجاًولكنه في السرج ليث ضيارم
رسائله السمر العوالي إلى العداوكم حمدت سمر العوالي العوالم
إذا سارا قذى مقلة الشمس عثيراًوروعت الجوازا به والنعائم
وسد الفضا الرحب بالخيل والقناوضاقت به أنجاده والتهائم
وأدلج في ليل من النقع مظلمكواكبه فيه الظبا واللهازم
له كل يوم غارة ينتجي بهاأساطين من باس العدا ودعائم
فتنفعل الاشيا له قبل كونهاويهزم من بعد إذا قيل قادم
فأراؤه تردي أعاديه لا القناوصولته تغتالهم لا الصوارم
وذا حال من يعنا الاله بشانهيعاد القضا في أمره وهو نائم
ويسعده برجيس فيما يرومهويمسى بهرام عليه يصادم
أبو الحسن الراقي من المجد منصباًنسيف الخوافي دونه والقوادم
وأكرم من ترجى المطايا لبابهوترسم في البيدا ثناه الرواسم
ترحل شهر الصوم عنا فأعلنتعليك المبادي بالثنا والخواتم
ولو كان معني الصوم شرعاً موافقاًله لغة ما قيل أنك صائم
لأنك لا تفنك بالخير آمراًوكفك فيها للنوال مزاحم
لقد جردت منك السماحة مرهفاًتجذبه للعس عنا غلاصم
وبحر نوال كلما غب زاخراًرأيت بحار الأرض وهي كظائم
إذا لم أشم في المحل برق غمامهفإني لبرق العرف منك لشائم
وإن لاح وجه الأرض في الجذب عابساًفإن ثغور الجود منك بواسم
وهاك ثناء أبرزته قريحتيكما أبرزت زهر الرياض الكمائم
وما كل شعر يشبه الدر نظمهفما الدر إلا ما أنا فيك ناظم
بقيت بقاء الشمس في أفق العلايرجيك مظلم ويخشاك ظالم
ولا زلت مخدوماً لك الفلك الذيعليه مدار الأمر والسعد خادم
فلا تحرم الأقدار ما أنت رازقولا ترزق الأقدار ما أنت حارم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع