تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن محمد بن أبي الفهم بن داود

بن ابراهيم التنوخي أبو القاسم القاضي، قد تقدم نسبه في ترجمة حفيده علي بن المحسن، قال السمعاني: ولد أبو القاسم هذا بأنطاكية في ذي الحجة سنة ثمان وسبعين ومائتين وقدم بغداد في حداثته في سنة ست وثلاثمائة وتفقه بها على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث ورواه، وولي القضاء بالأهواز وكورها، وتقلد قضاء ايذج وجند حمص من قبل المطيع لله، ومات بالبصرة في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة ودفن بالمربد.

أعرف من التنوخيين هؤلاء ثلاثة ينبغي أن يذكروا في هذا الكتاب وهم:

أبو القاسم هذا وابنه أبو علي المحسن صاحب «كتاب نشوار المحاضرة» و «كتاب الفرج بعد الشدة» وحفيده أبو القاسم علي الأخير شيخ الخطيب وتلك الطبقة، وقد ذكرت كلّ واحد منهم.

وله تصانيف في الأدب منها: كتاب في العروض، قال الخالع: ما عمل في العروض أجود منه. وكتاب في علم القوافي، وكان بصيرا بعلم النجوم قرأه على البتّاني المنجم صاحب الزيج، ويقال إنه كان يقوم بعشرة علوم، وتقلّد القضاء بالأهواز وكورة واسط وأعمالها والكوفة وسقي الفرات وجند حمص وعدة نواح من الثغور الشامية وأرجان وكورة سابور مجتمعا ومفترقا، وأول ولايته القضاء رئاسة في أيام المقتدر بالله بعهد كتبه له أبو علي ابن مقلة الوزير وشهد الشهود عنده فيما حكم بين أهل عمله بالحضرة في سنة أربعين وثلاثمائة وشهدوا على إنفاذه، وكان المطيع لله قد عوّل على صرف أبي السائب عن قضاء القضاة وتقليده إياه، فأفسد ذلك بعض أعدائه، وكان ابن مقلة قلده المظالم بالأهواز والإشراف على العيار بها، وكان

أبو عبد الله البريدي قد استخلفه بواسط على بعض أمور النظر. ولم يزل نبيها متقدما يمدحه الشعراء ويجيزهم ويفضل على من قصده إفضالا أثر في حاله، وتوفي بالبصرة في سنة اثنتين وأربعين، وصلّى عليه الوزير أبو محمد المهلبي، وقضى ما كان عليه من الدين وهو خمسون ألف درهم.

قال أبو علي التنوخي: كان أبي يحفظ للطائيين سبعمائة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظه لغيرهم من المحدثين والمخضرمين والجاهليين ولقد رأيت له دفترا بخطه هو عندي يحتوي على رؤوس ما يحفظه من القصائد مائتين وثلاثين ورقة أثمان منصوري لطاف، وكان يحفظ من النحو واللغة شيئا عظيما مع ذلك، وكان الفقه والفرائض والشروط والمحاضر والسجلات رأس ماله، وكان يحفظ منه ما قد اشتهر به من الكلام والمنطق والهندسة، وكان في النجوم وحفظ الأحكام وعلى الهيئة قدوة وفي حفظ علم العروض، وله فيه وفي الفقه وغيرهما عدة كتب مصنفة، وكان مع ذلك يحفظ ويجيب في فوق عشرين ألف حديث، وما رأيت أحدا أحفظ منه، ولولا أن حفظه افترق في جميع هذه العلوم لكان أمرا هائلا.

قال أبو منصور الثعالبي: هو من أعيان أهل العلم والأدب، وأفراد الكرم وحسن الشيم، وكان كما قرأته في فصل للصاحب: إن أردت فإني سبحة ناسك، أو أحببت فإني تفاحة فاتك، او اقترحت فإني مدرعة راهب، أو آثرت فإني تحية شارب. وكان يتقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وحين صرف عنه ورد حضرة سيف الدولة زائرا ومادحا فأكرم مثواه وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتى أعيد إلى عمله وزيد في رزقه ورتبته، وكان المهلبي الوزير وغيره من رؤساء

العراق يميلون إليه جدا ويتعصبون له، ويعدونه ريحانة الندماء ونارنج الظرفاء ويعاشرون منه من تطيب عشرته وتكرم أخلاقه وتحسن أخباره وتسير أشعاره، ناظما حاشيتي البرّ والبحر وناحيتي الشرق والغرب. وبلغني أنه كان له غلام يسمى نسيما في نهاية الملاحة واللباقة، وكان يؤثره على سائر غلمانه ويختصه بتقريبه واستخدامه، فكتب إليه بعض من يأنس به:

هل عليّ لامه مدغمةلاضطرار الشعر في ميم نسيم

فوقع تحته: نعم ولم لا.

قال: ويحكى أنه كان من جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على اطراح الحشمة والتبسط في القصف والخلاعة، وهم ابن قريعة وابن معروف والقاضي الايذجي وغيرهم، وما منهم إلا أبيض اللحية طويلها، وكذلك كان المهلبي، فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذّ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه وهبوا ثوب الوقار للعقار، وتقلبوا في أعطاف العيش بين الخفة والطيش، ووضع في يد كلّ منهم طاس ذهب من ألف مثقال مملوءا شرابا قطر بليا وعكبريا فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ثم يرشّ بها بعضهم على بعض، ويرقصون بأجمعهم وعليهم المصبغات ومخانق البرم، ويقولون كلما نكبر شر هرهر، وإياهم عنى السريّ بقوله:

مجالس ترقص القضاة بهاإذا انتشوا في مخانق البرم
وصاحب يخلط المجون لنابشيمة حلوة من الشيم
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «كيف خلاصي من العراق وقد»
تخضب بالراح شيبه عبثاأنامل مثل حمرة العنم
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «كيف خلاصي من العراق وقد»
حتى تخال العيون شيبتهشيبة عثمان ضرّجت بدم

فإذا أصبحوا عادوا إلى عاداتهم في التزمت والتوقر والتحفظ بأبهة القضاء وحشمة

المشايخ الكبراء. ومن شعر التنوخي هذا:

وجاء لا جاء الدجى كأنهمن طلعة الواشي ووجه المرتقب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وفعل الظلام بالضياء مايفعله الحرف بأبناء الأدب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

وليلة مشتاق كأنّ نجومهاقد اغتصبت عيني الكرى فهي نوّم
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كأن عيون الساهرين لطولهاإذا شخصت للأنجم الزهر أنجم
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كأن سواد الليل والفجر ضاحكيلوح ويخفى أسود يتبسم
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

عهدي بها وضياء الصبح يطفئهاكالسّرج تطفأ أو كالأعين العور
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
أعجب به حين وافى وهي نيّرةوظلّ يطمس منها النور بالنور
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

لم أنس دجلة والدجى متصوّبوالبدر في أفق السماء مغرّب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فكأنها فيه بساط أزرقوكأنه فيها طراز مذهب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

كتبت وليلي بالسّهاد نهاروصدري لورّاد الهموم صدار
للشاعر الميكالي، من قصيدة «كتبت وليلي بالسهاد نهار»
ولي أدمع غزر تفيض كأنهاسحائب فاضت من يديك غزار
للشاعر الميكالي، من قصيدة «كتبت وليلي بالسهاد نهار»
ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرىتلهّب منه في المدامع نار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
رحلت وزادي لوعة ومطيتيجوانح من حرّ الفراق حرار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
مسير دعاه الناس سيرا توسعاومعنى اسمه إن حققوه إسار
للشاعر الميكالي، من قصيدة «كتبت وليلي بالسهاد نهار»
إذا رمت أن أنسى الأسى ذكّرت بهديار لها بين الضلوع ديار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
لك الخير عن غير اختياري ترحّليوهل بي على صرف الزمان خيار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وهذا كتابي والجفون كأنماتحكّم في أشفارهنّ شفار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

فحم كيوم الفراق يشعلهنار كنار الفراق في الكبد
أسود قد صار تحت حمرتهامثل العيون اكتحلن بالرمد

وله في محبوب جسيم:

من أين أستر وجدي وهو منهتكما للمتيم في فتك الهوى درك
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
قالوا عشقت عظيم الجسم قلت لهمالشمس أعظم جسم حازه الفلك
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

رضاك شباب لا يليه مشيبوسخطك داء ليس منه طبيب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كأنك من كلّ القلوب مركّبفأنت إلى كلّ القلوب حبيب

قال ومما أنشدته له ولم أجده في ديوانه:

قلت لأصحابي وقد مرّ بيمنتقبا بعد الضيا بالظّلم
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
بالله يا أهل ودادي قفواكي تبصروا كيف زوال النعم
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وحدّث السلاميّ قال، حدثني اللحام قال: خرج أبو أحمد ابن ورقاء الشيباني في بعض الأسفار فكتب إليه أبو القاسم التنوخي الانطاكي يتشوق إليه ويجزع على فراقه:

تسير وقلبي في ذراك أسيروحادي ركابي لوعة وزفير
ولي أدمع غزر تفيض كأنهاجدى فاض في العافين منك غزير
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وطرف طريف بالسهاد كأنهنداك وجيش الجود فيه يغير
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
أبا أحمد إنّ المكارم منهللكم أول من ورده وأخير
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
سماح كمزن الجود فيه تسجّموغاب لأسد الموت فيه زئير
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
شباب بني شيبان شيب إذا انتدواوقلّهم يوم اللقاء كثير
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وجوه كأكباد المحبين رقةعلى أنها يوم اللقاء صخور
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وحدّث أبو سعد السمعاني ومن خطه نقلت باسناد رفعه إلى منصور الخالدي قال: كنت ليلة عند القاضي التنوخي في ضيافته فأغفى اغفاءة فخرجت منه ريح، فضحك بعض القوم، فانتبه لضحكه وقال: لعل ريحا، فسكتنا فمكث هنيهة ثم أنشأ يقول:

إذا نامت العينان من متيقظتراخت بلا شك تشاريج فقحته
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فمن كان ذا عقل فيعذر نائماومن كان ذا جهل ففي جوف لحيته
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

ومن خطّ السمعاني باسناده له وهي من مشهور شعره:

لم أنس شمس الضحى تطالعنيونحن من رقبة على فرق
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وجفن عيني بدمعه شرقلمّا بدت في معصفر شرق
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كأنه أدمعي ووجنتهالما رمتنا الوشاة بالحدق
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
ثم تغطّت بكمّها خجلاكالشمس غابت في حمرة الشفق
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلافمبلغ آراء الرجال رسولها
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وردّ وفكّر في الكتاب فإنمابأطراف أقلام الرجال عقولها

وحدّث أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي: جرى في مجلس أبي ﵀ يوما ذكر رجل كان صغيرا فارتفع، فقال بعض الحاضرين: من ذاك

الوضيع؟ أمس كنا نراه بمرقّعة يشحذ، فقال أبي: وما يضعه من أن الزمان عضه ثم ساعده؟! كل كبير إنما كان صغيرا أولا، والفقر ليس بعار إذا كان الإنسان فاضلا في نفسه، وأهل العلم خاصة لا يعيبهم ذلك، وأنا أعتقد أن من كان صغيرا فارتفع أو فقيرا فاستغنى أفضل ممن ولد في الغنى أو في الجلالة، لأن من ولد في ذلك إنما يحمل على غيره فلا حمد له هو خاصة فيه، ومن لم يكن له فكان فكأنما بكدّه وصل إلى ذلك، فهو أفضل ممن وصل إليه ميراثا أو بجد غيره وكدّ سواه.

حدّث أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد بن داود التنوخي، حدثني أبي قال: سمعت أبي ﵀ يوما ينشد، وسني إذ ذاك خمس عشرة سنة، بعض قصيدة دعبل بن علي الطويلة التي يفتخر فيها باليمن ويعدد مناقبهم ويرد على الكميت فيها فخره بنزار، وأولها:

أفيقي من ملامك يا ظعيناكفاك اللوم مرّ الأربعينا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أفيقي من ملامك يا ظعينا»

وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن لأنهم أهلي، فقلت: يا سيدي تخرجها إليّ حتى أحفظها، فدافعني فألححت عليه فقال: كأني بك تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت ثم ترمي بالكتاب وتخلقه عليّ، فقلت:

ادفعها إليّ، فأخرجها وسلّمها إليّ، وقد كان كلامه أثر فيّ، فدخلت حجرة لي كانت برسمي من دار أبي فخلوت فيها ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها، فلما كان السّحر كنت قد فرغت منها من جميعها وأتقنتها، فخرجت إليه غدوة على رسمي فجلست بين يديه فقال: هي، كم حفظت من القصيدة؟ فقلت قد حفظتها بأسرها، فغضب وقدّر أني قد كذبته وقال: هاتها فأخرجت الدفتر من كمي فأخذه وفتحه ونظر فيه وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت، فصفح منها عدة أوراق وقال: أنشد من هاهنا، فأنشدت مقدار مائة بيت آخر، فصفح إلى أن قارب آخرها

بمائة بيت وقال: أنشدني من هاهنا، فأنشدته من مائة بيت فيها إلى آخرها، فهاله ما رأى من حسن حفظي، فضمني إليه وقبّل رأسي وعيني وقال: بالله يا ابني لا تخبر بهذا أحدا فإني أخاف عليك من العين.

قال أبو علي قال لي أبي: حفظني أبي وحفظت بعده من شعر أبي تمام والبحتري سوى ما كنت أحفظ لغيرهما من المحدثين من الشعراء مائتي قصيدة، قال:

وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون من حفظ للطائيين أربعين قصيدة ولم يقل الشعر فهو حمار في مسلاخ إنسان، فقلت الشعر، وبدأت بمقصورتي التي أولها:

لولا التناهي لم أطع نهي النهىأيّ مدى يطلب من جاز المدى

قال أبو علي المحسن: وحدت في كتب أبي كتابا من أبي محمد المهلبي إليه قبل تقلده الوزارة بسنين أوله: كتابي أطال الله بقاء سيدنا القاضي عن سلامة لا زالت له إلفا وعليه وقفا:

وحمد لمولى أستمدّ بحمدهله الرتبة العلياء والعزّ دائما
وأن يسخط الأيام بالجمع بينناوترضى المنى حتى يرينيك سالما
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وصل كتابه أدام الله عزّه فقمت معظما له وقعدت مشتملا على السرور به:

وفضضته فوجدتهليلا على صفحات نور
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
مثل السوالف والخدود البيض زينت بالشعور
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة
بنظام لفظ كالثغور وكاللآلىء في النحور
أنزلته في القلب منزلة القلوب من الصدور

قال أبو علي في «النشوار» حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت قال: كتب إليّ القاضي التنوخي جواب كتاب كتبته إليه: وصل كتابك:

فما شككت وقد جاء البشير بهأنّ الشباب أتاني بعد ما ذهبا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وقلت نفسي تفدي نفس مرسلهمن كلّ سوء ومن أملى ومن كتبا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وكاد قلبي وقد قلّبته قرماإلى قراءته أن يخرق الحجبا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

قال: والشعر له وأنشدنيه بعد ذلك لنفسه. قال أبو علي: ولست أعرف له ذلك ولا وجدته في كتبه منسوبا إليه، ويجوز أن يكون مما قاله ولم يثبته أو ضاع فيما ضاع من شعره فإنه أكثر مما حفظ.

ومن شعر أبي القاسم علي بن محمد التنوخي الأكبر:

يجود فيستحيي الحيا عند جودهويخرس صرف الدهر حين يقول
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
عطايا تباري الريح وهي عواصفويخجل منها المزن وهو هطول
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
أقام له سوقا بضائعها الندىسماح لأرسل السماح رسيل
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
له نسب لو كان للشمس ضوؤهلما غالها بعد الطلوع أفول
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

يا واحد الناس لا مستثنيا أحداإذ كان دون الورى بالمجد منفردا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
أما ترى الروض قد لاقاك مبتسماومدّ نحو الندامى للسلام يدا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فأخضر ناضر في أبيض يققوأصفر فاقع في أحمر نضدا
مثل الرقيب بدا للعاشقين ضحىفاحمرّ ذا خجلا واصفرّ ذا كمدا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

الق العدوّ بوجه لا قطوب بهيكاد يقطر من ماء البشاشات
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فأحزم الناس من يلقى أعاديهفي جسم حقد وثوب من مودات
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
الصبر خير وخير القول أصدقهوكثرة المزح مفتاح العداوات
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله في الناعورة:

باتت تئنّ وما بها وجديوأحنّ من وجد إلى نجد
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فدموعها تحيا الرياض بهاودموع عيني أقرحت خدي
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

فديت عينيك وإن كانتالم تبقيا من جسدي شيا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
إلا خيالا لو تأملتهفي الشمس لم تبصر له فيا
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وكان عبد الله بن المعتز قد قال قصيدة يفتخر فيها ببني العباس على بني أبي طالب أولها:

أبى الله إلا ما ترون فما لكمغضابى علم الأقدار يا آل طالب

فأجابه أبو القاسم التنوخي بقصيدة نحلها بعض العلويين وهي مثبتة في ديوانه أولها:

من ابن رسول الله وابن وصيّهإلى مدغل في عقدة الدين ناصب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
نشا بين طنبور وزقّ ومزهروفي حجر شاد أو على صدر ضارب
ومن ظهر سكران إلى بطن قينةعلى شبه في ملكها وشوائب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

وقلت بنو حرب كسوكم عمائمامن الضرب في الهامات حمر الذوائب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
صدقت منايانا السيوف وإنماتموتون فوق الفرش موت الكواعب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
ونحن الألى لا يسرح الذمّ بينناولا تدّري أعراضنا بالمعايب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
إذا ما انتدوا كانوا شموس نديّهموإن ركبوا كانوا بدور الركائب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الردىوإن ضحكوا بكّوا عيون النوائب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وما للغواني والوغى فتعوذوابقرع المثاني من قراع الكتائب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
ويوم حنين قلت حزنا فخارهولو كان يدري عدّها في المثالب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
أبوه مناد والوصيّ مضاربفقل في مناد صيّت ومضارب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وجئتم مع الأولاد تبغون إرثهفأبعد بمحجوب بحاجب حاجب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وقلتم نهضنا ثائرين شعارنابثارات زيد الخير عند التحارب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فهلّا بابراهيم كان شعاركمفترجع دعواكم تحلّة خائب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله في سيف الدولة رحمه الله تعالى:

لله أيام مضين قطعتهاوطوالها بالغانيات قصار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
حين الصبا لدن المهزّ قضيبهغضّ وأنواء السرور غزار
أجلو النهار على النهار وأنثنيوالشمس لي دون الشعار شعار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
حتى إذا ما الليل أقبل ضمّنادون الإزار من العناق إزار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فعلى النحور من النحور قلائدوعلى الخدود من الخدود خمار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
وبدت نجوم الليل من خلل الدجىتذكو كما يتفتّح النوار
أقبلن والمريخ في أوساطهامثل الدراهم وسطها دينار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
والجوّ تجلوه النجوم على الدجىفي قمص وشي ما لها أزرار
وكأنما الجوزا وشاح خريدةوالنجم تاج والوشاح خمار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

منها في المدح:

ملك تناجيه القلوب بما جنتوتخافه الأوهام والأفكار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فيد مؤيدة وقلب قلّبوشبا يشبّ وخاطر خطّار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
حين العيون شواخص وكأنهاللخوف لم تخلق لها أبصار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كلّ الورى أرض وأنت سماؤهاوجميعهم ليل وأنت نهار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

ما منهم إلا امرؤ غمر الندىسمح اليدين مؤمّل مرهوب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
يغريه بالخلق الرفيع وبالندىوالمكرمات العذل والتأنيب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فله رقيب من نداه على الورىوعليه من كرم الطباع رقيب
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

وقفنا نجيل الرأي في ساكني الغضاوجمر الغضا بين الضلوع يجول
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
نشيم بأرض الشام برقا كأنهعقود نضار ما لهنّ فصول
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وله:

أما في جنايات النواظر ناظرولا منصف إن جار منهنّ جائر
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
بنفسي من لم يبد قطّ لعاذلفيرجع إلا وهو لي فيه عاذر
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
ولا لحظت عيناه ناه عن الهوىفأصبح إلا وهو بالحبّ آمر
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
يؤثّر فيه ناظر الفكر بالمنىوتجرحه باللمس منها الضمائر
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

حدث أبو علي المحسن بن علي بن محمد التنوخي في «نشواره» قصة لأبي معشر قد ذكرتها في «مجموع الاختطاف» عجيبة، ثم قال: وهذا بعيد جدا دقيق، ولكن فيما شاهدناه من صحة بعض أحكام النجوم كفاية، هذا أبي حوّل مولد نفسه في السنة التي مات فيها وقال لنا: هذه سنة قطع على مذهب المنجمين، وكتب بذلك إلى بغداد إلى أبي الحسن ابن البهلول القاضي صهره ينعى نفسه ويوصيه، فلما اعتلّ أدنى علة وقبل أن تستحكم علته أخرج التحويل ونظر فيه طويلا وأنا حاضر فبكى، ثم أطبقه واستدعى كاتبه وأملى عليه وصيته التي مات عنها وأشهد فيها من يومه، فجاء أبو القاسم غلام زحل المنجم فأخذ يطيّب نفسه ويورد عليه شكوكا، فقال له يا أبا القاسم: لست ممن يخفى عليه فأنسبك إلى غلط، ولا أنا ممن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فوافقه على الموضع الذي خافه وأنا حاضر، فقال له: دعني من هذا، بيننا شكّ في أنه إذا كان يوم الثلاثاء العصر لسبع بقين من الشهر فهو ساعة قطع عندهم، فأمسك أبو القاسم غلام زحل لأنه كان خادما لأبي وبكى طويلا وقال: يا غلام طستا، فجاؤوه به فغسل التحويل وقطعه، وودع أبا القاسم توديع مفارق، فلما كان في ذلك اليوم العصر [بعينه] مات كما قال.

قال المحسن وحدثني أبي قال: لما كنت أتقلّد القضاء بالكرخ كان بوّابي

بها رجل من أهل الكرخ وله ابن عمره حينئذ عشر سنين أو نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن ويمزح مع غلماني وأهب له في الأوقات الدراهم والثياب كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم، ثم خرجت عن الكرخ ورحلت عنها ولم أعرف للبوّاب ولا لابنه خبرا، ومضت السنون، وأنفذني أبو عبد الله البريدي من واسط برسالة إلى ابن رائق فلقيته بدير العاقول، ثم انحدرت أريد واسطا فقيل لي إن في الطريق لصا يعرف بالكرخي مستفحل الأمر، وكنت خرجت بطالع اخترته على موجب تحويل مولدي لتلك السنة، فلما عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في سفن عدّة بسلاح شاك في نحو مائة رجل، وهم كالعسكر العظيم، وكان معي غلمان يرمون بالنشاب، فحلفت أنّ من رمى منهم سهما ضربته إذا رجعت إلى المدينة مائتي مقرعة، وذلك أنني خفت أن يقتل أحد منهم فلا يرضون إلا بقتلي، وبادرت فرميت بجميع ما كان معي ومع الغلمان من السلاح في دجلة واستسلمت طلبا لسلامة النفس، وجلست أفكر في الطالع الذي خرّجت، فإذا ليس مثله مما يوجب عندهم قطعا، والناس قد أدبروا إلى الشطّ وأنا في جملتهم، وجعلوا يفرغون السفن وينقلون جميع ما فيها من الأمتعة إلى الشاطىء وهم يضربون ويقطعون بالسيوف، فلما انتهى الأمر إليّ جعلت أعجب من حصولي في مثل ذلك وأرى الطالع لا يوجبه، فبينا أنا كذلك وإذا بسفينة رئيسهم قد دنت مني وطرح عليّ كما صنع في سائر السفن ليشرف على ما يؤخذ، فحين رآني زجر أصحابه عنّي ومنعهم من أخذ شيء من سفينتي، وصعد بمفرده إليّ وجعل يتأملني، ثم أكبّ على يديّ يقبّلهما وهو متلثم، فارتعت وقلت: يا هذا ما شأنك؟

فأسفر لثامه وقال: أما تعرفني يا سيدي؟ فتأملته فلجزعي لم أعرفه فقلت: لا والله، فقال: بلى أنا عبدك ابن فلان الكرخي بوّابك هناك، وأنا الصبيّ الذي تربيت في دارك، قال: فتأملته فعرفته إلا أن اللحية قد غيرته في عيني، فسكن روعي قليلا وقلت: يا هذا كيف بلغت إلى هذه الحال؟ فقال: يا سيدي نشأت فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان فما قبلني أحد، وانضاف إليّ هؤلاء

الرجال فطلبت قطع الطريق، ولو كان أنصفني السلطان وأنزلني بحيث أستحقّ من الشجاعة وانتفع بخدمتي ما فعلت بنفسي هذا، قال: فأقبلت أعظه وأخوّفه الله ثم خشيت أن يشقّ ذلك عليه فيفسد رعايته لي فأقصرت، فقال لي: يا سيدي لا يكون بعض هؤلاء أخذ منك شيئا، فقلت: لا ما ذهب مني إلا سلاح رميته أنا إلى الماء، وشرحت له الصورة، فضحك وقال: قد والله أصاب القاضي فمن في الكار ممن تعتني به؟ فقلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة في الغمّ بهم فلو أفرجت عن الجميع فقال: والله لولا أن أصحابي قد تفرقوا بما أخذوه لفعلت ذلك، ولكنهم لا يطيعونني إلى رده، ولكن أمنعهم عن أخذ شيء آخر مما في السفن مما لم يؤخذ بعد، فجزّيته الخير، فصعد إلى الشاطىء وأصعد جميع أصحابه ومنعهم عن أخذ شيء آخر مما في السفن مما لم يؤخذ وردّ على قوم أشياء كثيرة كانت أخذت منهم وأطلق الناس، وسار معي إلي حيث أمن عليّ وودعني وانصرف راجعا.

حدث أبو القاسم قال، حدثني أبي قال: كان أول شيء قلدته القضاء بعسكر مكرم وتستر وجنديسابور وأعمال ذلك من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، وكنت في السنة الثانية والثلاثين من عمري وذلك في شهور سنة عشر وثلاثمائة.

ومن مشهور شعره ما نقلته من ديوان شعره:

وراح من الشمس مخلوقةبدت لك في قدح من نهار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
هواء ولكنه ساكنوماء ولكنه غير جاري
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
إذا ما تأملته وهو فيهتأملت ماء محيطا بنار
فهذي النهاية في الإبيضاضوهذي النهاية في الإحمرار
وما كان في الحكم أن يوجدالفرط التنافي وفرط النفار
للشاعر أبو النضر المصري، من قصيدة «وكأس من الشَّمْس مخلوقة»
ولكن تجاور سطحاهما البسيطان فاتفقا بالجوار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كأنّ المدير لها باليمينإذا مال للسقي أو باليسار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
تدرّع ثوبا من الياسمينله فرد كم من الجلنار
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

قلت: وقد تنوزعت هذه الأبيات ورويت لغيره فقيل إنها لأبي النضر الأنطاكي النحوي وغيره.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.