من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن علي بن محمد بن عبد الله
بن عبد الصمد الأستاذ مؤيد الدين أبو إسماعيل الأصبهاني: صاحب الفضائل المشهورة والأشعار السائرة، صدر العراق وشهرة الآفاق المعروف بالطغرائي نسبة إلى من يكتب الطغراء وهي الطرّة التي تكتب
في أعلى المناشير فوق البسملة بالقلم الجلي تتضمن اسم الملك وألقابه، وهي كلمة أعجمية محرفة من الطرّة.
كان آية في الكتابة والشعر حسن المعرفة باللغة والأدب، أقوم أهل عصره بصنعة الأدب. وكان محترما كبير الشأن جليل القدر خبيرا بصناعة الكيمياء له فيها تصانيف أضاع الناس بمزاولتها أموالا لا تحصى، وخدم السلطان ملك شاه بن الب أرسلان، وكان منشىء السلطان محمد مدة ملكه متولي ديوان الطغراء وصاحب ديوان الإنشاء، تشرفت به الدولة السلجوقية، وتشوّفت إليه المملكة الأيوبية، وتنقل في المناصب والمراتب، وتولى الاستيفاء وترشح للوزارة، ولم يكن في الدولتين السلجوقية والإمامية من يماثله في الإنشاء سوى أمين الملك أبي نصر العتبي، وله في العربية والعلوم قدر راسخ، وله البلاغة المعجزة في النظم والنثر. ورد بغداد وأقام بها مدة طويلة وكان يسافر مع العسكر إلى الجبال والري وأصبهان إلى أن شرف بفضله وكماله.
قال الإمام محمد بن الهيثم الأصفهاني: كشف الأستاذ أبو إسماعيل بذكائه سرّ الكيمياء وفك رموزها واستخرج كنوزها وله فيها تصانيف منها: جامع الأسرار. وكتاب تراكيب الأنوار. وكتاب حقائق الاستشهادات. وكتاب ذات الفوائد. وكتاب الردّ على ابن سينا في إبطال الكيمياء. ومصابيح الحكمة. وكتاب مفاتيح الرحمة. وله ديوان شعر وغير ذلك.
ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وقتل في الوقعة التي كانت بين السلطان مسعود بن محمد وأخيه السلطان محمود سنة خمس عشرة وخمسمائة صبرا بهمذان وقد جاوز الستين. وكان السبب في ذلك أنه كان كاتب الطغراء، والطغراء التوقيعات، لمحمد بن ملكشاه، ثم ولّاه الإشراف على المملكة، وعزل عن ذلك، وأمره بملازمة بيته. وكان ابنه أبو محمد برسم الكتابة للطغراء للملك مسعود بن محمد، فقصده أبوه أبو إسماعيل من أصبهان راكبا في لجاوة وتبع، فلم يلحق بيعة المتولي بأصبهان من قبل السلطان محمود أخي مسعود. وكانت الحال بين الأخوين مسعود ومحمود غير
مستقيمة، وهما على الحرب والمنافسة على الملك، ووصل إلى السلطان محمود وهو على باب خويّ فولّاه وزارته، وعزم مسعود على محاربة أخيه، فكتب إليه يدعوه إلى الصلح ويخوّفه وبال الخلف، ويبذل له البذول والإقطاعات، وبلوغ الأغراض والطلبات. فأجاب الأستاذ أبو إسماعيل عن مسعود بجواب يجلب المنافرة والمباينة، ويزيل الطاعة والموافقة، وخطب لمسعود بالسلطنة، وخوطب الأستاذ أبو إسماعيل بالوزير قوام الدين، وكان محمود في قلّ من العسكر، ووقعت بينهما وقعة بهمذان، فانهزم عسكر مسعود، ومضوا على وجوههم متمزقين، وأسر أصحاب السلطان محمود خلقا من أعيان أصحاب مسعود منهم الأستاذ أبو إسماعيل الطغرائي، فأمر السلطان بقتله لما في نفسه عليه مما تقدم ذكره، وقال: لم أقتله إلا لقلّة دينه وسوء معتقده.
وروي أنه لما عزم السلطان محمود على قتل الطغرائي أمر به أن يشدّ إلى شجرة وأن يقف تجاهه جماعة بالسهام، وأن يقف إنسان خلف الشجرة يكتب ما يقول، وقال لأصحاب السهام لا ترموه حتى أشير إليكم، فوقفوا والسهام مفوّقة لرميه، فأنشد الطغرائي في تلك الحالة:
ولقد أقول لمن يسدّد سهمهنحوي وأطراف المنية شرّع
والموت في لحظات أحور طرفهدوني وقلبي دونه يتقطع
بالله فتّش عن فؤادي هل يرىفيه لغير هوى الأحبة موضع
أهون به لو لم يكن في طيّهعهد الحبيب وسرّه المستودع
فرقّ له وأمر بإطلاقه، ثم إن الوزير أغراه بقتله بعد حين فقتله، وكان أكبر أسباب قتله حسد أصحاب السلطان له على فضله فحسّنوا للسلطان قتله، فمن أشعاره:
إذا ما لم تكن ملكا مطاعافكن عبدا لمالكه مطيعا
وإن لم تملك الدنيا جميعاكما تختار فاتركها جميعا
هما سببان من ملك ونسكينيلان الفتى الشرف الرفيعا
فمن يقنع من الدنيا بشيءسوى هذين يحي بها وضيعا
وله:
لا تجزعنّ إذا بالأمر ضقت بهذرعا ونم وتوسّد خالي البال
فبين غفوة عين وانتباهتهاتنقل الأمر من حال إلى حال
وما اهتمامك بالمجدي عليك وقدجرى القضاء بأرزاق وآجال
وكتب إلى الحكيم أبي الحسن ابن أبي الغنايم الطبيب:
يا سيدي والذي مودّتهعندي روح يحيا بها الجسد
من ألم الظهر أستغيث وهليألم ظهر إليك يستند
وله:
إني لأذكركم وقد بلغ الظمامني فأشرق بالزلال البارد
وأري العدا أن الإساءة منكمخطأ وتلك سجية من عامد
ما زلت أزهد في مودة راغبحتى ابتليت برغبة في زاهد
إن لم يكن سحرا هواك فإنهوالسحر قدّا من أديم واحد
وله:
ذكرتكم عند الزلال مع الظمافلم أنتفع من برده ببلال
وحدثت نفسي بالأمانيّ فيكموليس حديث النفس غير ضلال
يقرّ بعيني الركب من نحو أرضكميزجّون عيسا قيّدت بكلال
أطارحهم جدّ الحديث وهزلهلأقطعهم عن سيرهم بمقال
وأسأل عمن لا أريد وإنماأريدكم من بينهم بسؤالي
فيعثر ما بين الحديث ورجعهلساني بكم حتى ينمّ بحالي
وأطوي على ما تعلمون جوانحيوأظهر للعذّال أني سال
فلا والذي عافاكم وابتلى بكمفؤادي ما مرّ السلوّ ببالي
وقد عشت دهرا لا أبالي من النوىفعلمني الهجران كيف أبالي
[وقال يعاتب مؤيد الملك أبا بكر عبيد الله]:
لك الخير قد عودتني منك عادةنشأت عليها منذ أول حالي
وكنت أرجّي أن حالك ترتقيفينمو بها حالي نموّ هلال
وأسمو إلى نيل الأماني وأقتضيمواعيد دهر مولع بمطال
فقد رابني منك الصدود وليتهصدود اشتغال لا صدود ملال
وإن كان هذا منك دأبا تديمهفإذنك لي حتى أزمّ جمالي
وإلا فعد لي بالجميل فقد عفتمعالم آمالي وضاق مجالي
فمثلي لا يرضى مقاما بذلةوصبرا على جاه لديك مذال
ومثلك لا يرضى بتضييع حرمتيوتخييب آمال لديك طوال
ومن شعر مؤيد الدين الطغرائي قصيدته التي تداولها الرواة وتناقلتها الألسن المعروفة بلامية العجم وقد رأيت ان اوردها بتمامها إعجابا بها، قال:
أصالة الرأي صانتني عن الخطلوحيلة الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخيرا ومجدي أولا شرعوالشمس رأد الضحى كالشمس في الطّفل
فيم الاقامة بالزوراء لا سكنيفيها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكفّ منفردكالسيف عرّي متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزنيولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حنّ راحلتيورحلها وقرى العسّالة الذّبل
وضجّ من لغب نضوي وعجّ لمايلقى ركابي ولجّ الركب في عذلي
أريد بسطة كفّ أستعين بهاعلى قضاء حقوق للعلا قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعنيمن الغنيمة بعد الجدّ بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقللمثله غير هيّاب ولا وكل
حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجتبشدّة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقتلهوالليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على الأكوار من طربصاح وآخر من خمر الهوى ثمل
فقلت أدعوك للجلّى لتنصرنيوأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عيني وعين النجم ساهرةوتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين على غيّ هممت بهوالغيّ يزجر أحيانا عن الفشل
إني أريد طروق الحيّ من إضموقد حماه رماة من بني ثعل
يحمون بالبيض والسمر اللدان بهسود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في ذمام الليل معتسفافنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحبّ حيث العدا والأسد رابضةحول الكناس لها غاب من الأسل
نؤمّ ناشئة بالجزع قد سقيتنصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بهاما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهنّ في كبدحرّى ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حبّ لا حراك بهوينحرون كرام الخيل والابل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهمبنهلة من غدير الخمر والعسل
لعلّ إلمامة بالجزع ثانيةيدبّ منها نسيم البرء في عللي
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعتبرشقة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدنيباللمح من خلل الاستار والكلل
ولا أخلّ بغزلان تغازلنيولو دهتني أسود الغيل بالغيل
حبّ السلامة يثني همّ صاحبهعن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقافي الأرض أو سلما في الجوّ فاعتزل
ودع غمار العلا للمقدمين علىركوبها واقتنع منهنّ بالبلل
رضا الذليل بخفض العيش مسكنةوالعزّ تحت رسيم الأينق الذلل
فادرأ بها في نحور البيد جافلةمعارضات مثاني اللجم بالجدل
إن العلا حدثتني وهي صادقةفيما تحدث أنّ العزّ في النقل
لو أنّ في شرف المأوى بلوغ منىلم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
أهبت بالحظّ لو ناديت مستمعاوالحظ عني بالجهّال في شغل
لعلّه إن بدا فضلي ونقصهملعينه نام عنهم أو تنبّه لي
أعلّل النفس بالآمال أرقبهاما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرض بالعيش والأيام مقبلةفكيف أرضى وقد ولّت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتهافصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة النصل أن يزهى بجوهرهوليس يعمل إلا في يدي بطل
ما كنت أوثر أن يمتدّ بي زمنيحتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهموراء خطوي لو أمشي على مهل
هذا جزاء امرىء أقرانه درجوامن قبله فتمنّى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجبلي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجرفي حادث الدهر ما يغني عن الحيل
أعدى عدّوك أدنى من وثقت بهفحاذر الناس واصحبهم على دخل
وإنما رجل الدنيا وواحدهامن لا يعوّل في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزةفظنّ شرا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجتمسافة الخلف بين القول والعمل
وشان صدقك عند الناس كذبهموهل يطابق معوجّ بمعتدل
إن كان ينجع شيء في ثباتهمعلى العهود فسبق السيف للعذل
يا واردا سؤر عيش كلّه كدرأنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لجّ البحر تركبهوأنت يكفيك منه مصّة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولايحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لهافهل سمعت بظلّ غير منتقل
ويا خبيرا على الأسرار مطلعااصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشّحوك لأمر إن فطنت لهفاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
اقنع تعزّ ولا تطمع تذلّ ولاتكثر تملّ ولا تغترّ بالمهل
وقال يسلي معين الملك [أبا المحاسن بن] فضل الله في نكبته ويحضه على الصبر:
تصدّى وللحيّ المنيع رحيلغزال أحمّ المقلتين كحيل
تصدّى وأمر البين قد جدّ جدّهوزمّت جمال واستقلّ حمول
وفي الصدر من نار الصبابة جاحموفي الخدّ من ماء الجفون مسيل
غزال له مرعى من القلب مخصبوظلّ صفيق الجانبين ظليل
تناصف فيه الحسن أما قوامهفشطب وأما خصره فنحيل
قريب من الرائين يطمع قربهوليس إليه للمحبّ سبيل
إذا سار لحظ المرء في وجناتهتضاءل عنه الطّرف وهو كليل
ولما استقلّ الحيّ وانصدعت بهنوى عن وداع الظاعنين عجول
تراءى لنا وجه من الخدّ نيروضاءت علينا نضرة وقبول
فصبرا معين الملك إن عنّ حادثفعاقبة الصبر الجميل جميل
ولا تيأسن من صنع ربّك إنهضمين بأنّ الله سوف يديل
فإنّ الليالي إذ يزول نعيمهاتبشّر أنّ النائبات تزول
ألم تر أن الليل بعد ظلامهعليه لإسفار الصباح دليل
ألم تر أن الشمس بعد كسوفهالها منظر يعشي العيون صقيل
وان الهلال النضو يقمر بعد مابدا وهو شخت الجانبين ضئيل
ولا تحسبنّ السيف يقصر كلماتعاوره بعد المضاء كلول
ولا تحسبنّ الدوح يقلع كلّمايمر به نفح الصّبا فيميل
فقد يعطف الدهر الأبيّ عنانهفيشفى عليل أو يبلّ غليل
ويرتاش مقصوص الجناحين بعد ماتساقط ريش واستطار نسيل
ويستأنف الغصن السليب نضارةفيورق ما لم يعتوره ذبول
وللنجم من بعد الرجوع استقامةوللحظّ من بعد الذهاب قفول
وبعض الرزايا يوجب الشكر وقعهاعليك وأحداث الزمان شكول
ولا غرو أن أخنت عليك فإنمايصادم بالخطب الجليل جليل
وأيّ قناة لم ترنّح كعوبهاوأيّ حسام لم يصبه فلول
أسأت إلى الأيام حتى وترتهافعندك أضغان لها وذحول
وصارفتها فيما أرادت صروفهاولولاك كانت تنتحي وتصول
وما أنت إلا السيف يسكن غمدهليردى به يوم النزال قتيل
أما لك بالصدّيق يوسف أسوةفتحمل وطء الدهر وهو ثقيل
وما غضّ منك الحبس والذكر سائرطليق له في الخافقين زميل
فلا تذعنن للخطب آدك ثقلهفمثلك للأمر العظيم حمول
ولا تجزعن للكبل مسّك وقعهفإن خلاخيل الرجال كبول
وصنع الليالي ما عدتك سهامهاوإن أجحفت بالعالمين جميل
وإن امرءا تعدو الحوادث عرضهويأسى لما يأخذنه لبخيل
وقال:
أما العلوم فقد ظفرت ببغيتيمنها فما أحتاج أن أتعلّما
وعرفت أسرار الخليقة كلّهاعلما أنار لي البهيم المظلما
وورثت هرمس سرّ حكمته الذيما زال ظنا في الغيوب مرجما
وملكت مفتاح الكنوز بحكمةكشفت لي السرّ الخفيّ المبهما
لولا التقية كنت أظهر معجزامن حكمتي تشفي القلوب من العمى
أهوى التكرّم والتظاهر بالذيعلّمته والعقل ينهى عنهما
وأريد لا ألقى غبيا موسرافي العالمين ولا لبيبا معدما
والناس إما جاهل أو ظالمفمتى أطيق تكرّما وتكلما
وقال:
أيكية صدحت شجوا على فننفأشعلت ما خبا من نار أشجاني
ناحت وما فقدت انسا ولا فجعتفذكرتني أو طاري وأوطاني
طليقة من إسار الهمّ ناعمةأضحت تجدّد وجد الموثق العاني
تشبهت بي في وجد وفي طربهيهات ما نحن في الحالين سيان
ما في حشاها ولا في جفنها أثرمن نار قلبي ولا من ماء أجفاني
يا ربة البانة الغنّاء تحضنهاخضراء تلتفّ أغصانا بأغصان
إن كان نوحك إسعادا لمغتربناء عن الأهل ممنيّ بهجران
فقارضيني إذا ما اعتادني طربوجدا بوجد وسلوانا بسلوان
ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذتمنّي الليالي ولا تدرين ما شاني
كلي إلى السّحب إسعادي فإن لهادمعا كدمعي وإرنانا كارناني
وقال:
أقول لنضوي وهي من شجني خلوحنانيك قد أدميت كلمي يا نضو
تعالي أقاسمك الهموم لتعلميبأنك مما تشتكي كبدي خلو
تريدين مرعى الريف والبدو أبتغيوما يستوي الريف العراقيّ والبدو
هناك هبوب الريح مثلك لاغبومثلي ماء المزن مورده صفو
ومحجوبة لو هبّت الريح أرقلتإليها المهاري بالعوالي ولم يلووا
صبوت إليها وهي ممنوعة الحمىفحتّام أصبو نحو من لا له نحو
هوى ليس يسلي القرب عنه ولا النوىوشجو قديم ليس يشبهه شجو
فأسر ولا فكّ ووجد ولا أسىوسقم ولا برء وسكر ولا صحو
عناء معنّ وهو عندي راحةوسمّ زعاف طعمه في فمي حلو
ولولا الهوى ما شاقني لمع بارقولا هدّني شجو ولا هزّني شدو
وقال:
خبّروها أني مرضت فقالتأضنى طارفا شكا أم تليدا
وأشاروا بأن تعود وساديفأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خفية وهي تشكورقبة الحيّ والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالكأن أمالت عليّ عطفا وجيدا
ثم قالت لتربها وهي تبكيويح هذا الشباب غضا جديدا
زورة ما شفت غليلا ولكنزيّدت جمرة الفؤاد وقودا
وتولّت بحسرة البين تخفيزفرات أبين إلا صعودا
وقال:
انظر تر الجنة في وجههلا ريب في ذاك ولا شكّ
أما ترى فيه الرحيق الذيختامه من خاله مسك
وله:
بالله يا ريح إن مكّنت ثانيةمن صدغه فأقيمي فيه واستتري
وراقبي غفلة منه لتنتهزيلي فرصة وتعودي منه بالظفر
وإن قدرت على تشويش طرّتهفشوّشيها ولا تبقي ولا تذري
ولا تمسّي عذاريه فتفتضحيبنفحة المسك بين الورد والصدر
وباكري عذب ورد من مقبّلهمقابل الطعم بين الطيب والخصر
ثم اسلكي بين برديه على عجلواستبضعي الطيب وأتيني على قدر
ونبهيني دوين القوم وانتفضيعليّ والليل في شكّ من السحر
لعلّ نفحة طيب منك ثانيةتقضي لبانة قلب عاقر الوطر
وكتب إلى بعض أصحابه وهو على مسرة:
فديتك قد تنبّهنا لدهرعيون صروفه عنّا نيام
وجاد لنا الزمان بجمع شملتألّف بعد ما انقطع النظام
مدام تشبه التفاح ذوباوتفاح كما جمد المدام
ومن نسج الربيع محبّراتتأنّق في حواشيها الغمام
وريّان الصّبا للحسن فيهبدائع لا يحيط بها الكلام
لنا من مسك صدغيه نجادومن ألحاظ مقلته حسام
ومجلسنا على ما فيه يوميبنقصان وأنت له تمام
فلا تعتلّ بالأشغال واحضرعلى عجل وإلّا والسلام
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع