من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن علي بن محمد بن ممويه، أبو عبد الله
المعروف بابن قم الزّبيدي اليمني: ولد بزبيد سنة ثلاثين وخمسمائة، وتوفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. كان أديبا كاتبا شاعرا من أفاضل اليمن المبرزين في النظم والنثر والكتابة، ومن شعره:
أأحبابنا من بالقطيعة أغراكموعن مستهام في المحبّة ألهاكم
صددتم وأنتم تعلمون بأننالغير التجنّي والصدود وددناكم
كشفت لكم سرّي على ثقة بكمفصرت بذاك السرّ من بعض أسراكم
جعلناكم للنائبات ذخيرةفحين طلبناكم لها ما وجدناكم
قطعتم وصلناكم، نسيتم ذكرناكمعققتم بررناكم، أضعتم حفظناكم
وفي النفس سرّ لا تبوح بذكرهولو تلفت وجدا إلى يوم لقياكم
فإن تجمع الأيام بيني وبينكمغفرت خطاياكم لحرمة رؤياكم
وقال:
خير ما ورّث الرجال بنيهمأدب صالح وحسن ثناء
ذاك خير من الدنانير والأوراق في يوم شدّة ورخاء
تلك تفنى والدين والأدب الصالح لا يفنيان حتى اللقاء
ولابن قم رسالة كتب بها إلى أبي حمير سبأ بن أبي السعود أحمد بن المظفر بن علي الصليحي اليماني بعد انفصاله عن اليمن، رواها عنه الحافظ أبو طاهر السلفي سنة ثمان وستين وخمسمائة وهي:
كتب عبد حضرة السلطان الأجلّ مولاي ربيع المجدبين، وقريع المتأدبين، جلوة الملتبس، وجذوة المقتبس، شهاب المجد الثاقب، ونقاب ذوي الرشد والمناقب- أطال الله بقاءه، وأدام علوّه وارتقاءه، ما قدّمت العارية للمستعير، ولزمت الياء للتصغير، وجعل رتبته في الأولية عالية المقام، كحرف الاستفهام، وكالمبتدأ إن تأخر في البنية، فإنه مقدّم في النية، ولا زالت حضرته في الحادثات حمى، وللوفود مزدحما وملتزما، حتى يكون في العلا، بمنزلة حرف الاستعلا، وهو من حروف اللين في حصون، وما جاورها من الإمالة مصون، ولا زال عدوّه كالألف حالها يختلف، تسقط في صلة الكلام، لا سيما مع اللام، فإنه أدام الله علوه أحسن إليّ ابتداء، ونشر عليّ من فضله رداء، أراد أن يخفى وكيف يخفى، لأنّ من شرف الإحسان، سقوط ذكره عن اللسان، كالمفعول رفع رفع الفاعل الكامل، لما حذف من الكلام ذكر الفاعل- يهدي إليه سلاما ما الروض: ضاحكه النّوض، غرس وحرس، وسقي ووقي، وغيب وصيب، فأخذ من كل نوء بنصيب، زهاه الزهر،
وسقاه النهر، جاور الأضا، فحسن وأضا، رتع فيه الشّحرور، ومرح العصفور، فنظر إلى أقاحيه، تفترّ في نواحيه، وإلى البهار، يضاحك شمس النهار، فجعل يلثم من ورده خدودا، ويضمّ من أغصانه قدودا، ويقتبس النار، من الجلّنار، ويلتمس العقيق، من الشقيق، فتثنّى ثملا، وغنّى خفيفا ورملا، بأطيب من نفحته المسكية، وأعطر من رائحته الذكية. وإني وإن أهديته في كلّ أوان، من أداء ما يجب غير وان، أعدّ نفسي السّكيت في السّبق، لتقصيري لما وجب عليّ من الحق، أثرت فعثرت، وجهدت فما سعدت، فأنا بحمد الله بخنوع وقنوع، وجناب عن غين الغين ممنوع، فارقت المثول ولا أزال، ولزمت الخمول والاعتزال، سعيي سعي الجاهد، وعيشي عيش الزاهد، ببلد الأديب فيه غريب، والأريب مريب، إن تكلّم استثقل، وإن سكت استقلل، منزله كبيوت العناكب، ومعيشته كعجالة الراكب، فهو كما قال أبو تمام:
أرض الفلاحة لو أتاها جرولأعني الحطيئة لاغتدى حرّاثا
ما جئتها من أيّ باب جئتهاإلا حسبت بيوتها أجداثا
تصدا بها الأفهام بعد صقالهاوتردّ ذكران العقول إناثا
أرض خلعت اللهو خلعي خاتميفيها وطلقت السرور ثلاثا
وأما حال عبده بعد فراقه في الجلد، فما حال أمّ تسعة من الولد، ذكور، كأنهم عقبان وصقور، كنّوا في وكور، اخترم منهم ثمانية، وهي على التاسع حانية، نادى النذير العريان في البداية، يا للعادية يا للعادية، فلما سمعت الداع، ورأت الخيل وهي سراع، جعلت تنادي ولدها الأناة الأناة، وهو ينادي القناة القناة:
بطل كأنّ ثيابه في سرحةيحذى نعال السّبت ليس بتوأم
حين رأته يختال في غضون الزرد الموضون، أنشأت تقول:
أسد أضبط يمشيبين طرفاء وغيل
لبسه من نسج داود كضحضاح المسيل
فعرض له في البادية أسد هصور، كأن ذراعه مسد معصور:
فتطاعنا وتواقفت خيلاهماوكلاهما بطل اللقاء مقنّع
فلما سمعت صياح الرعيل، برزت من الخدر بصبر قد عيل. فسألت عن الواحد، فقيل لها لحده اللاحد:
فكرّت تبتغيه فصادفتهعلى دمه ومصرعه السباعا
عبثن به فلم يتركن إلاأديما قد تمزّق أو كراعا
بأشد من عبد له تأسفا، ولا أعظم كمدا ولا تلهفا. وإنه ليعنّف نفسه دائما، ويقول لها لائما: لو فطنت لقطنت، ولو عقلت لما انتقلت، ولو قنعت لرجعت وما هجعت:
يقيم الرجال الموسرون بأرضهموترمي النوى بالمقترين المراميا
وما تركوا أوطانهم عن ملالةولكن حذارا من شمات الأعاديا
أيها السيد أمن العدل والإنصاف، ومحاسن الشيم والأوصاف، إكرام المهان، وإذلال جواد الرهان. يشبع في ساجوره كلب الزّبل، ويسغب في خيسه أبو الشبل:
إذا حلّ ذو نقص مكانة فاضلوأصبح ربّ الجاه غير وجيه
فإن حياة الحرّ غير شهيةإليه وطعم الموت غير كريه
أقول لنفسي الدنية: هبّي طال نومك، واستيقظي لا عزّ قومك. أرضيت بالعطاء المنزور، وقنعت بالمواعيد الزور؟! يقظة فإن الجد قد هجع، ونجعة فمن أجدب انتجع، أعجزت في الإباء، عن خلق الحرباء؟ أدلى لسانا كالرشاء، وتسنّم أعلى السماء. ناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس، [أنف من] ضيق الوجار، ففرّخ في الأشجار، فهو كالخطيب، على الغصن الرطيب:
وإن صريح الرأي والحزم لامرىءإذا بلغته الشمس أن يتحولا
وقد أصحب عبده هذه الأسطر شعرا يقصّر فيه عن واجب الحمد، وإن بنيت قافيته على المدّ، وما يعدّ نفسه إلا كمهدي جلد السبنتى الأنمر إلى الديباج الأحمر: أين درّ الحباب، من ثغور الأحباب؟ وأين الشراب، من السراب، والركي البكي من الواد، ذي المواد؟ أتطلب الفصاحة من الغتم، والصباحة من العتم؟ غلط من رأى الآل في القيّ، فشبّهه بهلهال الدبيقي، هيهات مناسج الرياط، تسبق تنيس ودمياط، ولا أقول إلا كما قال القائل:
من يساجلني يساجل ماجدايملأ الدلو إلى عقد الكرب
بل أضع نفسي في أقل المواضع، وأقول لمولاي قول الخاضع: فأسبل عليها ستر معروفك المواتي، الذي سترت به قدما عوراتي:
فيك برّحت بالعذول إباءوعصيت اللوّام والنصحاء
فانثنى العاذلون أخيب منّييوم أزمعتم الرحيل رجاء
من مجيري من فاتر اللحظ ألمىجمع النار خدّه والماء
فيه لليل والنهار صفاتفلهذا سرّ القلوب وساء
لازم شيمة الخلاف فإن لنت قسا أو دنوت منه تناءى
يا غريب الصفات حقّ لمن كان غريبا أن يرحم الغرباء
معرضا عن صدوده وتجنّيهـ وإشماته بي الأعداء
وإذا ما كتمت ما بي من وجد أذاعته مقلتاي بكاء
كعطايا سبا بن أحمد يخفيها فتزداد شهرة ونماء
أريحيّ يهزّه المدح للجود وإن لم نمدحه جاد ابتداء
المعيّ يكاد ينبيك عمّاكان في الغيب فطنة وذكاء
وإذا أخلف السماء بأرضأخلفت راحتاه ذاك السماء
بندى يخجل الغيوث انهمالاوشذا ينهل الرماح الظماء
ما أبالي إذ أحسن الدهر فيهأحسن الدهر للورى أم أساء
أيها المجدب الضريك انتجعهفعطاياه تسبق الأنواء
تلق منه المهذب الماجد النّدب الكريم السّميدع الأبّاء
راحة في الندى تنيل نضاراوحسام في الروع يهمي دماء
يا أبا حمير دعوتك للدهر فكنت امرءا يجيب الدعاء
فأبى البخل أن يكون أماماوأبى الجود أن يكون وراء
أنا أشكو إليك جور زماندأبه أن يعاند الأدباء
أهملتني صروفه وكأنيألف الوصل ألقيت إلقاء
إن سطا أرهب الضراغم في الآجام أو جاد بخّل الكرماء
شيم من أبيه أحمد لا ينفكّ عنها تتبعا واقتفاء
قد تعاطى في المجد شأوك قومعجزوا واحتملت فيه العناء
شرفا شامخا ومجدا منيفاحميريا وعزّة قعساء
مال عنّي بما أؤمل فيهكلّما قلت سوف يأسو أساء
رهن بيت لو استقرّ به اليربوع لم يرضه له نافقاء
نقصتني نقص المرخّم حتىخلتني في فم الزمان نداء
منعتني من التصرّف منع العلل التسع صرفها الأسماء
يا أبا حمير وحرمة إحسانك عندي ما كان حبّي رياء
ما ظننت الزمان يبعدني عنك إلى أن أفارق الأحياء
غير أني فدتك نفسي من السّوء وإن قلّ أن تكون فداء
ضاع سعيي وخبت خابت أعاديك ومن يبتغي لك الأسواء
واحتملت الحرمان والنقص والإبعاد والذلّ والعنا والجفاء
وتجملت واصطبرت فما أبقى على عودي الزمان لحاء
أعلى هذه المصيبة صبرلا ولو كنت صخرة صماء
ولو اني لم أعتمد دون غيريلتأسيت أن أموت وفاء
غير أن التصريح ليس بخافعند من كان يفهم الإيماء
غير أني مثن عليك وما لمت على ما لقيت إلا القضاء
وسيأتيك في البعاد وفي القرب مديح يستوقف الشعراء
فبشكر رحلت عنك وألقاك به إن قضى الإله لقاء
ليس يبقى في الدهر غير ثناءفاكتسب ما استطعت ذاك الثناء
وقال:
تشكّى المحبّون الصبابة ليتنيتحملت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّهافلم يدرها قبلي محبّ ولا بعدي
وقال:
هدايا الناس بعضهم لبعضتولّد في قلوبهم المودّه
وتزرع في النفوس هوى وحبّالصرف الدهر والحدثان عدّه
وتصطاد القلوب بلا شراكوتسعد حظّ صاحبها وجدّه
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع