تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٨)

وأعاد إنشادهما في الحال، وقد وضع النوال موضع السؤال.

فأظهر شمائل همته العلية، في دلائل عباراته الجلية.

وسدد سهم الإصابة بساعد الكرم، فكنت قوسه ووتره ورمى مقاتل الفقر وما ظلم.

فأرداه ووتره، وألبس البيتين حلى الملوك بعد أن كانا في أسمال صعلوك.

حتى أشرق معناهما بالضياء المستفاد من شمسي، وأغدق معناهما بالأنواء الهاطلة من سماء يومي وأمسي.

قال: ثم تنبه إلى أن هذا الكلام، من بليغ الكلام.

وأنه بغى والبغي مرتعه وخيم، وأظهر دعوى الفضل، " وفوق كل ذي علمٍ عليم ".

فكف من غربه، ورجع عن شرقه وغربه.

واسترجع وسكت، وأطرق إلى الأرض ونكت.

لكنه قال في أثناء ذلك: ما أراني أضللت المسالك، وأنا ما قلت وإن فخرت وطلت لعنان الحق مالك.

وليس بملومٍ من نطق بالحق وصدع، وإن شق قلب المعاند وصدع، والحق أحق أن يتبع.

وما المرءُ إلاَّ حيث يجعل نفسَهوإنِّي لها فوق السِّماكيْن جاعلُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «أقلي فأيام المحب قلائل»

قال الراوي: فاستشاط الفقر من الغيظ، وتلظت أنفاسه أحر من سموم القيظ.

وأنف من الذل والاستكانة، إذ أنزله الغنى إلى هذه المكانة.

وأنشد وقد أشعل نار الحمية تسعيرها:

ونفْسَك أكْرِمْ عن أمورٍ كثيرةٍفمالك نفسٌ بعدها تسْتعيرُهَا
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

ثم انبرى للمقاومة مسترسلاً، بعد أن تضرع إلى الله تعالى متوسلاً، وقال متمثلاً:

إحْدى ليالِيكِ فهِيسي هِيسِيلا تنْعَمِي الليلةَ بالتَّعْرِيسِ

إلا أنه خاطب خطاب من قيد الحلم ألفاظه، وسدد العلم إيقاظه.

فقال: أيها الغني لقد صرحت وما كنيت، وعجلت وما تأنيت، فبرحت إذ تجنيت.

وليتك حين صددت عن الإنصاف وأبيت، لم تعمر بيتاً بخراب بيت.

أخبرني عن هذا الرئيس، الذي ملأت أنت له الكيس.

فزعمت أنه إنما صار لما ذكرت قائلاً، من حيث كان في ظلك قائلاً.

فلو كان ظامىء العود من مياه الكرم التي جرت فيه، جاف العنقود عن حلب سلاف البلاغة التي رشفت من فيه.

أتراه كان يقول ما قال، ويتحمل ما يستلزمه نطقه من الأثقال؟ أو تراه لو كان مربوطاً بأشراكي، ومخروطاً في أسلاكي، محوطاً بأفلاكي.

ثم كان ممن تشتق أفعال الكرم من مصدر طبعه، وتشق قسي الهمم من غروس نبعه.

ألم يكن ينطق بما به نطق ويرشد إلى ما إليه أرشد، حين أنشد البيتين من أنشد.

فلا تجهل علوم الأخلاق وأنت خبيرها،

فما الجودُ من فقرِ الرِّجالِ ولا الغنَىولكنه خِيمُ الرِّجالِ وخِيرُهَا

وأما إزراؤك على الصعاليك، لتزيد بذلك في معاليك.

فكفاهم فخراً في الدين، قول علم المهتدين: " رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره "، وما أشبه هذا مما طرق سمعك غير مرة.

وأما باعتبار الدنيا، ورتبتها الدنيا.

فإن فيهم من علا بالأوصاف قدره، وغلا للأضياف قدره، حتى أشرق من أفق الشعر بدره.

ولكنَّ صُعْلوُكاً صحيفةُ وجهِهكضَوءِ شهابِ القَابِسِ المُتنوِّرِ
للشاعر سليمان الفليّح، من قصيدة «الصعاليك يتخلون عن عروة بن الورد»

إلى آخر الأبيات، المعلومة في الروايات.

فيا أيها الغني، هلا إذ نطقت، تحملت ما أطقت.

ورفعت نفسك من حيث لم تخفض سواك، وجلوت ثغرك بغير هذا السواك.

فإن الشريف الكريم، ينقص قدراً بالتعدي على الشريف الكريم، وولع الخمر بالعقول رماها بالتنجيس وبالتحريم.

قال: فنظر إليه الغني شزرا، وأعاره لحظاً نزرا.

وخاطبه مخاطبة متحكم، ولاطفه ملاطفة متهكم، فقال: عذراً أيها المسكين، ورفقاً أيها المستكين، فما أنا بلغت عظمك السكين، ولست الذي أنزل شكلك هذا البيت من التسكين.

إنما قلت في وفيك، ما كلانا به حقيق، ونسبت إلي وإليك، ما انعقد عليه الإجماع بالتحقيق.

فاستمع مني بعض أوصافك، واردد جماح أنفتك بلجام إنصافك.

وإن لم تصدق الناس ما أقول، فبرئت مني ذمة المعقول: ألست حائك شقق الهون والإذلال، وموشيها بوشي الكدية والسؤال، ومفصل أوصالها بمقراض الضجر والملال، وخائط تفاصيلها بخيوط الإلحاح الطوال، ومقدرها على قامات الرجال؟ فمفرغها عليهم للزينة والجمال! فاستجل فيهم هذا الوصف الشنيع، واستمل منهم شكر هذا الصنيع.

واعفني من عتابك، فإني أربأ بنفسي عن خطابك.

وإن حمى عزي المنيع المحرم، ومن لا يكرم نفسه لا يكرم.

ثم إنك مع ذا أردت جلاء العين فزدت قذىً، وأنزلت معالي الهدى في مغاني الهذا.

وتكلمت في حضرتي بشريف الآثار، كلام من يظن أنه فيها ذو استثيار، وأنت تعلم أني فارس نقعها المثار.

واستشهدت ببعض الأشعار، فأشهدت أن لمعانيها في ذهنك أشعار، وكلٌ عارفٌ بأني لا أركب في مضمارها الفرس المعار، ولا أقنع في معرفة أسرارها بالدثار دون الشعار.

وإن كنت تستطيع معي صبرا، فسأنبئك بما لم تحط به خبرا.

حسبي وإياك صيتاً وذكرا، أن الله سماني خيرا وسماك شرا، " إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً ".

وجعلني من نعمه التي ذكر بها عباده كثرا، " وأمددناكم بأموالٍ وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً ".

بل يشمل سيد البشر هذا المعنى، " ووجدك عائلاً فأغنى ".

وإن من دلائل فخري وسعدي، وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي.

وجعلك من المحن التي تسكب عندها العبرات، ولا تقال في حزونها العثرات، " ولنبلونكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات ".

وإن شئت خفضتك طبقةً أخرى، ورويت لك " كاد الفقر أن يكون كفرا "، وما جرى هذا المجرى.

فأنت المبعد عن طاعة الخالق، لما تنزل بالخلائق، من الكرب والمضائق، وهي القواطع والعوائق.

وأنا الذي أيسر لهم سني البضاعات، المتوقف عليها كثيرٌ من الطاعات.

فلولا وجودي، ووجود جودي، لم يظفروا بثواب الزكوات والصدقات، وصلة الأرحام بالنفقات.

ومن أعظم هذا المرام، حج بيت الله الحرام.

وهل يستوي الإيسار والإفلاس، والله لم يدع إلى بيته سوى المياسير من الناس!

وتعلم كثرة دعاء الأنبياء، والمقتدين بهم من الأولياء، بالاستعاذة من جوارك، والاستقالة من عثارك، والتضرع إلى الله في محو آثارك.

وأما الشعراء فقد هاموا بهجوك في كل واد، وقاموا بذمك على رؤوس الأشهاد.

وأمروا للهرب منك بالتغرب في البلاد، ومقاساة الأين في ذلك والسهاد، حتى

رأيتُ المُقامَ على الاقْتصادِقُنوعاً به ذِلَّةٌ في العبادِ
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة

وحسبك بيتٌ سار مسير الأمثال في الورى،

فسِرْ في بلادِ اللهِ والْتَمِسِ الغِنَىتَعِشْ ذا يَسارٍ أو تموتَ فتُعْذَرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»

وقال من أنف من قدرك الحقير:

دَعِيني للغنى أسْعَى فإنِّيرأيتُ الناسَ شَرُّهم الفقيرُ
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «دعيني للغنى أسعى فإني»

ولو عقلت ما فاخرت الأقران، وقد نظموك والكفر في قران.

ما أحْسَنَ الدين والدنيا إذا اجْتمعاوأقْبَحَ الكفرَ والإفْلاسَ بالرَّجُلِ
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا»

وصعاليك اليهود، على هذا البيت من الشهود.

ولولا ذم الإطرا وخوف الملام، وأن يقول بعض الفقراء مادح نفسك يقريك السلام؛ لأوردت عليك ما نظموه في من المدائح، وصيرت لك در الفرائد من أخلاف القرائح.

وكيف لا وأنا علتهم الغائية في نظم مدائحهم المحبرة، ونعوتهم المحررة، وأغزالهم الرائقة، وتخيلاتهم الفائقة.

وهل الممدوح إذا مثل المادح لديه، إلا المعهود الذي أقدره على إطلاق يديه.

فخذ إليك غيضاً من فيض، ولمعةً من روض.

وإن أردت زيادة الخوض، ملأت بهذا السجل لك الحوض.

حتى تقول قطني، فقد ملأت بطني.

قال الراوي: فاستجاش الفقر وازبأر، وزمجر وزأر، واستوفز وأثأر، وقال: كلا لا مفر " إلى ربك يومئذٍ المستقر ".

الآن حمي الوطيس، والتف الخميس بالخميس.

وتكلمت القلوب بألسنةٍ أحد من الصفاح، بل تكلمت ألسنة العذبات الحمر بأفواه الجراح.

مَن صدَّ عن نِيرانِهافأنا ابنُ قَيْسٍ لا بَرَاحُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «كن كيف شئت فلا براح»

أيها الغني، أمثلي تذلل صعابه البرى، ويركب أعجاز الإبل وإن طال السرى.

أقسمت بمن جعلني في خلقه آية، ورفع لي على الطاغين أشهر راية، وجعلني لمحق الباغين أشأم من ابن داية؛ لتسمعن مني ما يدعك تقرع بأنامل الندم الثنايا، وأنا ابن جلا وطلاع الثنايا.

أيها الناعم في لباس العجب والتيه، والزاعم أنه مولى الفضل ومؤتيه، والنازع إلى أخلاق اللؤم والرداة، والمنازع رب الكبرياء رداه.

لقد افتريت في وصفي ووصفك بمينك، وأبصرت القذاة في عيني ولم تبصر الجذع في عينك.

وصدفت عن مناهج الحق ومشارعه، وحرفت الكلم عن مواضعه.

ولو أنك شداد بن عاد، ثم متعك الله تعالى بإرم ذات العماد، وفرعون ذو الأوتاد، ثم نجوت من اليم بمن معك من الأجناد، وكليب بن ريبعة ولم يقدر عليك جساسٌ في الحمى، وأبرهة ولم ترمك طيرٌ أبابيل من السما، وزهير بن جذيمة ولم تأخذك يد خالد من قريب، وأبو جهل بن هشام ولم تسحب إلى القليب؛ لأنفت لك من هذا العجب والاستطالة، وضجرت منك إذ أطلت هذه الإطالة.

لكن لا بدع في ذلك فإنك منبع الطغيان، بنص القرآن: " إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى "، " أن كان ذا مالٍ وبنين، إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ".

وإن الذي جمع مالاً وعدده، وحسب أن ماله أخلده، منك استمد مدده، وبك أعد في الكفر عدده.

وقد قالت أكابر قريش حين لفحتها ريحك العقيم: " لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم ".

وقد علم مفضلك أو مساويك، إن لم يعمه حبك عن مساويك، أن الخلق بك يخسرون ولا يفلحون، وأنك من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.

فكم قد اقتضى غي أهوائك، وعي أدوائك، وسكر شرابك، ومسكر سرابك أن يقطع السارق، ويقمع المارق، ويروع الخائن، ويصفع المائن، ويدفع الغاصب القاسط، ويتبع المحاسب المغالط.

وأن يدنس بياض الأعراض، بسواد دنايا الأغراض، ويتحكم في صحاح العقول عضال الأمراض، من الأطماع الحقيقة بالإهمال والإعراض.

ويفصح الحريص بالجريض، عند الحث على الجود والتحريض.

وأن يرتكب الحازم، متون المآثم.

يطيب الظنون، ويقدم السالك في المفاوز والمهالك على ريب المنون.

وكم أوقعت فتنتك بين المرء وأبيه، وخليله وأخيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعاً ثم لا ينجيه.

ولعلك تقول: إن من ذكرت، وشنعت عليهم وأنكرت، منك هربوا فلاذوا بسابغ ظلي، وفي حماك أجدبوا فاستسقوا وبلي وطلي، فأنت الذي حملتهم على أن يرتكبوا ما ارتكبوا، حتى حادوا عن القصد ونكبوا، فعوقبوا ونكبوا.

كلا، إن خرط القتاد، دوون هذا الإيراد.

فمن المعلوم أن كثيراً ممن ظهرت غواياتهم، وبعدت في الفساد غاياتهم، قد يرضى لنفسه بسمة القباحة، مع كوني لم أطرق له ساحة.

وإنما يقصد الزيادة من كيلك، أو التقويم لأودك عند ميلك، فتعشى عين بصيرته في ليلك.

وأما من سواهم، وقليلٌ ما هم، فلو كان قصده بأفعاله الشنيعة، إفلاته من حوزتي المنيعة، لكنت تراه يكتفي بالطفيف الذي يبعده عني، ولا يتآكد مصاعد التمني والتعني.

دليلُك أن الفقرَ خيرٌ من الغنَىوأن قليلَ المالِ خيرٌ من المُثْرِي
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «دليلك أن الفقر خير من الغنى»
لقاؤُك شخصاً قد عصى الله للِغنَىولستَ ترى شخصاً عصى اللهَ للفقرِ

ويؤكد هذه الأحكاك الجليلة، ما أثبتته الأدلة العقلية والنقلية، أن جمع الأموال، من وجوه الحلال، يكاد يدخل في المحال.

أما تعلم أن من قابلني بالرضا، والتسليم للقضا.

وكف نظره عن الطماح، وعامل هواه بالزجر لا بالسماح.

ظفر بكنز القناعة، وطفر عن وهاد الذل والخناعة.

وهجر كد الطلب ووباله، وفرغ بطاعة مولاه خاطره وباله.

وتمسك بأوثق الوسائل، لتحصيل العلوم والفضائل.

واستحق أن ينشد لسان افتخاره:

غيرِي يُغيِّره فِعالُ الجافِيويحُول عن شِيَمِ الكريم الوافِي

ويرشد عند اختياره:

إن الغَنِيَّ هو الغنيُّ بنفْسِهولَوَ انَّه عارِي المَناكبِ حَافِي
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «غيري يغيره الفعال الجافي»

وأما من أبغضك وأحبني، ورفضك وقربني، وأبعدك وأنت قائمٌ في خدمته كبعض عبيده، وطردك وأنت باسطٌ ذراعيك بوصيده، فإنه رجل الدنيا وواحدها، وطالب الأخرى فواجدها.

وحسبك بإبراهيم بن أدهم بعد نزوله من أعلى القصور، وعمرو بن عبيد وجلالة قدره عند المنصور.

دع أهل هذه الطبقة وما حووه من المفاخر، واتل: " لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ".

أليس قد ورد عنه صادق النبا، بأنه قد نشز عنك ونبا، وقد عرض عليه أن تصير معه جبال تهامة فضة وذهبا؟؟ ثم من العجب زعمك أنك العزيز وأنا الذليل، وأني الحقير وأنت الجليل.

ولو كنت تساوي عفطة عنز أو قلامة حافر، لما متع الله تعالى بك الفاسق والكافر.

وإن زعمت أن لك الفضل والنعمة، لأن مصاحبك يعد من ألي النعمة؛ فإن معك من المحن والأكدار، وهموم الخوف من طوارق الأقدار، وتوقي سوء السمعة في هذه الدار، ما لا ينقطع ولا ينتفي، ولا يستتر ولا يختفي.

وَازنْتُ بين مَلِيحِها وقبيحِهافإذا الملاحةُ بالقباحةِ لا تفي

وأني يهنأ بعي مستطاب، من يعلم أن حلالك حسابٌ وحرامك عقاب.

وكيف يتحمل منك الإفضال والإنعام، من يسمع " يدخل فقراء هذه الأمة الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام ".

فدونكها غارةً شعواء، تخبط في عجاجها خبط العشواء، وداهيةً دهياء، تحقق عندك أنك الداء العياء.

تمنع الحدث الغر أن يصول، والهرم المجرب أن يقول:

يا ليْتني فيها جَذَعْأخُبُّ فيها وأضَعْ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «يا ليتني فيها جذع»

وتقرر في العقول، مفاد المثل المنقول:

ما طارَ طيرٌ وارْتفَعْإلاَّ كما طارَ وَقَعْ
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

قد أصدرتها صيانة المروءة الشرعية، وحياطة حقوق النفس المرعية؛ لا بوادر القوة الغضبية، ونوادر النخوة والحمية.

لتفيدك موعظةً حسنة، وتتلو: لا تستوي السيئة والحسنة.

وتنشد البيت الدائر على الألسنة:

الخيرُ يَبْقَى وإن طال الزَّمانُ بهِوالشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ

قال راوي الحديث: فما أتم الفقر مقاله، ورمى عن ظهره أثقاله؛ أقبل الغني على رأس المجلس وصدره، وشمس المحفل وبدره.

وقال: أيها النفس الشريفة، مد الله تعالى بك ظلال العقل الوريفة، إن حال هذا الجاهل طريفة أي طريفه.

لقد جهل الجهل المركب، وركب في غير سرجه هذا المركب.

وقصد إذ شوه وجه جمالي، وأود غصن كمالي، أن ينشد حرٌّ كريم، أو ذو أدب قويم:

كضَرائرِ الحَسْناءِ قُلْنَ لوجْهِهاحَسَداً وبُغْضاً إنه لَذَمِيمُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

فيدخل بفحوى العموم في جملة أقراني، ويصعد بهذا المفهوم إلى أوج قراني.

وهيهات هيهات، أين الثريا من يد المتناول، ومتى قال السها يا شمس أنت خفية، وقال الدجى يا صبح لونك حائل.

ولو انثالت من جيوش الكلام هذه الجحافل، في أحقر الأندية والمحافل، لميز في الحال بين البطل الشجاع، والخنع اليراع، وأسقط سقط المتاع، عن رتبة سكاب الذي لا يعار ولا يباع.

فكيف بهذا المجلس الذي انتشرت عليه غمائم الأدب والفضل، وشرت منه بوارق صوارم القول الفصل، وارتعدت بصواعق الجد فرائض الهزل، وهمرت سيول النفع والضر في شعاب التولية والعزل.

وإني سأحبس عن القول عناني، ولا آخذ إلا فيما عناني، حتى تنحسم أباطيل الأماني، وتمحي عن صحائف الخواطر وساوس ماني، وأجازي بالشكر من عرف قدري فأسماني.

قال: فبادر الفقر قائلاً: رب إني دعوت هذا الخصم للرشاد ليلاً ونهارا، ونصحته بالبيان المستفاد سراً وجهارا، فلم يزده دعائي إلا فرارا، وإصرارا على الجور واستكبارا.

ثم لم يكتف بذلك حتى أخذ يمكر بي مكراً كبارا، ويتقرب للحضرة السلطانية استظهارا علي واستنصارا، ويظن أن سينال بذلك لديها إيثارا.

كلا والله، تلك حضرةٌ شوط الباطل فيها قصير، وهي للحق وأهله نعمت النصير، ولا يتميز عندها للمتربع فوق السرير، على الجاثي على الحصير، وقد وقف الكلام بمنتهاه وغايته وصار إلى مصير.

ثم أقبل على العقل، وقال: يا مولانا الوزير، أنت المدبر والمشير، والحاكم على كل مأمور وأمير.

وأنت لسان الملك الناطق بلا اعتراض، ويده المتصرفة في سائر الأغراض، وطبيب أحكامه الشافي من كل الأمراض، ولك الأمر " فاقض ما أنت قاض ".

قال كريم الطباع، الراوي لهذه الأسجاع: فلما سمع العقل ما قالاه، ورآى أنهما ألزماه الحكومة وإن عثر ما أقالاه، لبث هنيئةً ينتظر الإذن في الكلام، ويحرر من القول ما يخرجه عن الملام.

إجلالا للحضرة السلطانية وتبجيلا، وعملا بما قيل:

إن الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنماجُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلاَ

حتى حصلت له الإشارة، ووصلت نتائج أفكاره المستشارة.

فاستعاذ من الشيطان الرجيم، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم.

أما بعد؛ فإن الحكومة معيار الذمم، ومحك الهمم.

وميزان الفضل والمعرفة، وميدان الأفكار المتصرفة.

وممر أنهار البلاغة والفصاحة، ومقر أطواد الرصانة والرجاجة، ومصرع جنوب المودة والصداقة، لكن في معارك ذوي الجهل والحماقة والحق يأبى الجمع بين النقيضين، والعقل يحرص على الإصلاح بين البغيضين.

والتوفيق عزير، وخير القول الجامع الوجيز.

وبحر المدح والقدح لا تفنى عجائبهم

ومَن ذا الذي تُرْضَى سَجاياهُ كُلُّهاكفَى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدَّ مَعايِبُهْ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ومن هنا أيها الفقر والغني ينبغي أن تعلما أنكما أدخلتماني في أضيق من سم الخياط، وكلفتماني المرور على جهنم فوق الصراط، وأشق المسالك الشرعية باب الاحتياط.

وأنا أستعين الله تعالى وأستهديه، وأسأله أن يوفقكما لقبول ما أبديه.

فقد أجبت السؤال وأطعت، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت.

أما أنت أيها الغنى؛ فإنك المحمود المذموم، الميمون المشئوم؛ المحبوب المبغوض، المطلوب المرفوض؛ النافع الضار، المقيم الفار، المنبه الغار.

وأما أنت أيها الفقر، فإنك العدو الصديق، المسعف الرفيق؛ المشقي المسعد، المهبط المصعد؛ الممرض المعافى، المعرض الوافي، المخل الكافي، الناقص الوافي.

وأنا أفصل لكما هذين الإجمالين، وأرفع التناقض بين الاحتمالين، حتى تنزهاني عن الجهل والمين، وتنقلبا بحقائق الأمور عالمين.

اعلما أن الله لم يخلق شيئاً عبثا ولعبا، " ولا يظلم ربك أحداً " أولاه راحةً أو تعبا.

وجميع نعمه ونقمه، منتظمةٌ في أسلاك حكمه.

وكل ما أودعه في عالم الكون والفساد، ذريعةٌ للعباد إلى كسب الفوز في المعاد.

وملاك نتيجة كل قضية، ما يهدي الله إلى اختياره حضرة النفس الإنسانية.

وقد أحلكما الله تعالى بين عباده في مواقع، يجوزها الشرع ولا يدافع، من أوفاها حقها ظفر بالعمل النافع، ومنقصر جوزي بعذابٍ واقع، ماله من دافع.

فيكون الغنى منحةً استوجبها المطيع فحواها، أو مصلحةً لا يصلح العبد سواها.

أو محنةً للاختبار والابتلا، أو فتنةً للاستدراج والإملا.

ويكون الفقر نقمةً طبق الاستحقاق المسطور، أو نعمةً لتنزيه النفوس الشريفة عن متاع الغرور.

ويشارك الغنى في الابتلاء والاختبار، والمصلحة التي يعلمها الحكيم المختار.

فحق المحبو بالغنى أن لا يألو جهداً، في أن يوالي شكراً وحمدا.

وأن يتوصل به لاكتساب الأخرى، ويتصرف فيه بما هو الأولى والأحرى.

ويتخرج من عهدة النوافل والحقوق، ويتحرج عن وصمة التغافل والعقوق.

ويستعيذ بالله من إملائه وفتنته، ويحذر أن تغلب الغفلة على فطنته.

وإياه ثم إياه، أن يشغله عن مولاه.

وتحت هذا الإجمال تفصيلٌ طويل، الويل لمن أضرب عنه والعويل.

وحق الممنو بالفقر أن يأخذ بالرضا والتسليم، ويقابل حكم الحكيم بقلبٍ سليم.

ويكشره على آلائه، حيث اختصه بشعار أنبيائه وأوليائه.

وينيب إلى باريه بالتوبة، ويستعيذ به من شؤم الإثم والحوبة.

ويعتاض بعز القناعة والكفاف، ويرتاض على الزهد والعفاف.

ويعتصم بحبل التقى، ويحذر من التخلص بالشفا من الشقا.

ولا ييأس من روح الفرج، وإن عز في الضيق المخرج.

ولا يدع التلطف في الحيلة، لتكلف المظاهر الجميلة.

فهذه السنن المتبعة، مقنعة في الخرج من عهدة المواقع الأربعة.

إذا علم هذا وتقرر، وثبت لديكما وتحرر، فاعلما أن كل واحدٍ منكما جاور من هذه صفاته، وحاور من لا تصدع بالجهل صفاته.

فهو في معرك المفاخرة فارس الصفين، والحائز للقسم المحمود من الوصفين.

وإلا فهو المتسم بالوصف الأخير، الحري وإن قدم بالتأخير.

ثم إن أبيتما، إلا التمييز في الصفات بينكما، فأنت أيها الغني كالسيف الصقيل، يضيء حده في أعناق المعتدين والمهتدين، والجواد الأصيل يصلح حده لقطع السبل ولإعزاز الدين.

فلك الفخر الذي يزاحم الكواكب بالمناكب، لكن بعد النظر إلى الضارب والراكب.

وأنت أيها الفقر كالبحر الأجاج، يجري فيه الفلك مواخر، ويستخرج منه الدر الفاخر.

والقفر العجاج، ينجو سالكه من طلب أعدائه، ويرجو عند انتهاء السير لقاء أودائه.

فأنت الحائز للمفاخر، لكن باعتبار العواقب والأواخر.

ثم إني أقول ولا أخشى ملامة، إن الفقر أدل على منهج الاستقامة، وأقرب إلى ساحل السلامة.

وإن كان الغنى إذا كشف عن صاحبه الرين، ووفق على عزة التوفيق لأحمد الاختيارين، فهو الظافر بسعادة الدارين.

وبهذا التأصيل الوثيق، والتفصيل المطابق للتحقيق، يرتفع التناقض بين ما أوردتماه من الحجج، وقلتماه عند الخوض في تلك اللجج.

فتأملاه بعين البصيرة، وتناولاه بيدٍ غير قصيرة.

وعلى كل حال فأنا الممتحن المبتلى بكما، والمرآة المجلى فيها شكلكما.

ولم يكفكما تكليفي المشاق منفردين، حتى جئتماني مجتمعين، وحملتماني ما لو عرض على الجبال لأبين.

وأنا أسأل الله تعالى أن يمنح حكمي القبول، ويوفق بينكما بالإصلاح وهيهات أن تتفق الدبور والقبول.

قال راوي الحديث: فلما سمع الغنى والفقر ما جلاه العقل من الدلائل، وعلما أنه لم يبق مقالاً لقائل، ولا مصالاً لصائل، قاما حامدين للحكومة راضيين، وانطلقا لشأنهما كالسيفين الماضيين.

وتفرق أرباب المجلس وكلٌّ يقول: هذا هو الحكم العدل، والمنطق الفصل، ولواهب العقل جزيل الحمد والمنة والفضل.

محمد بن أحمد حكيم الملك بضم الميم وسكون اللام جواد لا يشق غباره، وكامل خلص من الزيف عياره.

سرح في فنون العلم وسام، واجتلى وجوه خطاياه وهي نضرة وسام.

وهو من بيت رياسةٍ وجلالة، وقومٍ لم يرثوا المجد عن كلالة.

وكان لسلفه عند ملوك الهند آل تيمور، محلٌّ بندى أكفهم معمور، ومنزل بفائض عوارفهم مغمور.

ولما ورد جده مكة المشرفة، قصد آل الحسن السادة، فأحلوه المحل الذي ينبيه أعين الحسادة.

وولد صاحب الترجمة بمكة، فنشأ في بيت مجدٍ علا قدره، ورضع من ضرع ذلك المحتد فلله دره.

فجمع بين تليد المجد وطريفه، وقال من ظل الرعاية في فسيحه ووريفه.

قال ابن معصوم: ولم يزل متبعا تلك الدار، محمود الإيراد والإصدار.

مع تمسكه من سلطانها الشريف محسن بالعروة الوثقى التي لا تنفصم، وحلوله لديه بالمكانة التي ما حلها ابن دؤاد عند المعتصم.

حتى حصل عليه من الشريف أحمد بن عبد المطلب ما حصل، لما انحل عقد ولاية الشريف محسن منها وانفصل.

فكان ممن نهب الشريف داره وماله، وقطع من الأمان أمانيه وآماله.

فالتجأ إلى بعض الأشراف، فأمنه على نفسه بعد مشاهدة الوقوف على الهلاك والإشراف.

ثم سار مختفيا إلى اليمن، واستمر حتى قتل ابن عبد المطلب، فلم ير من شريف مكة السيد مسعود ما كان يأمله قبل، فتوجه إلى الهند فألقى بها عصاه، إلى أن بلغ من العمر أقصاه.

انتهى.

ومن شعره الذي أخذ بكل معنى، وتعطر بمشام ذكره كل مغنى.

قوله:

صَوادِحُ الْبانِ وَهْناً شَجْوُها بادِيفمن مُعِينُ فتىً في فَتِّ أكْبادِ
صَبٌّ إذا غنَّتِ الورْقاءُ أرَّقهُتَذْكيرُها نَغَمات الشادِنِ الشادِي
فبات يرعُف من جَفْنيْهِ تحسَبُهيُرَجْرِج المَدْمَعَ الوَكَّافَ بالجادِي
جافِي المضاجعِ إلْفُ السُّهْدِ ساوَرَهسَمُّ الأساوِدِ أو أنْيابُ آسادِ
له إذا الليل وَارَاهُ نَشِيجُ شَجٍوجَذْوةٌ في حَشاهُ ذاتُ إيقادِ
سُمَّارُه حين يُضْنيه تَوَحُّشُهفيَشْرَئِبُّ إلى تأْسِيسِ عُوَّادِ
وَجْدٌ وهَمٌّ وأشْجانٌ وبَرْحُ جَوىًولَوعةٌ تتلظَّى والأسى سَادِي
أضْناهُ تفْريقُ شَمْلٍ ظَلَّ مُجتمِعاًوضَنَّ بالعَوْدِ دَهْرٌ خَطْبُه عادِي
فالعمرُ ما بين ضَنٍ ينْقضِي وضَنىًوالدهرُ ما بين إيعادٍ وإبْعادِ
لا وَصْلَ سَلْمَى وذاتِ الخالِ يرْقُبُهولا يُؤمِّل من سُعْدَى لإسْعادِ
أضْنَى فؤاديَ واسْتَوْهَى قُوَى خلَدِيأقْوَى مَلاعبَ بين الهُضْبِ والوادِي
عَفَّتْ مَحاسنُها الأيامُ فانْدَرستْواسْتبْدلَتْ وَحْشةً من أُنْسِها البادِي
وعاث صَرْفُ الليالي في مَعالِمهافما يُجيبُ الصَّدَى فيها سِوَى الصَّادِي
دَوارِجُ المَوْرِ مارتْ في مَعاهدِهافغادرَتْها عَفَا السَّاحاتِ والنادِي
وصَوَّحتْ بالبِلَى أطْلالُها وخَلَتْرِحابُها الفِيحُ من هَيْدٍ ومِن هادِي
كأنها لم تكنْ يوماً لِبيضِ مَهاًمَراتِعاً قد خلَتْ فيهنَّ من هادِ
ولم تظَلَّ مَغانيها بغانيةٍتُغْنِي إذا ما رَدَى من بَدْرِها رَادِي
ولا تثَنَّتْ بها لَمْياءُ ساحِبةًذَيْلَ النعيم دَلالاً بين أنْدادِ
فارقْتُها وكأنِّي لم أظَلَّ بهافي ظِلِّ عَيْشٍ يُجلِّي عُذْرَ حَسَّادِ
أجْنِي قُطوفَ فُكاهاتٍ مُحاضرةًطَوْراً وطوراً أُناغِي رُتْبة الهادِي
هَيْفاءُ يُزْرِي إذا ماسَتْ تمايُلُهابأمْلَدٍ من غصونِ الْبانِ مَيَّادِ
بجانبِ الجيدِ يَهْوِي القُرْطُ مُرْتعِداًمَهْواهُ جِدُّ سَحِيقٍ فوق أكْتادِ
شِفاهُها بين حُقِّ الدُّرِّ قد خَزنتْذخيرةَ النَّحَلِ مَمْزُوجاً بها الجْادِي
إذا نَضَتْ عن مُحَيَّاها النَّقابَ صَبَامُسْتهْتَراً كلُّ سَجَّادٍ وعَبَّادِ
وإن تجلَّتْ ففيما قد جَلَتْه دُجىًلنا به في الدَّآدِي أيُّما هادِي
وَمِيضُ بَرْقِ ثَناياها إذا ابتسمتْبعَأرضِ الدَّمْعِ مِن مَهْجورِها حَادِي
وناظِرانِ لها يَرْتَدُّ طَرفُهمامهما رَنَتْ عن قتيلٍ ما له وَادِي
وصُبْحُ غُرّتِها في ليلِ طُرَّتِهايَوْمايَ من وصلِها أو هجرِها العادِي
تلك الربوعُ التي كانت مَلاعبُهاأخْنَى عليها الذي أخْنَى على عادِ
إلى مَلاعب غِزْلانِ الصَّرِيمِ بهايَحِنُّ قلبي المُعَنَّى ما شدَا شَادِي
بُعْداً لدهرٍ رماني بالفِراقِ بهاولا سَقَى كَنفيْه الرّائحُ الغادِي
عَمْرِي لئن عظُمتْ تلك القَوادِحُ منخُطوبِه وتعدَّتْ حَدَّ تَعْدادِ
لقد نسِيتُ وأنْسَتني بَوائقُهتلك التي دَهْدَهتْ أصْلاً وأطْوادِ
مَصارِعٌ لِبَني الزَّهْرا وأحمد قدأذْكَرْنَ فَخّاً ومَن أرْدَى به الهادي
لفَقْدِهم وعلى المَطْلولِ من دَمهِمتبكي السماء بمُزْنٍ رائحٍ غادِي
وشَقَّ جَيْبَ الغمامِ البَرْقُ من حَزَنٍعليهمُ لا على أبْناءِ عَبَّادِ
كانوا كعِقْدٍ بجيدِ الدهرِ مُذْ فَرطَتْمن ذاك وَاسِطةٌ أوْدَى بتَبْدادِ
وهو المَليكُ الذي للمُلْكِ كان حِمىًمُذْ ماسَ من بُرْدِه في خَزِّ أبْرادِ
كانت لجيرانِ ببيتِ اللهِ دولتُهمِهادَ أمْنٍ بِسَرْحِ الخيفِ ذَوَّادِ
وكان طَوْداً لِدَسْتِ المُلْكِ مُحْتبياًولاقْتناصِ المَعالي أيَّ نَهّادِ
ثَوَى بصَنْعا فيا للهِ ما اشْتملَتْعليه من مجدهِ في ضِيقِ ألْحادِ
فقد حَوَيْتِ به صَنْعاءُ من شَرَفٍكما حَوَتْ صَعْدةٌ بالسيِّد الهادِي
فحبَّذا أنتِ يا صَنْعاءُ من بلدٍولا تغَشَّى زياداً وَكْفُ رَعَّادِ
مُصابُه كان رُزْءاً لا يُوازِنُهرُزْءٌ ومِفْتاحَ أرْزاءٍ وأسْبادِ
وكان رَأْساً على الأشْرافِ منذ هوَىتتابَعُوا بعده عن شِبْهِ مِيعادِ
لَهْفَ المُضافِ إذا ما أزْمَةٌ أزَمتْمن قطبِ نائبةٍ للمَتْنِ هَدَّادِ
لَهْفَ المُضافِ إذا ما أقْلحتْ سَنَةٌيَضِنُّ في مَحْلِها الطَّائيُّ بالزَّادِ
لَهْفَ المُضافِ إذا كَرُّ الجِيادِ لدَىحَرّ الجِلادِ أثار النَّقْعَ بالوادِي
لَهْفَ المُضافِ إذا ما يُسْتباحُ حِمىًلفَقْدِ حَامٍ بِورْدِ الكَرِّ عَوَّادِ
لَهْفَ المُضافِ إذا جُلَّى به نزلَتْولم يَجِدْ كاشِفاً منها بمِرْصادِ
لَهْفَ المُضافِ إذا نادَى الصَّرِيخُ ولميجِدْ له مصرخاً كالغيثِ للصَّادِي
لَهْفَ المُضافِ إذا الدهرُ العَسُوفُ سَطَابضَيْمِ جارٍ لنُزْلِ العِزِّ مُعْتادِ
بل لهفَ كُلِّ ذوِي الآمالِ قاطبةًعليهمُ خيرُ مُرْتادٍ لِمُرْتادِ
كانتْ بهم تَزْدهِي في السِّلْمِ أنْدِيةٌوفي الوغَى كُلُّ قَدَّادٍ ومُنْآدِ
على الأرائِك أقْمارٌ تُضِيءُ ومِنتحت التَّرائِك آسادٌ لمستادِ
تشكُو عِداهم إذا شاكِي السِّلاح بَدَاشَكَّ القَنَا ما ضَفَا من نَسْجِ أبْرادِ
إلى النُّحورِ وما تحوِي الصدورُ وماوَارَتْه في جُنْحِها ظُلماتُ أجْسادِ
جَنَى جَنىً قلقاً تحْوِي جَآجِئُهاممّا يُقَصِّد فيها كلُّ قَصَّادِ
بَأدُوا فباد من الدنيا بأجْمعِهامَن كان فكَّاكَ أصْفادٍ بإصْفادِ
وقد ذَوتْ زَهْرةُ الدنيا لِفَقْدِهمُوأُلبِستْ بعدهم أثْوابَ إحْدادِ
واجْتُثَّ غَرْسُ الأماني من فَجِيعتهموأنْشَد الدهرُ تقْنيطاً لِرُوَّادِ
يا ضيفُ أقفْرَ بيتُ المَكْرُماتِ فخُذْفي جَمْعِ رَحْلِك واجمعْ فَضْلَة الزَّادِ
للشاعر ابن اللبانة الداني، اقرأ القصيدة
يا قلبُ لا تبْتئِسْ من هَوْلِ مَصْرَعِهمْوعَزِّ نفسَك في بُؤْسٍ وأنْكادِ
بمَن غدا خَلَفاً يا حبَّذَا خَلَفٌفي المُلْكِ عن خيرِ آباءٍ وأجدادِ
بحائزٍ إرْثَهم حاوٍ مَفاخِرَهمكما حَوى الألْفُ من آحادِ أعْدادِ
وذاك زيدٌ أدام اللهُ دولتَهوزاده منه تأييداً بإمدادِ
سمَا به النَّسَبُ الوَضَّاحُ حيث غداطَرِيفُه جامعاً أشْتاتَ أتْلادِ
لقد حوَى من رَفِيعاتِ المَكارمِ مايكْفِي لمَفْخرِ أجْدادٍ وأحْفادِ
أليس قد نالَ مُلْكاً في شَبِيبتِهما ناله مًن سعَى أعْمارَ آبادِ
أليس في وَهَجِ الهَيْجا مَواقِفُهمَشْكورةً بين أعداءٍ وأضْدادِ
أليس أسْبَحَ في التَّنْعيمِ سابِحَهلُجَّ المَنايا ليُحْيِي فَلَّ أجْنادِ
أليس يومَ العَطا تحْكِي أنامِلُهخُلْجانَ بحرٍ بفَيْضٍ التِّبْرِ مَدَّادِ
أليس قد لاحَ في تَأْسِيسِ دولتِهمن جَدِّه المصطفى رمزٌ بإرْشادِ
دامتْ مَعالِيه والنُّعْمَى بذاك لهيَصُونُها وهْو مَلْحوظٌ بإسْعادِ
ما لاح بَرْقٌ وما غَنَّتْ على فَنَنٍصَوادِحُ الْبلانِ وَهْنا شَجْوُها بادِي

قوله: أليس قد لاح في تأسيس دولته، يشير به إلى ما وقع للشريف زيد، فإنه لما ورد الأمر السلطاني بولايته الحرمين، وكان إذ ذاك بالمدينة المنورة، قصد زياة النبي ﷺ، فأراد الخدم أن يفتحوا الباب، فوجدوه مفتوحاً، وكانوا قد أغلقوه من قبل، فعلم الناس أنه إشارةٌ إلى الفتح.

ومن لطائفه قوله من كتاب:

سقى الدمعُ مَغْنَى الوَابِليَّةِ بالحِمَىسَواجِمَ تُغْنِي جانِبَيْه عن الوَبْلِ
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «سلام على رمل الحمى عدد الرمل»
ولا برِحتْ عيني تنُوبُ عن الْحَيَابدمعٍ على تلك المَناهلِ مُنْهَلِّ
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «سلام على رمل الحمى عدد الرمل»
مَغاني الغوانِي والشَّبيبةِ والصِّباومَأْوَى المَوالِي والعشيرةِ والأهلِ
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «سلام على رمل الحمى عدد الرمل»
سَقاها الْحَيا من أرْبُعٍ وطُلولِحكَتْ دَنَفِي من بعدهم ونُحولِي
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «سقاها الحيا من أربع وطلول»
سَقا صَوْبُ الْحَيا دِمَناًبجَرْعاءِ اللِّوَى دُرْسَا
وزاد مَحلَّكِ المَأْنُوسَ يا دار الهوَى أُنْسَا
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «سقى صوب الحيا دمنا»
لئِن درَستْ رُبوعُك فالْهَوى العُذْرِيُّ ما دَرسَا
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «سقى صوب الحيا دمنا»

إنما المحافظة على الرسوم والآداب، والملاحظة للعوائد المألوفة في افتتاح الخطاب، لمن يملك أمره إذا اعتن ذكر زينب والرباب، ولم تحكم عقال عقله يد النوى والاغتراب.

وليست لمن كلما لاح بارقٌ ببرقة ثهمد، فكأنه أخو جنة مما يقوم ويقعد.

تتقاذفه أمواج الأحزان، وتترامى به طوائح الهواجس إلى كل مكان.

فهو وإن كان فيما ترى العين قاطناً بحيٍ من الأحياء،

يَوْماً بحُزْوَى ويوما بالعَقِيقِ وبالْغُوَيرِ يوماً ويوما بالخُلَيْصاءِ

لا يأتلي مقسم العزمات، منفصم عرى العزيمات.

لا يقر قراره، ولا يرجى اصطباره.

إن روح القلب بذكر المنحنى أقام الحنين حنايا ضلوعه، أو استروح روح الفرج من ذكر الخيف بمنىً أو مضت بوارق زفراته تحدو بعارض دموعه.

مَن تمنَّى مالاً وحُسْنَ مآلٍفمُنايَ مِنىً وأقْصَى مُرادِي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «خفف السير واتئد يا حادي»

فيا له من قلبٍ لا يهدأ خفوقه ولا تني لامعةً بروقه، ولا يبرح من شمول الأحزان صبوحه وغبوقه.

يساور هموماً فما مساورة ضئيلةٍ من الرقش، ويناجي أحزاناً لو لابس بعضها الصخر الأصم لانهش، ويركب من أخطار الوحشة أهوالاً دونها ركوب النعش.

يحن إلى مواضع إيناسه، ويرتاح إلى مواضع غزلان صريمه وكناسه، ويندب أيام يستثمر الطرب من أفنان أغراسه.

أيامَ كنتُ من اللُّغوبِ مُراحَا

أيامَ لا الواشِي يَعُدُّ ضَلالةًوَلَهِي عليه ولا العَذُولُ يُؤنِّبُ
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «حتام أرضى في هواك وتغضب»
أيَّامَ ليلَى تُرينِي الشمسَ طَلْعتُهابعد الغروبِ بدَتْ في أُفْقِ أزْرارِ
أيامَ شَرْخُ شبابِي رَوضةٌ أُنُفٌما رِيع منه برَوْعِ الشَّيْبِ رَيْعانُ
أيامَ غُصْنِيَ لَدْنٌ من نَضارتِهأصْبُو إلى غيرِ جاراتِ وحاراتي

ثم انْقضَتْ تلكَ السِّنُون وأهْلُها

لم يَبْقَ منها لِمُشتاقٍ إذا ذكَراإلاَّ لَواعِجُ وَجْدٍ تبعثُ الفِكَرَا
ولم يُبْقِ منِّي الشوقُ إلاَّ تفكُّرِيفلو شئتُ أن أبكي بكيْتُ تفكُّرَا

لم أكن على مفارقة الأحباب جلداً فأقول وهي جلدي، وإنما هي تجلدي، مما حملت من النوائب على كتدي، وفتت صروف البين المشتت من أفلاذ كبدي.

جرَّبتُ من صَرْفْ دهرِي كلَّ نائبةٍأمَرَّ من فُرْقةِ الأحْبابِ لم أجِدِ
فِراقاً قضَى أن لا تَأسِّيَ بعدمامَضَى مُنْجِداً صبرِي وأوْغَلْتُ مُتْهِمَا
خليليَّ إن لم تُسْعِداني على البُكافلا أنْتُما منِّي ولا أنا منكُمَا
للشاعر نصر الله الطرابلسي الحلبي، اقرأ القصيدة
وحَسَّنْتُما لي سَلْوةً وتناسِياًولم تذكُرا كيف السبيلُ إليهمَا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمما»

حفيده صالح بن إبراهيم الحكيم روح الروح وثمرة الفؤاد، ومحله من الفضل محل السويداء من القلب والإنسان من السواد.

وقد من الله تعالى في الحرم الشريف بلقائه، وكنت قبل ذلك أستروح نسيم الود من تلقائه.

فاتخذته ثمة نجياً، وعاطيته ريحان الصداقة جنياً.

أستشعر من جهته نفس العافية، وأتمسح منه باليد الشافية.

فهو للقلب نجيٌّ وللروح سمير، ويكاد يؤكل بالمنى ويشرب بالضمير.

يفاوح أرجه أزاهير الأدواح، ويبعث نسيمه طيب الحياة للأرواح.

إلى طلعةٍ نورها في فلك القبول شارق، وطبيعةٍ إذا ذقت جناها وشمت سناها تذكرت ما بين العذيب وبارق.

وله محاضرةٌ هي غرام كل صبٍ متيم، ومعاضدةٌ إذا مرضت حاجةٌ كان لها ابن مريم.

وأما طبه فلو عالج الدهر لأمن في نفسه النقم، أو داوى الحياة لما طاف بها السقم.

وقد تناولت من أشعاره ما هو شفاءٌ للصدور، وخفرٌ في وجوه البدور.

فمن ذلك قوله من قصيدة:

يا مخجِلَ البِيضِ البَواتِرْبالسُّودِ من تلك النَّواظِرْ
الفاتكاتِ القاتِلاتِ الذُّبِّلِ الوُطْفِ الفَواتِرْ
عَجبَاً لها تُمْسِي الأُسود وهُنَّ أجْفانُ الجآذِرْ
غازَلْتُ منها مُقْلةًغزلَتْ وحاكتْ كلَّ باتِرْ
يرْنو بها الرَّشَأُ الأغَنُّالأحْورُ الخِشْفُ المُنافِرْ
ظَبْيٌ حَشايَ كِناسُهومَقَرُّه حيث السَّرائِرْ
قمرَ العقولَ بحُسْنِهأفْدِيه من قَمَرٍ وقامِرْ
لَمَعتْ بَوارِقُ ثَغْرِهفانْهَلَّ مِن جَفْنَيَّ ماطِرْ
بمَباسمٍ قد نُظِّمتْفي سِلْكِ مَرْجانٍ جَواهِرْ
وبدا صباحُ جَبِينِهفانْجاب لي ليلُ الضِّفائِرْ
واهْتزَّ غصنُ قَوامِهوغدا الفؤادُ عليه طائرْ
والرِّدْفُ أخفَى خَصْرَهفلذا عليه الكَشْحُ دائرْ
يا قلبُ مالك سَلْوةٌكلاَّ ولا للوجدِ آخرْ
عذَل العَذُولُ ومُذ رأَىبَاهِي المُحَيَّا عاد عاذِرْ
أجْرَيْتُ وُقْفَ مَدامعِيوإلى لِقاهُ الطَّرْفُ ناظرْ
وكذا نَجِيعُ نُضارِهابتصَعُّدِ الأنْفاسِ قاطِرْ
هجرَ الحبيبُ وليْتهلو كان للهِجْران هاجرْ
أبْكِي فيضحكُ هازئاًولسائلِ العَبَرات ناهِرْ
يا رَبَّةَ الحُسْنِ الذيبجمَالِه بهرَ النَّواظِرْ
رِقِّي لرِقٍ طَرْفُهيرعَى السُّها والطَّرْفُ ساهرْ
ما شام بارِقَ لَعْلَعٍإلاَّ غدا هامٍ وهامِرْ
حيثُ الظِّباءُ سَوانِحٌغِيدٌ حَبائلُها الغدَائرْ
من كلِّ رُودٍ كَحَّلتْبالسِّحرِ هاتيك المَحاجرْ
سلَبتْ فؤادي غادةٌمِنْهنَّ تلعب بالخواطِرْ
أفْدِي مُحيَّاها الذيصُبْحُ الجَبِين عليه سافِرْ
سدَلتْ عليه جَعِيدَهاوالليلُ للإصْباحِ ساترْ
لا تسْتُرِي قمراً بَدَاليلُ المُحبِّ بغيرِ آخرْ

وقوله من أخرى، أولها:

سَلُوا الرَّكبَ عن سَلْمَى وأين بها شَطُّواوهل خيَّمت بالجِزْع أم دارُها الشَّطُّ
وهل عندها عِلْمٌ بما صنعَ النَّوَىوما جدَّد الشوقُ المُبرِّحُ والشَّحْطُ
وهل نزَلتْ بالسَّفْحِ من أيْمَنِ اللِّوَىوغَرَّدها القُمْرِي وظَلُّلها الخَمْطُ
وهل ذكَرتْ يوم الوَداعِ وأدْمُعِيبخدِّي حكاه الرَّسْمُ خَدَّده النَّقْطُ
وهل بارِقٌ ما شِمْتُه أم تبسَّمتْسُلَيْمَى فضاء الثَّغْرُ أو لمَع القُرْطُ
رَدَاحٌ لها في كلِّ قلبٍ مُخَيَّمٌوليس لمَفْتونٍ سوى حُبِّها قَطُّ
أباح لها وَالِي الهَوى من قلوبِنافمهما تَشا من ذي السُّوَيْداء تخْتَطُّ
لها مَبْسَمٌ حُلْوٌ تَنظَّم دُرُّهعلى سِلْكِ مَرْجانٍ فضاءَ لنا السِّمْطُ
كأن مُذابَ الشُّهْد في بَرَدِ اللَّمَىوفي ضِمْن هذا الألْعَسِ العَذْبِ إسْفَنْطُ
تُسدِّد نحوي أسْهُماً من جُفونِهامُرَيَّشَةً حَبُّ القلوبِ لها لَقْطُ
فتُصْمِي بها قَدّاً يميلُ به الصِّباكغُصْنٍ أمالتْه الصَّبَا عندما تخْطُو
وتضْفِر من ليلِ الجَعِيدِ ذَوائباًغدائر منها للنُّهَى الحَلُّ والرَّبْطُ
عَقِيلةُ سِرْبٍ كالْمَها في الْتفاتِهاتُعِير الظِّبا طَرْفاً وجِيداً إذا تَعْطُو
من الأمْجريَّات اللَّواتِي سَبَيْنَنَابشَرْطٍ من الحُسن البديع له شَرْطُ
من الناعماتِ السُّمْرِ مَن عطَّر الحِمَىشَذاها إذا مَرّتْ به إثْرَها المِرْطُ
فَدَيْتُ تجَنِّيها ولُطْفَ دَلالِهاوإن راعَها مِنِّي بعَارِضِيَ الوَخْطُ
أعَاذِلتي كُفِّي المَلامَ فليس ليعلى بُعْدِها صَبْرٌ ولو دُونَها الخَرْطُ
ولم أدْرِ أن الحبَّ يقْدَح زَنْدَهلقلبِي وأن النار أوَّلها سِقْطُ
سأركبُ مَتْنَ الصَّعْبِ في طُرْقِ وَصْلِهاولو أنها العَشْوا وسَيْرِي بها خَبْطُ
وأغْشَى حِماها والمُهنَّدُ صاحِبيولو أن في ذاك الحِمَى ينْبُت الخَطُّ
وأرْوِي ظَمَا حَرَّي ببارِد رِيقِهاوألْوِي عليها الزَّنْدَ لو مَسَّها الضَّغْطُ
وأشكُو إليها ما لقِيتُ بحبِّهاومن فَرْطِ أشْواقي بها أدْمُعِي فُرْطُ

وقوله من أخرى، مستهلها:

مَغانِي الغوانِي لا عَدا الرَّبْعَ هَطَّالُولا زال مُخْضَلاَّ بكِ الشِّيحُ والضَّالُ
ولا سجَعتْ وُرْقُ الحَمامِ على سِوَىغصُونك يا مَرْمىً به الغِيدُ نُزَّالُ
سقاك وحَيَّاك وحَيَّى منازِلاًلقد كان لي فيهنَّ حَظٌّ وإقْبالُ
أروحُ وأغْدُو بالكَثِيب ولي بهرَداحٌ لها من آل يافِثَ أخْوالُ
مُعَسَّلةُ الأنْيابِ أمَّا شَتِيتُهافدُرٌّ وأما رِيقُها فهو جِرْيالُ
يجُولُ على تلك الَّلآلِي كأنهمُذابُ سَلِيل الشُّهْدِ أو هو سَلْسالُ
حَمَى رِيقَها المعسولَ أبْيَضُ صارِمٌمن قَدِّها الممشوقِ أسْمَرُ عَسَّالُ
تُعير الْمَها منها الْتفاتاً ونَظْرةوترْنو كما يرْنو إلى الخِشْفِ مِطْفالُ
لها شَرْطُ حسنٍ فوق تُفَّاحِ خَدِّهاومِن فوق ذاك الشَّرْطِ مِسْكٌ هو الخالُ
ورُمَّانتا نَهْدٍ على غُصن بَانةٍبه فَرْطُ حُبِّي إن تحقَّق عُذَّالُ
وتسْدِل من ليل الجَعِيدِ ذَوائباًيُجاذِبُ هاتيك الذَّوائبَ خَلْخالُ
وتُقْعِدها عند النُّهوضِ رَوادِفٌتَميل بغُصْنِ القَدِّ والقَدُّ مَيَّالُ
فلا تهْجُرِيني إنَّ هَجْرِي ظُلامةٌوجُرْحُ فؤادِي ماله اليومَ إدْمالُ
عسى عَطْفةٌ يَحْيى بها مَيِّتُ الهوىرُبوعُ اصْطبارِي بعد بُعْدِك أطْلالُ
ويغْفَى مُحِبٌّ دَأْبُه السُّهْدُ والبُكاكأن بعيْنيه المدامعَ أسْجالُ
يبِيتُ على جَمْرِ الغَضا وهو فَرْشُهويصْلَى بنار الحبِّ والحبُّ فَعَّالُ
صِلينِي أنا الوافِي العهودَ على القِلَىوجَوْرُ الهوى عَدْلٌ ومَيْلٌ إذا مالُوا
ولا الصَّبُّ إلاَّ ما يرى الصَّابَ شُهْدَهويعلمُ أن الصبرَ حُلْوٌ إذا حالُوا
فَدَيْتُ الجفا منها وإن كان ضَائِرِيوعشْقي سُلَيْمى لا محَالَة قَتّالُ
أُكتِّم جُهْدِي حُبَّها وهو ناحِلِيويفْضحني دمعٌ على الخدِّ سَيَّالُ
أحِنُّ إلى سَلْمَى على قُرْبِ دارِهاحَنِينَ فَقِيدِ الإلْفِ أضْناه بَلْبَالُ
ويُنْشِد قلبي كلما ارْتاع للنَّوىوأضْناه تَذْكارٌ وحالتْ به حالُ
أيا دارَها بالخَيْف إن مَزارَهاقريبٌ ولكن دون ذلك أهْوالُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.