تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الأديب صارم الدين إبراهيم بن صالح المهتدي الهندي اليمني

هندي الأصل عربي اللسان. اتكأته البلاغة على رفرفها الخضر وعبقريها الحسان. أعرب بمقاله وما أعجم. وأقدم بصارم قاله وما أحجم. فلو أدرك عصره صاحب اللواء الكندي. لقال خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي. دخل والده اليمن فمن الله عليه بالاسلام. وقادته العناية الأزلية إلى دار السلام. ونشأ ولده هذا بالقطر اليماني. فبلغ من غلة العرب أقصى الأماني. والمرء من حيث نما. لا من حيث انتمى. وقديماً ما قال الرستمي. يفتخر وينتمي

إذا نسبوني كنت من آل رستمولكن لساني من لؤي بن غالب

ولم يزل يصدح ويمدح. ويقدح ويكدح. حتى عب عبابه. وخلص من القشر لبابه. وشعره مجمع بين الرقة والجزاله. فهو عرين أسد وكناس غزالة. وقفت له على قصائد مدح بها ملوك اليمن. وسادات الزمن. أطنب فيها وأسهب. وأورى زناد بلاغته فيها وألهب. فمنها قوله مادحاً امام اليمن إسمعيل المتوكل على الله وهي قوله

نعم ما لريات الحجول ذماموما لعهود الغانيات دوام
أغر إلى م البرق عندك خلبوحتام سحب الوصل منك جهام
تقلص ظل من وفائك سابغظليل وعاد الري وهو أوام
تخذت القلى والصد والبعد حسبةمللت ولا أن الملال سلام
وتلك لعمري في الحسان سجيةوللشيح في المامهن لزام
ولكنه في حقه ممدحوحلال أما في الرجال حرام
قصارى جمال الغيد وجد ولوعةلها بين أثناء الحشا ضرام
تعصيت حتى ما لمضناك حصةمن الوصل إلا من رناك سهام
حسبت بأن الحسن باق ورماغدا نبعه يا غر وهو تمام
وكل شباب بالمشيب مروعوإن لم يرعك الشيب راع حمام
ألم تعلمي أن المحاسن دولةيزول إذا زالت جوى وغرام
ولو دامت الدولات كانوا لغيرهمرعايا ولكن ما لهن دوام
إذا ازددت بعداً أو أظلت تجنياًرحلت وجسمي لم يذبه سقام
وما فضل رب السيف إن فتكت بهجفون كليلات المضاء كهام
أينصبن لي من هدبهن جآلةوهل صيد في فخ الغزال همام
ولي همة لا توطئها صبابةوحزم فتى بالخسف ليس يسام
وعزمة ندب لا يذل فؤادهوجانب حر لن تراه يضام
هيامي في نهد أقب مطهمإذا القوم في نهد المليحة هاموا
ولم يك عندي غير كتب نفيسةتروق وإلا ذابل وحسام
ولي قلم كالصل أما لعابهفسم وأما نفثه فمدام
وإن رامني الدهر الخؤون بحادثفلي من أمير المؤمنين عصام
امام الهدى اسمعيل أفضل قائمبه لاح بدر الحق وهو تمام
امام عظيم السر أما نهارهفصوم وأما ليله فقيام
رياض الأماني في حماه نضيرةوسحب الندى من راحتيه سجام
وفي سرحه حوض لمرواه منزعنمير يمير الناس منه غمام
وكم ملكت حرا جوادي هباتهببيض أيادي حولهن ركام
وطوق أعناق الملوك فكلهمله بأغاريد الثناء حمام
أخو الصدقات الدائمات صلاتهامساع وأيد في النوال جسام
وذو الخلوات اللاء يصعد أمرهاعليها لأملاك السماء زحام
تحمد سر المصطفى بسريرةوسيرة عدل لا تكاد ترام
وصح به الدين الحنيفي مهجةوأتمك منه غارب وسنام
تدفق بحر العلم في طي صدرهأوادي لج درهن تؤام
هو الجادة العظمى إلى الله فاعتمدعليه ويمم فالامام امام
لقد قام بالحق المبين بدعوةقياماً له شرع النبي قيام
اماماً خطيباً ليس إلا مشطباًومنبره يوم الكريهة هام
ولاح بأفق الرشد شمساً منيرةبه انجاب جنح الغي وهو ظلام
وجر ذيول الخيل وهي عوابسوقام زمام الجيش وهو لهام
وقد غبر السبع السموات نقعهفظلت سماء الأرض وهي قتام
وزينها منه نجوم أسنةمجرتها بيض لهن ضرام
ووسع أكناف الهدى بصوارملهن بأحشاء الضلال كلام
إليك أمير المؤمنين قد انبرتوللمدح فيها روضة وكمام
أتتك بطرس خف حملاً وربماتصدع منه يذبل وشمام
وفي قلبها من فرط بعدك لوعةوللعتب فيها شرهة وغرام
وقد أرسلت أمثال عقل وحكمةوأمثالها في الخافقين عقام
مصدقة في ذكر مجدك أنهالعمر أبي فيما تقول حذام
وكم سامها ملك سواك ورامهاوهيهات أكفاء المديح كرام
فهلا قضى منك الفخار برعيهاعليك صلاة جمة وسلام
وها مقل الآمال نحوك شخصقد استيقظت دهراً وليس تنام
ولي همة عن قصد غيرك في الورىترفع منها جانب ومقام
فعطفاً أمير المؤمنين ورقةفإنك للغر الكرام ختام

وله أيضاً يمدح أمير المؤمنين المهدي لدين الله السيد أحمد بن الحسن بن أمير المؤمنين المنصور بالله القاسمي.

دع العز وقم بالله مجتهداًوابشر فعقد الهنا باليمن قد نضدا
وأمدد يداً منك للرضوان بيعتهاإن الخلافة قد مدت إليك يدا
أن يمض بعد محاق بدرها فلقدطلعت في أفق الاسلام شمس هدا
أن يغمدوا في قراب الرمس مرهفهافإن مرهفك الهندي ما غمدا
هزت إليك بنود طالما خفقتعلى اللواء لواه بالثنا عقدا
فانهض بأعبائها العظماء نهضة منيهد حدى مزايا مجده أحدا
قم واعتصم بعرى الجبار ملتفتاًإلى راضه ودع من قام أو قعدا
أنت الذي رمز الجفر الخفي لنامن الحقيقة ما في سره جحدا
هل تجحد الشمس إن الشمس واضحةهل يجحد البحر من للبحر قد وردا
لدعوة القائم المهدي قد وضحتطرق الرشاد وعادت مهيفاً جددا
صدر الخلافة مثلوج ببيعتهمن بعدما كاد يشكو البث والكمدا
فحل عنك بنيان الطريق وجزبهدية الجادة العظمى تصب رشدا
عنت له رؤساء الدين وابتدرتلما دعا غدا الاجماع منعقدا
بنو أبيه بنو العم الذين سعواإلى مراضيه معدودون في السعدا
فيا بني القاسم انتالوا إليه إذاما رمتموا أن تطولوا في الأنام يدا
واجمعوا أمركم كي يستديم ولاتفرقوا فتثيروا حسداً وعدا
وسارعوه ولبوا نحو دعوتهفالله للقائم المهدي قد عضدا
العالم العامل القوام في غلسوالشهب تسهو وطرف النجم قد رفدا
هل مثل ماضيه ما بين الصفوف إذاما صلت البيض والخطي قد سجدا
هل مثله وبنو العرفان قد بهتواوالمشكلات ترد الأذكيا بلدا
هل السحابة تحكى صوب أنملهإذا همى بنوال يفرق البلدا
ألم يكن بأسه المخشي دونكمكم راع في الروع عن يعفوركم اسدا
بأس يهاب بأرجاء العراق وفيموارد النيل والأكناف من صفدا
لولا قوائم بيض من صوارمهلم يرفعوا للسموات العلى عمدا
ولا محياه لم يرفع لكم قمرعلى الورى في مراقي العز قد صعدا
هو المعد لدفع النائبات بكمإذا الملمات فتت منكم العضدا
هو الوفي لما يرجاه من أدبجوداً وكم خولتنا راحتاه يدا
بر رحيم بحال المؤمنين وكميحنو عليكم حنو الوالد الولدا
تيقظوا واعرفوا نهج الصواب بهفالناس ما بين أحساب وبين عدا
وفي الرسالة من قاضي القضاة لناأدلة ليس تخفى منكم أحدا
هذا الامام امام المسلمين معاًهذا المشقق من أرماحكم أودا
خذها إليك أمير المؤمنين فمايهدى لمثلك إلا الحلة الزردا
أنت المجد للدين الحنيف ومارثت مبانيه لكن شدتها جددا
بك الخلافة قد عادت محاجرهابخلا وكانت لعمري تشتكي الرمدا
مدت منابرها الأجياد حامدةألقابك الغر إذا هدت لك الجيدا
تكاد أعوادها يورقن مايسةبذكر اسمك للعدل الذي وجدا
جاءت تجر ذيولاً من غلائلهاقد ألبست من نسيج المكرمات ردا
أحرزتها بصداق يستفيض لهفي الأرض بحران لكن من ندا وجدا
لو أنها غازلتها عين ذي مرحلغرها النوم واعتاضت به السهدا
حسمت بالباس خلطاً في جوانحهاقد كان ينبت بؤساً في الأنام ودا
لولاك كان ضرام الشر ملتهباًلكن بالرأي إن وبخته خمدا
من أعظم الخطب إن أودى الخليفةإسمعيل أفضل من زكى ومن عبدا
فقمت إذ كاد يعرو الاضطراب بهروعاً ففر قتار للهدا وهدا
ما كاد أن يدلهم الخطب معتكراًحتى طلعت بوجه الرشد متقدا
وزدت طخيه ديجور المخاف فعنحزن وسهل رعا سرحانه النقدا
يشد أزرك ذو العليا أبو حسنناهيك ناهيك منه فارساً نجدا
محمد المتقي المختار عنصرهمن أحمد بحميد السعى قد حمدا
وصنوك الماجد البر الصحيح تقينجل الخليفة تلو الغاديات ندا
إليك أزمع من صنعا في فئةمن فتية العلم تبغي الحق والرشدا
ومن يرد أن يكون الحق متضحاًومن يساوي ببحر خضرم ثمدا
فدم وهز قناة للهنا ثنيتفقد تثنى بك الاسلام وانفردا
وصل ونول تصحح للقلوب ولافي الود وأجر على العهد الذي عهدا

وله أيضاً يحرضه على نجاز أمر الخلافة ليلة عيد الفطر سنة

هل الرسل الأذبل وعرابوهل غير بيض المرهفات كتاب
ولا خاطب إلا على منبر الطلاغزارة فضل واضح وخطاب
صفيحة ماض لا صحيفة راقمطلاها وهل يتلو السيوف قراب
أجبها أمير المؤمنين وافتهافقد سألت والمشرفي جواب
ترى ما عسى الأقوام يبغون دون مادعوت إليه إن ذا لعجاب
هو الفضل إلا أن تقام شريعةوتأمن سبل للهدى وشعاب
وهل غير فرقان النبي محمدوسنته الغرا فأين ذهاب
ترى وجبت بالنص فيهم لقاسملفرط اشتياق عند ذاك يجاب
بلى دون ما ظنوه كل ثنوفةسحالف لم يعسل بهن ذئاب
هو البر إلا أنهم وسعوا بهمسالك ما يرجون منه فخابوا
واطروا به اطراء عين مشرعوما ليس يرضى الشرع فيه سباب
على أنه الحبر الخشوع تعبداًأمن بعد محراب يكون حراب
لقد خدعوه واستلانوا قناتهومال به غي بهم وشباب
وقد يخدع الحر الكريم سجيةإذا راوغته أسرة وصحاب
دعوت إلى الدنيا بما يظهرونهإلى طلب الأخرى وذاك كذاب
وعند من يرجو رضى الله فتنةتثار وهل إلا إليه إياب
فحقق ذوي التقميص يا قاسم العلىفثم ذئاب فوقهن ثياب
أجلك قدراً أن تصيح لرايهمفقد وقدت حرب وثار لهاب
لقد أحسنوا أمر التفرق فيكموجالوا بدهماء الثراء وجابوا
وشقوا عصى الاسلام والدين جامعوأنتم على سر النبي صلاب
وقد رقش الأقوال منهم عصابةولله دين ما عليه حجاب
أعد نظراً في أمرهم متيقظاًتجد قيعة فيها الخليج سراب
ويا أيها المهدي الامام أصح لهافما بعدها للناصحين خطاب
واحرص على هذي الخلافة أنهاالعروس وما غير الدماء خضاب
فيطالما حالت بحقن دمائهمولكن رؤوس أينعت ورقاب
تراموا على حب الرئاسة غرةوثم مواب دونها وهضاب
مهالك يصخب بها الذئب نفسهولا طار فيها بالجناح غراب
به حاولوا نيل المزايا وأملواجوامع ما يبغونه وأصابوا
وقد ملكوا الدنيا لديك وأحرزوابطاعتك الأخرى وصح مثاب
دعوتهم نحو الهداية مشفقاًعليهم وماء الود ليس يشاب
فظنوك سلما عند ذاك وما درواروابض أسد تتقى وتهاب
ألا فادعهم والمرهفات معاتباًفما غيرها للمارقين عتاب
على السيف أسس ما بنيت فكلماشددت على أس الوداد خراب
دعى المصطفى دهراً إليه فلم يجبوقد لان منه جانب وخطاب
وقالوا له أما خوارق آيةفسحر وأما ما تلا فكذاب
فلما دعى والسيف صلت بكفهبه آمنوا واستسلموا وأنابوا
على السيف خيل الله سر رعيلهاوجهز جنود الله حيث تتاب
وسر ذوي الرايات أعلام حاشدفهيهات أن ينسد دونك باب
وصل ببكير فتية الحرب إنهمعرانين أسد ماجدون نجاب
امام الهدى أجرر ذيول جيوشهاهمام له السيف المشطب ناب
أبا حسن ضغم الدسيقة من لهمضاء إلى ما يبتغي وغلاب
محمد الريبال صفوة أحمدأبا طالب من لم ترعه صعاب
واعقد لواء النصر والطير عكفكلاها ففيها في المكر عقاب
إذا قدحت شهب الفوارس في الظباجماراً وقد أورى الزناد ضراب
هنالك تلقى الحق أبلج وأضحاوللشمس من نسج العجاج نقاب
فصل ببني العم الذين دعوتهمبداعيك في دين الهدى وأجابوا
ولم تفد الدنيا خرائم عيسهمولكن طابوا مشرعاً فأطابوا
من الصفوة اسمعيل قدس سرهلهم جيبئة نحو التقى وذهاب
وحسبك عز المكرمات محمدفتى ليس للدنيا لديه حساب
على أنه قاض بما يستحثهإلى الدين منها لم يرعه مصاب
وصل بعلي منهم تلق سيداًله نهج ملك في الفخار صواب
هو الخاطب المنطيق ذو القلم الذيكمرهفة البتار ليس يعاب
ببائس يقد الصلد عند نفوذهوجيش له موج الحتوف شراب
وعجم حسيناً تلق قدح كنانهينال بها مرمى العلى ويصاب
هو الأسد المقدام عند نزالهولكنه عند النوال عباب
سرى وهلال العيد يهدي لطرفهمن التبر سرجاً والسماك ركاب
جواد كان الشهب منها قلائدعليه ومن جنح الظلام أهاب
ولا تنس منهم أحمداً بشهادهفذلك طود شامخ وهضاب
هو المرهف الماضي الفرند وإنماحواه من العلم الرسوخ قراب
ولله من آل الحسين بن قاسمموارد في الدين الحنيف عذاب
وحسبك منهم أحمد بن محمدله نسب في المكرمات قراب
له العسكر المجر المثير نقعهسعيراً بقطر الغرب منه لهاب
يسابق عيد الفطر بالنحر ذابحاًكباش العدى مذ ناوشوه ونابوا
أطاعتك أكناف الأقاليم عن يدفما حجر في هنوم وتراب
وأرجو لأبناء المؤيد فتيةيكون لها نحو السداد مآب
ولا تنس يحيى بن الحسين فإنههو البدر إن قلنا سواه شهاب
وصل ببني القادات من آل قاسمبسيف يروع الليث منه ذئاب
أجل وبنيك الشامخين سيادهلها فوق أفلاك النجوم قباب
وناهيك سيف الله منهم محمدهزبر له بين الأسنة غاب
يحاذره المريخ باساً وسطوةله نوب الدهر الخؤون تناب
وهل للحسين القسوري منابذوشم الصياصي من سطاه تراب
همام له كهف الخلافة غايةوفي كل قطر من نداه سحاب
ورع بعلى ما قذفته من الذرىففيه لأفيال الجبال عقاب
يصرّف رمحاً للطعان كأنهإذا ما رمى بوح الدلاص جناب
هو البارز طوراً والغضنفر تارةتظل لديه الأسد وهي سقاب
إليك أمير المؤمنين معدةلها بين مصر والصعيد ركاب
وقد نفعت من نبغ عزمك أسهماًلهنّ بأثناء العراق رقاب
وما خصصت ترويعها بشهادةفكم دار منها في الثغور لعاب
مزاياك هالتها لفرط ظهورهاوهل تحمل البحر الخضم رياب
فدم وأمر الأسياف تعمل بحكمهافقد طاب أعذار وطاب عتاب

وله أيضاً حين دخل الامام المسجد فوقع قنديل من القناديل بمجرد دخوله فتشاءم الامام من ذلك فأنشده في ذلك الوقت

لا تعجبوا إذ غدا القنديل منكسراًفما عليه أهيل الفضل من حرج
رأى الامام كشمس عند مطلعهاوعند شمس الضحى لاحظّ للسرج

القسم الرابع في محاسن أهل العجم والبحرين والعراق وايراد ما رق من لطائفهم وراق وفيه فصلان الفصل الأول في محاسن أهل العجم الأمير محمد باقر بن محمد الشهير بالداماد الحسني طراز العصابة. وجواز الفضل سهم الاصابة. الرافع بأحاسن الصفات أعلامه. فسيد وسند وعلم وعلامه. اكليل جبين الشرف وقلادة جيده. الناطقة السن الدهور بتعظيمه وتمجيده. باقر العلم وتحريره. الشاهد بفضله تقريره وتجريره. ووالله إن الزمان بمثله لعقيم. وإن مكارمه لا يتسع لبثها صدر رقيم. وأنا بريء من المبالغة في هذا المقال. وبر قسمي يشهد به كل وامق وقال وشعر

وإذا خفيت على الغبيّ فعاذرأن لا تراني مقلة عمياء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمن ازديارك في الدجى الرقباء»

إن عدت الفنون فهو منارها الذي يهتدى به. أو الآداب فهو مؤملها الذي يتعلق بأهدابه. أو الكرم فهو بحره المستعذب النهل والعلل. أو النسيم فهو حميدها الذي يدب منه نسيم البرء في العلل. أو السياسة فهو أميرها الذي تجم منه الأسود في الاجم. أو الرياسة فهو كبيرها الذي هاب تسلطه سلطان العجم. وكان الشاه عباس أضمر له السوء مراراً. وأمر له حبل غيلته امراراً. خوفاً من خروجه عليه. وفرقاً من توجه قلوب الناس إليه. فحال دونه ذو القوة والحول. وأبى إلا أن يتم عليه المنة والطول. ولم يزل موفور العز والجاه. مالكاً سبيل الفوز والنجاه. حتى استأثر به ذو المنه. وتلا بآيتها النفس المطمئنه. فتوفي في سنة إحدى وأربعين وألف من مصنفاته في الحكمة القبسات. والصراط المستقيم والحبل المتين. وفي الفقه شارع النجاه وله حواش على الكافي في الفقه والصحيفة الكاملة وغير ذلك ومن انشائه البديع الاسلوب. الأخذ بمجامع القلوب ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين مراجعاً رحمهما الله تعالى لقد هبت ريح الأنس. من سمت القدس. فأتتنى بصحيفة منيفة كأنها بفيوضها. بروق العقل بوموضها. وكأنها بمطاويها. أطباق الأفلاك بدراريها. وكان أرقامها بأحكامها. أطباق الملك والملكوت بنظامها. وكان ألفاظها برطوباتها. أنهار العلوم بعذوباتها. وكان معانيها بأفواجها. بحار الحق بأمواجها. وأيم الله أن طباعها من تنعيم. وأن مزاجها من تسنيم. وأن نسيمها لمن جنان الرمضوت. وأن رحيقها لمن دفاق الملكوت. فاستقبلتها القوى الروحية. وبرزت إليها القوة العقلية. ومدت إليها فطنة صوامع السر أعناقها من كوي الحواس وروزاة المدارك وشبابيك المشاعر وكادت حمامة النفس تطير من وكرها شغفاً واهتزازاً. وتستطار إلى عالمها شوقاً وهزازاً. ولعمري لقد ترويت. ولكني لفرط ظمائي ما ارتويت

شربت الحب كاساً بعد كاسفما نفد الشراب ولا رويت

فلا زالت مراحمكم الجلية. مدركة للطالبين. بأضواء الأعطاف العلية. ومروية للظامئين بجرع الألطاف الخفية والجلية. ثم أن صورة مراتب الشوق والاخلاص التي هي وراء ما يتناثر ما لا يتناهى أظنها هي المنطبعة كما هي عليها في خاطركم الأقدس الأنور الذي هو لأسرار عوالم الوجود كمرآة مجلوه. ولغوامض أفانين العلوم ومعضلاتها كمصفاة مطحوه. وأنكم لأنتم بمزيد فضلكم المؤملون لامرار المخلص على حواشي الضمير المقدس المستنير. عند صوالح الدعوات السانحات في مينة الاستجابة. ومظنة الاجابه بسعد الله ظلالكم. وخلد مجدكم وجلالكم. والسلام على جنابكم الأرفع الأبهى. وعلى من يلوذ ببابكم الأسمى. ويعكف بفنائكم الأوسع الأسنى. ورحمة الله وبركاته أبداً سرمداً. ومن غريب رسائله رسالته الخليعه. وهي مما يدل على تاله سريرته. وتقدس سيرته. وصورتها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد كله لله رب العالمين. وصلاته على سيدنا محمد وآله الطاهرين. كنت ذات يوم من أيام شهرنا هذا وقد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول الله شعبان المكرم لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدسة في بعض خلواتي اذكر ربي في تضاعيف إذكاري وأورادي باسمه الغني فاكرر يا غني يا مغني مشددها بذلك عن كل شيء إلا عن التوغل في حريم سره والامحا في شعاع نوره وكان خاطفة قدسيه قد ابتدرت إلي فاجتذبتني من الوكر الجثماني ففككت حلق شبكة الحس وحللت عقد حبالة الطبيعة وأخذت أطير بجناح الروح في وسط ملكوت الحقيقة وكأني قد خلعت بدني. ورفضت عدني. ومقوت خلدي. ونضوت جسدي. وطويت اقليم الزمان وصرت إلى عالم الدهر فإذا أنا بمصر الوجود بجماجم أمم النظام الحملى من الابداعيات والتكوينيات والالهيات والطبيعيات والقدسيات والهيولانيات والدهريات والزمنيات وأقوام الكفر والايمان وارهاط الجاهلية والاسلام من الدارجين والدارجات والغابرين والغابرات. والسالفين والسالفات. والعاقين والعاقبات. في الازال والاباد بالجملة آحاد مجامع الامكان ودارت عوالم الامكان بقضها وقضيضها وصغيرها وكبيرها بإثباتها وبإبدائها حالياتها وافياتها وإذا الجميع زفة زفة وزمرة زمرة يجذبهم قاطبة معاملون. وجوه ما هياتهم شطر بابه سبحانه شاخصون بأبصار نياتهم تلقاه جنابه جل سلطانه من حيل لا يعلمون. وهم جميعاً بالسنة فقر ذواتهم الفاخرة والسن فاقة هوياتهم الهالكة في صحيح الضراعة وصراخ الابتهال ذاكروه وداعوه ومستصرخوه ومنادوه يا غني يا مغني من حيث هم لا يشعرون. فطفقت في تلك الضجة العقلية. والصرخة الغيبية. اخر مغشياً على وكدت من شدة الوله والدهش أنسى جوهر ذات العاقلة وأغيب عن بصر نفسي المجردة وأهاجر ساهرة أرض الكون وأخرج من صقع قطر الوجود راساً إذ قد ودعتني تلك الخلسة الخالسة حيناً حيوناً إليها وخطفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقاً لهوفاً عليها. فرجعت إلى أرض التيار. وكورة البوار. وبقعة الزور. وقرية الغرور تارة أخرى. هذا منتهى الرسالة المذكورة والله سبحانه أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.