من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار
الأمير أبو الفتح المعروف بابن أبي حصينة المعري الأديب الشاعر: توفي بسروج في منتصف شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكان سبب تقدمه ونواله الامارة أن الامير تاج الدولة ابن مرداس أوفده إلى حضرة المستنصر العبيديّ رسولا سنة سبع وثلاثين وأربعمائة فمدح المستنصر بقصيدة قال فيها:
ظهر الهدى وتجمّل الاسلاموابن الرسول خليفة وإمام
مستنصر بالله ليس يفوتهطلب ولا يعتاص عنه مرام
حاط العباد وبات يسهر عينهوعيون سكّان البلاد نيام
قصر الإمام أبي تميم كعبةويمينه ركن لها ومقام
لولا بنو الزهراء ما عرف التقىفينا ولا تبع الهدى الأقوام
يا آل أحمد ثبّتت أقدامكموتزلزلت بعداكم الأقدام
لستم وغيركم سواء، أنتمللدين أرواح، وهم أجسام
يا آل طه حبكم وولاؤكمفرض وإن عذل اللحاة ولاموا
وهي طويلة.
ثم مدحه سنة خمسين وأربعمائة فوعده بالإمارة وأنجز له وعده سنة إحدى وخمسين فتسلم سجلّ الإمارة من بين يدي الخليفة في ربيع الآخر من السنة، فمدحه بقصيدة منها:
أما الامام فقد وفى بمقالهصلّى الإله على الامام وآله
لذنا بجانبه فعمّ بفضلهوببذله وبصفوه وجماله
لا خلق أكرم من معدّ شيمةمحمودة في قوله وفعاله
فاقصد أمير المؤمنين فما ترىبؤسا وأنت مظلّل بظلاله
زاد الامام على البحور بفضلهوعلى البدور بحسنه وجماله
وعلا سرير الملك من آل الهدىمن لا تمرّ الفاحشات بباله
النصر والتأييد في أعلامهومكارم الأخلاق في سرباله
مستنصر بالله ضاق زمانهعن شبهه ونظيره ومثاله
وكان الذي سعى في تأميره وكتب له سجلّ الامارة أبو علي صدقة بن إسماعيل بن فهد الكاتب، فمدحه الأمير أبو الفتح بقصيدة منها:
قد كان صبري عيل في طلب العلاحتى استندت إلى ابن إسماعيلا
فظفرت بالخطر الجليل ولم يزليحوي الجليل من استعان جليلا
لولا الوزير أبو عليّ لم أجدأبدا الى الشرف العليّ سبيلا
إن كان ريب الدهر قبّح ما مضىعندي فقد صار القبيح جميلا
وأجلّ ما جعل الرجال صلاتهمللراغبين العزّ والتبجيلا
اليوم أدركت الذي أنا طالبوالأمس كان طلابه تعليلا
وقال يمدح أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس:
سرى طيف هند والمطيّ بنا تسريفأخفى دجى ليل وأبدى سنا فجر
حليليّ فكاني من الهمّ واركبافجاج البوادي الغبر في النّوب الغمر
إلى ملك من عامر لو تمثّلتمناقبه أغنت عن الأنجم الزهر
إذا نحن أثنينا عليه تلفتتإلينا المطايا مصغيات الى الشكر
وفوق سرير الملك من آل صالحفتى ولدته أمّه ليلة القدر
فتى وجهه أبهى من البدر منظراوأخلاقه أشهى من الماء والخمر
أبا صالح أشكو إليك نوائباعرتني كما يشكو النبات إلى القطر
لتنظر نحوي نظرة إن نظرتهاإلى الصخر فجرت العيون من الصخر
وفي الدار خلفي صبية قد تركتهميطلّون إطلال الفراخ من الوكر
جنيت على روحي بروحي جنايةفأثقلت ظهري بالذي خفّ من ظهري
فهب هبة يبقى عليك ثناؤهابقاء النجوم الطالعات التي تسري
قال الأمير أسامة بن منقذ: فلما فرغ من إنشاده أحضر الأمير أسد الدولة القاضي والشهود، وأشهد على نفسه بتمليك الأمير أبي الفتح ابن أبي حصينة ضيعة من ضياعه لها ارتفاع كبير، وأجازه فأحسن جائزته فأثرى وتمول.
ولما ملك محمود بن نصر بن صالح بن مرداس حلب سنة اثنتين وخمسين
وأربعمائة مدحه بقصيدة منها:
كفّي ملامك فالتبريح يكفينيأو جرّبي بعض ما ألقى ولوميني
برمل يبرين أصبحتم فهل علمترمال يبرين أن الشوق يبريني
أهوى الحسان وخوف الله يردعنيعن الهوى والعيون النجل تغويني
ما بال أسماء تلويني مواعدهاأكلّ ذات جمال ذات تلوين
كان الشباب إلى هند يقربنيوشاب رأسي فصار اليوم يقصيني
يا هند إن سواد الرأس يصلح للدنيا وإن بياض الرأس للدين
لست امرءا غيبة الأحرار من شيميولا النميمة من طبعي ولا ديني
دعني وحيدا أعاني العيش منفردافبعض معرفتي بالناس تكفيني
ما ضرّني ودفاع الله يعصمنيمن بات يهدمني والله يبنيني
وما أبالي وصرف الدهر يسخطنيوسيب نعماك يا ابن الصّيد يرضيني
أبا سلامة عش واسلم حليف علاوسؤدد بشعاع الشمس مقرون
أشنا عداكم وأهوى أن أدين لكمفللعدى دينهم فيكم ولي ديني
فلما أتم إنشادها قال له: تمنّ، قال: أتمنى أن أكون أميرا، فجعله أميرا يجلس مع الأمير ويخاطب بالأمير وقرّبه، وقد تقدم أن الإمارة وجهت إليه سنة إحدى وخمسين من ديوان المستنصر بمصر، ولا منافاة بين الروايتين إذ يكون توجيه الإمارة إليه من الأمير محمود بن نصر تاليا لتوجيهها إليه من جانب المستنصر ومؤكدا مؤيدا له.
ووهبه صاحب حلب محمود أيضا مكانا بحلب تجاه حمام الواساني فجعله دارا وزخرفها، فلما تمّ بناؤها نقش على دائرة الدرابزين فيها:
دار بنيناها وعشنا بهافي دعة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركواعليّ في الأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذافليحسن الناس إلى الناس
ولما تكامل البناء عمل دعوة حضرها الأمير محمود بن نصر فلما رأى حسن الدار وقرأ الأبيات المتقدمة قال: يا أبا الفتح كم صرفت على بناء الدار؟ قال: يا مولانا هذا الرجل تولّى عمارتها ولا أدري كم صرف عليها فسأل المعمار [فقال]: غرم عليها ألفي دينار مصرية فأمر باحضار ألفي دينار وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصان بطوق ذهب وسرفسار ذهب فسلمها إلى ابن أبي حصينة وقال له:
قل لبني الدنيا ألا هكذافليحسن الناس الى الناس
وحضر بعد أيام رجل من أهل المعرة يقال له الزقوم من رعاع الناس وأسافلهم فطلب رزق جنديّ فأعطي ذلك وجعل من أجناد المعرة فقال أحمد بن محمد المعروف بابن الدويدة المعري في ذلك:
أهل المعرة تحت أقبح خطةوبهم أناخ الخطب وهو جسيم
لم يكفهم تأمير إبن حصينةحتى تجنّد بعده الزقوم
يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنايا قوم أين الترك أين الروم
فشاعت الأبيات وسمعها الأمير أبو الفتح، فذهب إلى بيت ابن الدويدة فلما دخل عليه قال له ابن الدويدة: الآن والله كان عندي الزقوم وقال لي: والله ما بي من الهجو ما بي من أنك قرنتني بابن أبي حصينة، فقال له ابن أبي حصينة: قبحك الله وهذا هجو ثان.
وقال يمدح قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب صاحب نصيبين:
أبت عبراته إلّا انهمالاعشية أزمع الحيّ ارتحالا
أجدّك كلّما همّوا بنأيترقرق ماء عينك ثم سالا
تقاضينا مواعد أم عمروفضنّت أن تنيل وأن تنالا
وسار خيالها الساري إلينافلو علمت لعاقبت الخيالا
ومنها:
إذا بلغت ركائبنا قريشافقد بلغت بنا الماء الزلالا
فتى لو مدّ نحو الجوّ باعاوهمّ بأن ينال الشهب نالا
إذا انتسب ابن بدران وجدنامناسبه العليّة لا تعالى
تتيه بها إذا ذكرت معدّوتكسب كلّ قيسيّ جمالا
أيا علم الهدى نجوى محبّيحبكم اعتقادا لا انتحالا
مننت فلم تجشّمني عناءوجدت فلم تكلّفني سؤالا
إذا عدم الزمان مسيّبياأتاح الله للدنيا وبالا
وهي طويلة اكتفينا منها بما ذكرناه.
وقال يرثي زعيم الدولة أبا كامل بركة بن المقلّد بن المسيّب، وتوفي بتكريت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة:
من عظيم البلاء موت العظيمليتني متّ قبل موت الزعيم
يا جفوني سحّي دما أو فحمّيصحن خدّي بعبرة كالحميم
بعد خرق من الملوك كريمما زمان أودى به بكريم
جعفريّ النصاب من صفوة الصفوة في الفخر والصميم الصميم
يا أبا كامل برغمي أن يشقيك سكنى التراب بعد النعيم
أو تبيت القصور خالية منك ومن وجهك الوضيء الوسيم
وانقراض الكرام من شيم الدهر ومن عادة الزمان اللئيم
قد بكت حسرة عليه المذاكيوشكت فقده بنات الرسيم
وهي قصيدة طويلة.
وقال يرثي أبا العلاء المعرّي:
العلم بعد أبي العلاء مضيّعوالأرض خالية الجوانب بلقع
أودى وقد ملأ البلاد غرائباتسري كما تسري النجوم الظلّع
ما كنت أعلم وهو يودع في الثرىأن الثرى فيه الكواكب تودع
جبل ظننت وقد تزعزع ركنهأنّ الجبال الراسيات تزعزع
وعجبت أن تسع المعرّة قبرهويضيق بطن الأرض عنه الأوسع
لو فاضت المهجات يوم وفاتهما استكثرت فيه فكيف الأدمع
تتصرّم الدنيا ويأتي بعدهأمم وأنت بمثله لا تسمع
لا تجمع المال العتيد وجد بهمن قبل تركك كلّ شيء تجمع
وإن استطعت فسر بسيرة أحمدتأمن خديعة من يضرّ ويخدع
رفض الحياة ومات قبل مماتهمتطوّعا بأبرّ ما يتطوّع
عين تسهّد للعفاف وللتقىأبدا وقلب للمهيمن يخشع
شيم تجمّله فهنّ لمجدهتاج ولكن بالثناء يرصع
جادت ثراك أبا العلاء غمامةكندى يديك ومزنة لا تقلع
ما ضيّع الباكي عليك دموعهإن البكاء على سواك مضيّع
قصدتك طلّاب العلوم ولا أرىللعلم بابا بعد بابك يقرع
مات النّهى وتعطلت أسبابهوقضى العلا والعلم بعدك أجمع
وقال يرثي أبا يعلى حمزة بن الحسين بن العباس الحسيني الدمشقي وكان يوم وفاته بدمشق:
هوى الشرف العالي بموت أبي يعلىولا غرو أن جلّت رزية من جلّا
سيصلى بنار الحزن من كان آمنابه أنّه في الحشر بالنّار لا يصلى
تحلّت به الدنيا فحلّ به الردىفعطّلها من ذلك الحلي من حلّى
فقدناه فقد الغيث أقلع وبلهعن الأرض لما أنفدت ذلك الوبلا
لقد فلّ منه الدهر حدّ مهنّدتركنا به في كلّ حدّ له نصلا
فلست أبالي بعده أيّ عابرمن الناس أملى الله مدته أم لا
تقلّ دموعي والهموم كثيرةكذاك دخان النار ان كثرت قلّا
وآنف أن أبكي عليك بعبرةإذا لم يكن غربا من الدمع أو سجلا
وقال يرثي معتمد الدولة قرواش بن المقلّد بن المسيّب العقيلي صاحب الموصل، توفي مسجونا بقلعة الجراحية، وقيل قتله ابن أخيه قريش في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة ودفن بتلّ توبة من مدينة نينوى:
أمثل قرواش يذوق الرّدىيا صاح ما أوقح وجه الحمام
حاشا لذاك الوجه أن يعرف البؤس وأن يحثى عليه الرّغام
وللجبين الصلّت أن يسلب البهجة أو يعدم حسن الوسام
يا أسف الناس على ماجدمات فقال الناس مات الكرام
غير بعيد يا بعيد الندىولا ذميم يا وفيّ الذمام
زلت فلا القصر بهيّ ولابابك معمور كثير الزحام
ولا الخيام البيض منصوبةبوركت يا ناصب تلك الخيام
قبحا لدنيا حطّمت أهلهاوأخذتهم باكتساب الحطام
تأخذ ما تعطي فما بالنانكثر فيما لا يدوم الخصام
يا قبر قرواش سقيت الحياولا تعدّتك غوادي الغمام
قضى ولم أقض على إثرهإني لمن ترك الوفا ذو احتشام
أنظم شعرا والجوى شاغلييا عجبا كيف استقام الكلام
ولما وصل أرمانوس ملك الروم إلى حلب سنة إحدى وعشرين واربعمائة ومعه ملك الروس وملك البلغار والألمان والبلجيك والخزر والأرمن في ستمائة الف من الفرنج قاتلهم شبل الدولة نصر بن صالح صاحب حلب، فهزمهم وتبعهم إلى عزاز وأسر جماعة من أولاد ملوكهم، وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة، فقال ابن أبي حصينة في ذلك، وأنشدها شبل الدولة بظاهر قنسرين:
ديار الحقّ مقفرة يبابكأن رسوم دمنتها كتاب
نأت عنها الرباب وبات يهميعليها بعد ساكنها الرّباب
تعاتبني أمامة في التصابيوكيف به وقد فات الشباب
نضا مني الصبا ونضوت منهكما ينضو من الكفّ الخضاب
ومنها:
إلى نصر وأيّ فتى كنصرإذا حلّت بمغناه الركاب
أمنتهك الفرنج غداة ظلّتحطاما فيهم السّمر الصّلاب
جنودك لا يحيط بهنّ وصفوجودك لا يحصّله حساب
وذكرك كلّه ذكر جميلوفعلك كلّه فعل عجاب
وأرمانوس كان أشدّ بأساوحلّ به على يدك العذاب
أتاك يجرّ بحرا من حديدله في كلّ ناحية عباب
إذا سارت كتائبه بأرضتزلزلت الأباطح والهضاب
فعاد وقد سلبت الملك عنهكما سلبت عن الميت الثياب
فما أدناه من خير مجيءولا أقصاه عن شرّ ذهاب
فلا تسمع بطنطنة الأعاديفانهم إذا طنّوا ذباب
ولا ترفع لمن عاداك رأسافإن الليث تنبحه الكلاب
وقال:
أشدّ من فاقة الزمانمقام حرّ على هوان
فاسترزق الله واستعنهفإنه خير مستعان
وان نبا منزل بحرّفمن مكان إلى مكان
وقال:
بكت عليّ غداة البين حين رأتدمعي يفيض وحالي حال مبهوت
فدمعتي ذوب ياقوت على ذهبودمعها ذوب درّ فوق ياقوت
وقال:
لا تخدعنّك بعد طول تجاربدنيا تغرّ بوصلها وستقطع
«أحلام نوم أو كظلّ زائلإنّ اللبيب بمثلها لا يخدع»
وقال يمدح ثابت بن ثمال بن صالح بن مرداس:
لو أنّ دارا أخبرت عن ناسهالسألت رامة عن ظباء كناسها
بل كيف تخبر دمنة ما عندهاعلم بوحشتها ولا إيناسها
ممحوة العرصات يشغلها البلىعن ساحبات المرط فوق دهاسها
ومنها:
وزمان لهو بالمعرة مونقبسياثها وبجانبي هرماسها
أيام قلت لذي المودّة أسقنيمن خندريس حناكها أو حاسها
حمراء تغنينا بساطع لونهافي الليلة الظلماء عن نبراسها
وكأنما حبب المزاج إذا طفادرّ ترصّع في جوانب طاسها
رقّت فما أدري أكأس زجاجهافي جسمها أم جسمها في كاسها
وكأنما زرجونة جاءت بهاسقيت مذاب التبر عند غراسها
فأتت مشعشعة كجذوة قابسراعت أكفّ القوم عند مساسها
لله أيام الصّبا ونعيمهاوزمان جدّتها ولين مراسها
ما لي تعيب البيض بيض مفارقيوسبيلها تصبو إلى أجناسها
نور الصباح إذا الدجنة أظلمتأبهى وأحسن من دجى أغلاسها
إن الهوى دنس النفوس فليتنيطهّرت هذي النفس من أدناسها
ومطامع الدنيا تذلّ ولا أرىشيئا أعزّ لمهجة من ياسها
من عفّ لم يذمم ومن تبع الخنالم تخله التبعات من أوكاسها
زيّن خصالك بالسماح ولا ترددنيا تراك وأنت بعض خساسها
ومتى رأيت يد امرىء ممدودةتبغي مواساة الكريم فواسها
خير الأكفّ السابقات بجودهاكفّ تجود عليك في إفلاسها
ومنها في المدح:
أما نزار فكلّها لكريمةلكنّ أكرمها بنو مرداسها
وقال:
إذا المرء لم يرض ما أمكنهولم يأت من أمره أحسنه
فدعه فقد ساء تدبيرهسيضحك يوما ويبكي سنه
وقال:
الدهر خدّاعة خلوبوصفوه بالقذى مشوب
فلا تغرنّك اللياليفبرقها خلّب كذوب
وأكثر الناس فاعتزلهمقوالب ما لها قلوب
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع