تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الباقي

عبد الباقي بن نصر بن هبة الله بن يحيى بن رضا، ابن العمرانيّ الأزديّ.

أصل آبائه من قرية تدعى العمرانيّة، من قرى الموصل الشرقية، يكنى أبا المظفر بن أبي الفتح؛ من أبناء الرؤساء الأجلاء، ومن بيت مشهور معروف في الولايات الديوانية، والأعمال أ/ الجليلة السلطانية.

قد صحب الشيخ عبد العزيز بن أحمد بن هاجر الموصلي المقري، وختم عليه القرآن المجيد، وحفظه حفظاً جيداً، وقرأه للسبعة والعشرة، وسمع الحديث، وأتقن صدراً وافراً من فقه الإمام الشافعي ﵁ على أبي المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش الموصليّ، حتى تميّز فيه.

وكتب خطاص حسناّ؛ وكان يقول الشعر الرقيق، يمدح به الأعيان من الناس، ولم يقصد بذلك أجراً ولا رفداً، وحج بيت الله الحرام، وتزيّا بزيّ أهل الديانة والصلاح، ولم يكن في أهله وعترته مثله، في حسن طباعٍ وسلامة جانب.

نزل مدينة حلب في سنة أربع وعشرين وستمائة، واستوطنها، وكان يرتزق من جامكية المدرسة ... النورية، مضافاً إلى مسجد كان يصلي فيه إماماً الصلوات الخمس، وكان له يد قوية في خياطة السجاجيد والمرقعات وربما تمشت أحواله بها، لكونه لم يكن له جهة غيرها.

لقيته بحلب المحروسة في سنة أربع وثلاثين وستمائة، واستنشدته شيئاً من أشعاره ب/ فأنشدني كثيراً منها، إلاّ أني لم أقيد شيئاً عنه، لأنه كان يضنّ بها، ويعتذر إلى من قصوره في هذا الشأن.

وكان رجلاً تقياً ساكناً متواضعاً عاقلاً، ضعيف الحال، مستوراً، ليّن الجانب، خيّر، الطباع.

ولم يزل نحيفاً متمرضاً، وكان قد استولى عليه مرض السلّ حتى أذهب قوته، واصفرّ لونه، وبقى به برهة من الزمان يعالج نفسه ثالث جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن بمقام الخليل إبراهيم –﵇ قبلي حلب.

وكانت ولادته فيما أخبرني من لفظه في الليلة المسفرة عن صباح يوم الثلاثاء الثالث عشر من صفر سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، بالموصل بمحلة شاطئ النهر، بزقاق الاكلة.

وكان قد أوصى بعد موته؛ أن يغسل جميع ما قاله من الشعر، فغسله الموصى له فوقع عند بعض المعارف جزء فيه من شعره، وهو بخط يده، فاستعرته فتأملته فإذا فيه أقطاع متعددة، كان أنشدنيها أ/ -رحمة الله- في حال مذاكرتي له.

ولازم الشيخ أبا عبد الفارقي المقرئ نحو عشر سنين، وقرأ عليه القرآن تجويداً، حتى أحكم قراءته غاية الإحكام، وشهد له شيخه في بالحذق في القراءة، ولم يكن بعد شيخه أبي عبد الله محمد الفارقي مثله في قراءة القرآن وآدابه وتجويده، ومخارج الحروف، وتفرّد بهذا الشأن على قرّاء وقته.

فمما أنشدني لنفسه؛ قوله:

كم وعدوا واخلفواوعاهدوا ولم يفوا
وكم دمٍ قد سفكواومهجةٍ قد اتلفوا
وكم محبٍّ قتلوايوم النوى وانصرفوا
اظلُّ في آثارهممناشداً توقّفوا
ساروا ولم يرثو لهوفي الفيافي عسفوا
ترحلوا وفي الحدوج اغيدٌ مهمفهف
بطلعه كالبدر لــكنّ البدور تكسف
وقامةً كالغصن قدجار عليها الهيف
ومبسم كالدُّورّ إذفتّح عنه الصّدف
/ ب/ مزرفن الأصداغ لامي العذار أوطف
في خده وردٌ وفيفيه سلافٌ قرقف
وفي سنى الحاظهسيفٌ صقيلٌ مرهف
كم من دمٍ أراقهبحدّه لو عرفوا

وأنشدني أيضاً لنفسه:

إن انجدوا جيرة الحدباء أو غارواأو اتهموا بالمطايا بعد ما ساروا
أو عذبوا عذب التعذيب أو بعدواقرٌبت حبّا وإن شطّت بي الدّار
وانكر الطّرف رؤياهم فإنّهمطول المدى في سويدا القلب حضّار
لي في تذكرهم سرٌّ تتلى به معنّىوإن أوحش القطا فلا عار
فالهتك صوني وعذلي في الهوى عذرٌوصحّتي سقمٌ والصّمت تذكار
هم هم واصلوا صدّوا دنوا بعدواأحبّتي عدلوا في الحكم أم جاروا
فتخضب الأرض منهم أيّةً سلكوافهم غيوثٌ لها حقّاً وأمطار

ونقلت من خطّة قوله:

حتّى م أكتم لوعتي واستّرومدامعي تبدي الغرام فيظهر
/ أ/ وأسرّ وجدي والحنين يذيعهولهيب أنفاسي بذلك تخبر
أهوى الملامة في الهوى ويسرنيعذل العواذل فيكم كي يذكروا
ويح العواذل في الملامة طوّلواعذلي ولو شهدوا ... قصّروا

عذلوا بجهلهم وما عرفوا الهوى حقّاً ولو عرفواه مثلي اعذروا

قلّ الوفاء فلا حميمٌ يرتجىللنائبات ولا صديقٌ يذخر
رفقاً بقلبي إنّ بين جوانحيأسرار حبٍّ ولا صديقٌ يذخر
رفقاً بقلبي أنّ بين جوانحيأسرار حبٍّ عن ضميري تضمر
لا تتهموني بالسّلوّ فأضلعيأسرار حبّ عن صميري تضمر
واهدوا إلى جفني الرُّقاد عسى أرىرؤياً تؤولّل باللّقا وتفسّر
حاشاي أضمر سلوةٌ عن حبكّموأعيذٌكم يا سادتي أن تهجروا

ونقلت من خطّة أيضاً شعره:

كم في الحشا حرقٌ من زجرة الحادييوم الرحيل لصبٍّ مغرمٍ صادي
وكم دموعٍ جرت في إثر عيسهمحتى تلاطم منها شاطئ الوادي
وكم محبّ لهم قد حلّقوا لقًىلمّا تولّوا وأقوى منهم النّادي
تحمّلت عيسهم أرواحنا سحراًما أشبه الحيّ
ساروا فكم حسرةٍ في طيّها أسفٌفي طيّها زفرةٌ في طي أكباد

/ ب/ ونقلت من خطّه أيضاً قوله؛ وكان بإربل كما عرض وعنّ:

خضعت ذليلاً حين عزّ مراميوقلّ اصطباري حين زاد غرامي
وحالفني فرط السّهاد وملّنيجليسي وطرفي بالمدامع دامي
فمن منقذي من لوعة البين والأسىومهد إلى ربع الجيب سلامي
عساه بأن يرثي لما بي من الجوىوينقذني من لوعتي وهيامي

وقوله:

عصر الصّبا تصرّمت أيّامهوانقرضت في حبكّم أعوامه
فما احتيال مغرمٍ ذي لوعةٍوفّى ولم يرع له ذمامه
حجّته ظاهرةٌ وإنّماخصومه على الهوى حكّامه
ذلّته تعزّزٌ ورفعهٌكذاك في صحّته سقامه
أنفاسه .........ودمعه يرويكم سجامه
يزداد وجداً وغراماً كلّماتزايدت على الهوى لوّامه
وكلّنا تكاثرت عذّالهزاد اشتياقاً ونما هيامه

/ أ/ وقال وقد طلب منه المعنى:

زارت بجنح الليل ذات الوشاحفطبّق الآفاق ضوء الصباح
فاستيقظ الرّكب لأجل السّرىقلت: اهجعوا برقٌ من الشّرق لاح

وقال وكان بإربل:

ترنّح من برح الغرام متيمٌعشّية جدّ البين والنوق ترزم
وأخفى تباريح الجوى ليلة النّوىوفي قلبه نار الأسى تتضرّم
وكيف يذود الهمّ أو يطعم الكرىوقد أعرق الحادي بهم وهو مشئم
ألمّت سليمى والظلام يجنُّهافتمّ عليها حسنها والتّبسم
تبدّت كبدر التّمّ لولا محاقةوكالشمس إلّا أنّها هي أعظم
أحلّت صدودي واستحلّت قطيعتيفوثلي على مرّ الومان محرّم

وقال وكان بعين القيارة في صحبة نفيس الدين أبي الفتح نصر بن عيسى بن جزري:

ساشكر دهري ما حييت مطالعاًتجلّت بقرب العين منك سعودها
يرنّحني شوقي إليها فأنثنيأعلّل تفسي أن تعود عهودها

/ ب/ وقوله:

سهم الفراق أصاب حبة قلبهلمَّا تعرّض للوداع لصحبه
وتزايدت أشجانه وغرامهلمّا سرت أيدي المطي بحبّه

وقال وكان بالعقر في بستان الزعيم الشربدار، وكان به بركة مليحة، وبها ماءٌ صافٍ وبطيخ وتفاح؛ وسئل أن يعمل في هذا المعنى شيئاً، وكان حال وصوله ونزوله هناك:.

يا بركةً جمعت معانيقد خصصت بهنّ وحدي
دمعى وخدّي عند ذكــر معذّري وصفاء ودّي

وقال، وكان فارق تاج الدين ابن خاله معين الدين – ﵀ بإربك وأقام على بعده بها، وضاق صدره لذلك:

/ أ/ تاج دين الإله إنّ اصطباريقلّ من بعدما ترحّلت عنّي
واعترتني نوائبٌ لو تفرًّغــت زماني لبثّها لم يسعني

وقال وكان مريضاً، وقد دخل إليه شيخه عبد العزيز ين أحمد بن هاجر، وكان قد صحبه، وختم عليه القرآن المجيد:

فيك عبد العزيز أضحى فؤاديلم يزل بين خيفةً ورجاء
أتخشى الفراق عند التّدانيوأرجّي اللقاء عند التّنائي

وقال وكان بإربل، في منزل ابن عمه أثير الدين أبي حامد محمد بن علي بن

الحسن بن العمراني:

لك البشرى فقد نجم السّعودبما تهوى وقد كبت الحسود
وقد نال الموالي ما تمنّىواعطته الأماني ما يريد
فلا زالت بك الأيام تسمووظلّ علاك مخضرٌ مديد

وله في خاله الصاحب معين الدين أبى القاسم: ب/ ابن أبي طالب بن كسيرات، بمنّى وقد حجّ عديله وكان يوم عيد النحر:

تهنّ بعيد النّحر يا خير صاحبٍله في المعالي طارفٌ وتليد
فلازالت الأيّام تأتي وتنقضيوأنت على رغم الحسود سعيد
ورأيك فيما تبتغيه موفقٌوفعلك في كلّ الأمور حميد
وضدّك مكبوتٌ وندّك خاضعٌوظلّت مخضرّ الجناب مديد
وقولك مسموعٌ وأمرك نافذٌويومك مهودٌ ودهرك عيد

وقال في المرحوم وهو بالطريق بالحجاز بديهة في تلك السنة:

حثّ المطيّ بلا فتوربالصّاحب المولى الكبير
وبذكره فتغنّ ليتخدي وتعنق في المسير
يا صاحا فاق الورىبالفضل والجود الغزير
يا من سحاب أكفّهيغني عن العام المطير
ويراعه تحمى بهقمم الصياصي والثّغور
فعطاؤه قبل السّؤال وعذره بعد
/ أ/ فاسلم ودم لا ساورتــك يد الحوادث في الدّهور
لازال جدّك ساميايلعو على متن الأثير
[ما غرّدت قمريّةٌوشدت على غصنٍ نضير]

وقال:

لازالت الأيّام تأتي بماتأمله أوحد العصر
وعشت في أمنٍ وفي رفعةمحروسة من غير الدّهر
ما لاح نجمٌ أو بدا بارقأو أنّ صبّ أو شدا قمري

وقال يهنئه بحلب، بالمدرسة في شهر شعبان من سنة أربع وعشرين وستمائة:

ولمّا وقفنا للوداع وأحدقتبنا أعينٌ للشامتين نواظر
رحلنا فغرّ بنا وراحوا فشّرقواوفاضت للوعات الفراق المحاجر
وسرنا وفي طرس النّفوس وجائعٌكوامن لم تظهر عليها الضّمائر
سرائر تبلى وهي تبقى مصونةًإلى يوم حشر فيه تبلى السّرائر
ولم نقض من أهل الوفاء شجونناولم تنجنا الأيّام ممّا نحاذر

وله أيضاً بحلب:

/ ب/ وأنّي إذا قلّ اصطباري عنكموزادت صباباتي بكم وهيامي
أحمّل وقد الريح إن سار ركبهمجداً إليكم لوعتي وغرامي
ويخفق قلبي نحوكم كلّما بداتألق برقٍ منجدٍ وتهامي
وأمنحكم صفو الوداد لأنّنيلمغرى بكم في رحلتي ومقامي
وقد صرت أهوى ذكركم من عواذليوأكثر إلمامي بهم لملامي

عبد الباقي بن محمد بن عليّ بن إسماعيل بن عبد الباقي بن محمد بن أبي يعلى بن عبد الله بن الخليل بن إبراهيم الوزير، أبو المظفر بن أبي جعفرٍ، البغدادي أصلاً، الموصليّ المولد والمنشأ.

كان قد أخذ من كلّ علمٍ طرفاً حسناً كعلم النجوم والهيأة والأقليدس، وله يد في

إنشاء الرسائل –وهب الغالب كانت عليه- وقرض الشعر، وكان ذا روية جيدة، وبديهة حاضرة، سريع الحفظ، يرجع إلى سماعه.

حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي –أبقاه الله تعالى- قال: أ/ وصل أبو المظفر عبد الباقي بن محمد بن أبي يعلى [من] الموصل إلى حلب في سنة إحدى وستمائة، وخدم الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب –رحمه الله تعالى- مستوفياً في الديوان، وكان ابن أبي يعلى يتوصل إلى الملك الظاهر يجمع الأموال، ويظلم له الناس، ويفتح له أبواباً يحمله على التعدّي على الرعية، ارتفع مكانه عنده، وعظم محله، إلى أن تفرد بأمر الديوان، وكان الوزير نظام الدين محمد بن الحسين –صاحب سر الملك الظاهر والمتمكن عنده- وكان يحسّن للملك خلاف ذلك من الإحسان إلى الرعية، وكفّ أيدي الظلمة، واحترام الأكابر، فاتفق موته، فقوي أمر ابن أبي يعلى بعده، ونفي شرف الدين ابن الحصين متولي ديوان الإنشاء، وصار بين [إبن] أبي يعلى وبينه عداوة في الباطن إلى أن مات ابن الحصين، فاستفحل أمر ابن أبي يعلى، وعظم شانه واستقلّ بالأمور كلها، ونظر في جميع أعمال الدولة، وأضاف الملك الظاهر إليه ديوان الإنشاء، ولم يزل كذلك إلى أن مرض الملك الظاهر، مرض موته، وأوصى بالملك بعده لولده الملك العزيز محمد ثم ب/ بعده للملك الصالح، وأن يكون الوزير ابن أبي يعلى على ما هو عليه، في خدمة ولده الملك العزيز، واستوثق ابن أبي يعلى من الأمراء بالأيمان على ذلك، وحدثته نفسه بأشياء انعكست عليه بعد ذلك.

كان الملك الظاهر لما مات جعل إبن أبي يعلى يظهر التيه العظيم الزائد والجبروت، ويأخذ نفسه بأمور الملك، ويكلّم الأمراء بكلام خشن؛ إنّ أتابك طغرل، سرّ إليه في أمر؛ فقال: وهو أيش هو خازن وليس له كلام في أمر الدولة؟

وقال للأمير سيف الدين بن أبي قليج في كلام جرى بينهما في تدبير أمر الملك: أيش هذه الصبيانية؟ حتى همّ به الأمراء.

وكان يمضي ويجلس في دار العدل، مكان السلطان ويقول: اطلبوا الحاكم –يعني القاصي بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم قاضي القضاة- ويكتب له

في التواقيع، وكتب بالإشارة المولوية الصاحبية الوزيرية، وبرسالة الأمير شهاب الدين طغرل إلى غير ذلك .. فاختّل أمره عند ذلك، وأجمع رأي القاضي القضاة وجماعة الأمراء على تولية أ/ الأتابك شهاب الدين، أتابكية الملك العزيز، قولي له جميع أمور الدولة والحكم فيها، وفي القلعة والخزائن والمدينة.

وأحضر إليه نواب الإنشاء والجيش والحجاب، وأمر ونهى، فاجمع رأيه مع الصاحب قاضي القضاة والأمراء على عزل ابن أبي يعلى، فعغزل به موت السلطات الملك الظاهر بعشرين يوماً، ولزم بيته ثم مرض، وأقام شهراً في مرض الداسنطاريا، وعوفي من المرض، فتقدم إليه بالخروج من حلب؛ فباع كتبه، وهيّأ أسبابه، وسار عن حلب في يوم السبت حادي عشر شوال من سنة ثلاث عشرة وستمائة.

وسار منها حتى مرّ منها على حرّان، وأراد المقام بها، والتعرض بخدمة الملك الأشرف، فلم يلتفت إليه، ومنعه من الدخول عليه.

وحكى لي الملك الأشرف أنه سيّر إليه يطلب خدمته؛ قال فتقدمت بأن ليس له في بلادي شغل، ولا له عندي مقام، وتقدمت بإخراجه، وكنت قد اجتمعت به على الطور في خدمة الملك العادل والدي ب/ وقد سيّره السلطان الملك الظاهر، فرأيت منه حماقة عظيمة فأبغضته، وانضم إلى ذلك ما بلغني عنه من تعسّفه وما اعتمده بعد موت السلطان الملك الظاهر، فمنعته من المقام في بلادي.

ثم إنّ ابن أبي يعلى سار إربل، غألزمه صاحبها الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين –رحمه الله تعالى- وأنزله عنده، ولكنه لم يستخدمه، وبقي في إربل مدّة أشهر.

ثم كاتب ملك الشمال كيكاوس، ورغب في الوصول إليه، فسار من إربل، وتوجّه إلى بلد الشمال، واجتمع بعّز الدين كيكاوس، ثم إنه مرض، وحكى لي بعض أصحابه: أن كيكاوس نزل إليه وعادة في مرضه، ثم إنه فارق كيكاوس وانفصل عنه، فتوفي في قرية من قرى بلاد الروم.

وكان إبن أبي يعلى سيئ المؤاخذة لكلّ أحد، قليل الصفح عمن جنى. يقابل أقلّ الناس على فعله.

وكان بحلب إنسان ظريف من ظرفاء المصريين، يقال له أبو عبد الله المصري الصوفي، وكان له اجتماع بالشرف إبن الحصين أ/ ويعرّض بمثالبه، فبلغه ذلك عنه، فأسرّه في نفسه إلى أن مات ابن الحصين فقطع معلومه الخانقاه، وبقي هذا المصري كذلك، إلى أن جرى لابن أبي يعلى ما جرى من خروجه من حلب، فخرج أبو عبد الله المصري، إلى ظاهر باب العراق، ووقف له حتى خرج سائراً من حلب، فتقدّم إليه وخدمه وقال له: في أمان الله، فجرى على إن أبي يعلى من ذلك شيء عظيم.

وحدثني الصاحب أبو البركات المستوفي –﵀ في تاريخ إربل من تأليفه؛ قال: كان إبن أبي يعلي مقيماً بالموصل مطّرحاً، فسافر إلى بغداد، فقيل إنه أراد ولاية المخزن الشريف الإمامي الناصري، فلم يجب إليها، فرحل إلى الشام، وأقام بحلب، وصار من أعيانها، متولي النظر في ديوانها، فلم تكن له الحظوة، حياة أبي المؤيد محمد ين الحسين الطغرائي، إلى أن توفي –رحمه الله تعالى- فتقدم عند الملك الظاهر مدّة حياته، فلما توفي لم يستقم له بعده أمر فورد إربل ب/ فتلقاه السلطان مفر الدين، بضروب الإكرام وصنوف الإنعام مدّة مقامه بإربل، ثم سافر إلى بلد الروم فتوفي به.

وحدثني أيضاً؛ قال: كتب إلى ابن أبي يعلى بخطّه لغزاً وضعه في صفة بيضة في شعبان سنة أربع وستمائة بحلب المحروسة. وحدثني من حمله إلى عنه أنه قال: لم يقدر أحد على حلّه، فلما حللته تعجب من ذلك وهو:

"ما شيء من الحيوان وهو شبيه بالجمادات، نبطي الأصل والنجار، موجود في البلاد والأمطار، مكنون في الصدف، ليس بحيّ، ولا ميت وهذا من الظرف، وطبائعه مختلفة، والعقول بفضله معترفة، باطنه تبرٌ سائل، وهو في نوعه متفاضل، إذا شق لحاه غدا مفردا، وأضحى على العبادات منبّها ومسعدا".

وحدثني، قال: حدثني غير واحد عنه، أنه حدثه عنه، أنه رآني في المنام ليلة الاثنين من ذي الحجة من سنة ست عشرة وستمائة، كان بقلعة حلب في مجمع كثير من الخلق، وفي آخر المجلس شخص أسمر كثّ اللحية متكهل أ/ لابس ثوب فوط، وهو يتكلم ويدعو للملك الظاهر –﵀ ثم رفع يديه إلى السناء، وأشار

بوجهه، وأنشد:

يا عالم الباطن والظاهرأغفر لغازي الملك الظاهر
واسكنه في روض وفي جنّةمع النبيّ المصطفى الطاهر
واكتب له مشهد آبائهأيّوب ثمّ الملك النّاصر

ولما مات ببلاد الروم، مات بقرية يقال لها كادك بين فيسارية وسيواس في اليوم السابع عشر من رجب سنة ثلاث وستمائة، وحمل إلى الموصل، إلى صحراء عناز فدفن بها، وقبره هناك؛ وألّف كتاباً سمّاه "نخبة الكلم وروضة الحلم".

أنشدني ولده علي، قال: أنشدني والدي لنفسه ما كتبه إلى بهاء الدين أبي الفتح نصر بن محمد بن القيسراني، على سبيل المداعبة والإحماض:.

يا أيّها الصّدر الكبير البهاومن غدا حلف الحجى والنّهى
إن كان ذا التّأخير عن موجببأغيد مقلته كالمها
/ ب/ فالعذر مقبولٌ بألحاظةًإذ كان رؤيا مثله تشتهى

وكتب إلى نور الدين أتابلك أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –صاحب الموصل-:

أحييت بالوعد آمالي فبت لهعلى رجائك مسروراً بما أثق
وعزّ دوني بابٌ ضاق مسلكهفناب شعري لمّا عزّت الطّرق
سبقت كلّ البرايا في محبتّكمحتى وثقت بسبقي دون من سبقوا

ووجد على جزء بخطه؛ لما خرج من حلب، وكان ذلك بعد وفاة الملك الظاهر، وصاحبها يومئذ وهو طفل مرضع، وأتابك العسكر خادم يقال له شهاب الدين طغرل:

أقول وظنّي أن لا يعوالأنهم حمرٌ رتّع
كفى حلباً وكفى أهلهامصاباً حوادثها الأربعاء أتابك عسكرهم خادمٌ ... وسلطان ملكهم مرضع
رئيسهم قاطعٌ في البغاوعن نيل مكرمة اقطع
/ أ/ فقوّض خيامك عن أرضهمفإنّ مقامك لا ينفع
فما أنت من شرّهم آيسٌولا لك في خيرهم مطمع
تأنّ رويداً فعمّا قليلترى أسعد القوم من يصفع
فجارهم مثلما قد علمتوحقّك من أشعب اطمع
يحصّل ما ليس من صيدهويحصد ما لم يكن يزرع

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.