من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري
أبو الحسن، وقيل أبو بكر: من أهل بغداد، ذكره الصولي في ندماء المتوكل على الله، مات في أيام المعتمد على الله في أواخرها، وما أبعد أن يكون أدرك أول أيام المعتضد. وكان جده جابر يخدم الخصيب صاحب مصر.
وذكره ابن عساكر في «تاريخ دمشق» فقال: سمع بدمشق هشام بن عمار وأبا حفص عمر بن سعيد، وبحمص محمد بن مصفّى، وبأنطاكية محمد بن عبد الرحمن بن سهم وأحمد بن برد الأنطاكيين، وبالعراق عفان بن مسلم وعبد الأعلى بن حماد وعلي بن المديني وعبد الله بن صالح العجلي ومصعبا الزبيري وأبا عبيد القاسم بن سلام وعثمان بن أبي شيبة وأبا الحسن علي بن محمد المدائني
ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وذكر جماعة. قال: وروى عنه يحيى بن البريم وأحمد بن عبد الله بن عمار وأبو يوسف يعقوب بن نعيم [بن] قرقارة الأرزني.
قال محمد بن إسحاق النديم: كان جدّه جابر يكتب للخصيب صاحب مصر، وكان شاعرا راوية، ووسوس آخر أيامه فشدّ في المارستان ومات فيه، وكان سبب وسوسته أنه شرب ثمر البلاذر على غير معرفة فلحقه ما لحقه.
وقال الجهشياري في «كتاب الوزراء»: جابر بن داود البلاذري كان يكتب للخصيب بمصر، هكذا ذكروا، ولا أدري أيهما شرب البلاذر أحمد بن يحيى أو جابر بن داود. إلّا ان ما ذكره الجهشياري يدلّ على أن الذي شرب البلاذر هو جده لأنه قال: جابر بن داود، ولعلّ ابن ابنه لم يكن حينئذ موجودا، والله اعلم.
وكان أحمد بن يحيى بن جابر عالما فاضلا شاعرا راوية نسابة متقنا، وكان مع ذلك كثير الهجاء بذيء اللسان آخذا لأعراض الناس، وتناول وهب بن سليمان بن وهب لما ضرط فمزّقه كلّ ممزّق، فمن قوله فيه، وكانت الضرطة بحضرة عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
أيا ضرطة حسبت رعدهتنوّق في سلّها جهده
تقدّم وهب بها سابقاوصلّى أخو صاعد بعده
لقد هتك الله ستريهماكذا كلّ من يطعم الفهده
وقال أحمد بن يحيى بن جابر يهجو عافية بن شبيب:
من رآه فقد رأىعربيا مدلّسا
ليس يدري جليسهأفسا أم تنفّسا
وحدث علي بن هارون بن المنجم في «أماليه» عن عمه قال، حدثني أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري قال: لما أمر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي أن يكتب فيما كان أمر به من تأخير الخراج حتى يقع في خمس من حزيران ويقع استفتاح الخراج فيه، كتب في ذلك كتابه المعروف، وأحسن فيه غاية الاحسان، فدخل عبيد الله بن يحيى على المتوكل فعرّفه حضور إبراهيم بن العباس وإحضاره الكتاب معه، فأمر بالاذن له، فدخل وأمره بقراءة الكتاب فقرأه، واستحسنه عبيد الله بن يحيى وكلّ من حضر، قال البلاذري: فدخلني حسد له فقلت: فيه خطأ، قال فقال المتوكل: في هذا الكتاب الذي قرأه عليّ إبراهيم خطأ؟ قال قلت: نعم، قال: يا عبيد الله وقفت على ذلك؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما وقفت فيه على خطأ، قال: فأقبل إبراهيم بن العباس على الكتاب يتدبّره فلم ير فيه شيئا، فقال: يا أمير المؤمنين الخطأ لا يعرى منه الناس وقد تدّبرت الكتاب خوفا من أن أكون قد أغفلت شيئا وقف عليه أحمد بن يحيى فلم أر ما أنكره، فليعرّفنا موضع الخطأ، قال فقال المتوكل: قل لنا ما هو هذا الخطأ الذي وقفت عليه في هذا الكتاب، قال فقلت: هو شيء لا يعرفه إلا عليّ بن يحيى المنجم ومحمد بن موسى، وذلك أنه أرّخ الشهر الروميّ بالليالي، وأيام الروم قبل لياليها، فهي لا تؤرّخ بالليالي وإنما يؤرخ بالليالي شهور العرب لأن لياليها قبل أيامها بسبب الأهلّة، قال فقال إبراهيم: صدق يا أمير المؤمنين هذا ما لا علم لي به ولا أدّعي فيه ما يدّعي، قال: فغير تاريخه.
قال الجهشياري: وقال أحمد بن يحيى البلاذري في عبيد الله بن يحيى وقد صار إلى بابه فحجبه:
قالوا اصطبارك للحجاب مذلّةعار عليك مدى الزمان وعاب
فأجبتهم ولكلّ قول صادقأو كاذب عند المقال جواب
إني لأغتفر الحجاب لماجدأمست له منن عليّ رغاب
قد يرفع المرء اللئيم حجابهضعة ودون العرف منه حجاب
وحدث الجهشياري قال، حدثني ابن أبي العلاء الكاتب، قال حدثني أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري قال: دخلت إلى أحمد بن صالح بن شيرزاد
فعرضت عليه رقعة لي فيها حاجة، فتشاغل عني، فقلت:
تقدّم وهب سابقا بضراطهوصلّى الفتى عبدون والناس حضّر
وإني أرى من بعد ذاك وقبلهبطونا لناس آخرين تقرقر
فقال: يا أبا الحسن بطن من؟ فقلت: بطن من لم يقض حاجتي، فأخذ الرقعة ووقّع فيها بما أردت.
وقال أحمد بن يحيى يهجو صاعدا وزير المعتمد:
أصاعد قد ملأت الأرض جوراوقد سست الأمور بغير لبّ
وساميت الرجال وأنت وغدلئيم الجدّ ذو عيّ وغب
أضلّ عن المكارم من دليلوأكذب من سليمان بن وهب
وقد خبّرت أنك حارثيّفردّ مقالتي أولاد كعب
قلت: أما سليمان بن وهب فمعروف، وأما دليل فهو دليل بن يعقوب النصراني أحد وجوه الكتاب، كان يكتب لبغا التركي ثم توكل للمتوكل على خاصه.
وحدث أبو القاسم الشافعي في «تاريخ دمشق» باسناده قال، قال أحمد بن جابر البلاذري، قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى ذكره ويزول عنك إثمه، فقلت:
استعدّي يا نفس للموت واسعيلنجاة فالحازم المستعدّ
قد تبينت أنه ليس للحيّخلود ولا من الموت بدّ
إنما أنت مستعيرة ما سوف تردّين والعواري تردّ
أنت تسهين والحوادث لا تسهووتلهين والمنايا تجدّ
لا ترجّي البقاء في معدن الموتودار حتوفها لك ورد
أيّ ملك في الأرض أم أيّ حظّلامرىء حظه من الارض لحد
كيف يهوى امرؤ لذاذة أيام عليه الانفاس فيها تعدّ
ومن شعر البلاذري الذي رواه المرزباني في «معجم الشعراء»:
يا من روى أدبا ولم يعمل بهفيكفّ عادية الهوى بأديب
حتى يكون بما تعلّم عاملامن صالح فيكون غير معيب
ولقلّما تجدي إصابة صائبأعماله أعمال غير مصيب
قال ابن عساكر في كتابه: وبلغني أن البلاذري كان أديبا راوية له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، ومات في أيام المعتمد ووسوس في آخر عمره.
قال المؤلف: هذا الذي ذكره ابن عساكر من كلام المرزباني في «معجم الشعراء» بعينه.
وقال محمد بن إسحاق النديم: وله من الكتب: كتاب البلدان الصغير.
كتاب البلدان الكبير لم يتم. كتاب جمل نسب الأشراف، وهو كتابه المعروف المشهور. كتاب عهد أردشير ترجمه بشعر، قال: وكان أحد النّقلة من الفارسي إلى العربي. كتاب الفتوح.
وحدث الصولي في «كتاب الوزراء» حدثني أحمد بن محمد الطالقاني قال قال لي أحمد بن يحيى البلاذري: كانت بيني وبين عبيد الله بن يحيى بن خاقان حرمة منذ أيام المتوكل، وما كنت أكلّفه حاجة لاستغنائي عنه، فنالتني في أيام المعتمد على الله إضافة فدخلت إليه وهو جالس للمظالم، فشكوت تأخّر رزقي وثقل ديني، وقلت: إنّ عيبا على الوزير- أعزّه الله- حاجة مثلي في أيامه، وغضّ طرفه عنّي، فوقع لي ببعض ما أردت وقال: أين حياؤك المانع لك من الشكوى على الاستبطاء؟ فقلت:
غرس البلوى يثمر ثمر الشكوى، وانصرفت وكتبت إليه:
لحاني الوزير المرتضى في شكايتيزمانا أحلّت للجدوب محارمه
وقال لقد جاهرتني بملامةومن لي بدهر كنت فيه أكاتمه
فقلت: حياء المرء ذي الدين والتقىيقلّ إذا قلّت لديه دراهمه
حياة ابن يحيى نعمة مستجدّةوحفظ لملك قد أضيعت سوائمه
تلائمه النّعمى وتحسن عندهوكم من معار نعمة لا تلائمه
لجأت إليه من زمان معاندقليل على أحداثه من يسالمه
فكان كظنّي في كريم فعالهوأمطرت النعمى عليّ مكارمه
وحدث الصولي عن محمد بن علي أن البلاذري امتدح أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، وكتب إليه كتابا حسنا وسأله أن يطلق له شيئا من أرزاقه، فوعده فلم يفعل فقال:
تجانف إسماعيل عنّي بودّهوملّ إخائي واللئيم ملول
وإن امرءا يغشى أبا الصقر راغباإليه ومغترّا به لذليل
وقد علمت شيبان أن لست منهمفماذا الذي إن أنكروك تقول
ولو كانت الدعوى تثبّت بالرّشالثبّت دعواك الذين تنيل
ولكنهم قالوا مقالا فكذّبواوجاءوا بأمر ما عليه دليل
وله فيما أورده عبد الله بن أبي طاهر:
لما رأيتك زاهياورأيتني أجفى ببابك
عدّيت رأس مطيّتيوحجبت نفسي عن حجابك
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع