تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد المنعم

عبد المنعم بن عمر بن عبد الله بن أحمد بن خضر بن مالك بن حسان، أبو الفضل الغساني السِّندي الجليانيُّ الحكيم الأديب.

كانت ولادته بقرية، تدعى جليانة من قرى غرناطة من مدن الأندلس، في سابع المحرم سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.

/ ب/ وكان صاحب رياضة وحكم ومعرفة قويه بالبِّ والأدب والعروض والنحو؛ وله تصانيف في علم الرياضيات والتشريح.

وكان شاعراً مطيلًا متوسعًا في الشعر، طاف البلدان واخترق الآفاق، ثم سكن بأخرة في دمشق في أيام الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذى - رضى الله عنه -، وتوفي بها في صفر سنة إحدى وستمائة.

انشدني شيخنا أبو الخير بن أبي المعمر التبريزي المحدثِّ؛ قال أنشدني الحكيم أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني ﵀ لنفسه، يمدح الملك الناصر صلاح الدين، ويهنئه بفتح بيت المقدس؛ وكان فتحه السبت السابع والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - حرسه الله تعالى وحماه بمنِّه ولطفه -:

لقد أوسع الله الفتوح بعامناوخيَّس منها المصعب المتابدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
أمورٌ نبت عنها العقول وأذعنتبأنَّ اختصاص الحظِّ لله موحدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
/ أ/ تحرَّك شخصا حرَّك الأرض جائلاًوهزَّ من الشُّهب الذَّوائب مصعدا
ولقَّبه بالنَّاصر الملك يوسفونقَّبه نور المهابة سيَّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
والهمه حسن الشمائل مجملًاوفهَّمه أسمى الفضائل محمدا
يزيد على عظم المرام تواضعًاويدنو على بعد المقما تودُّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
أتته وفود الخافقين فعاينواحلى مالك قد أتلع .... فرقدا
ينوِّع أثناء النهار سياسةويقطع آناء الدُّجى متهجِّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
ويرمق أحوال المدائن حافظاًوينفق أموال ... فتنفدا
أحاط بملك الأرض خبراً وقوةًوحاط ضروب الخلق خيراً ومرفدا
فوفَّى بفضل من قضاياه مترعًاوأصفى لكلِّ من عطاياه موردا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
وأروت نفوس السائلين بنانهفلم أدر بحراٌ مدِّ للناس أم يدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
سا بحسام واسترقَّ بأنعموما المجد إلاّ في الشجاعة والنَّدى
فنمدحه حبًا ويعي تبرعًافيعجزنا شأواً ويشأى ممجَّدا
رأيت علاه مالهامثلها ... بدائع نظم وامتداحاً مخلَّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
فقلَّدته سلكًا عزيزاً وجودهكما لم نجد ملكًا يضاهي المقلَّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
كذا فليكن صوغ القريض مسمَّطًاتفاصيل إعجاز ووشيًا منجَّدا
/ ب/ ولفظًا كما تحكي الدَّراريُّ تحتهمعان كما ترمي الأشعة أنجدا
قرائن أحوال ومعلم سيرةوحكمة أمثال وعلمًا منضَّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
إذا الشِّعر لم يحك العلوم فقد حكىجعاجع أصوات ولغواً مفنَّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
ولولا اصطناع الحلم لم يك باقلٌليحضر في ميدانً سحبان منشدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
لاوجه أرباب السماح طلاوةٌتعلِّم طلاَّب النجاح التَّرددا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
وقيمة قدر الشيئ قيمة ذكرهفما راق وصفًا فاق صيتًا منددا
وهذا مليكٌ أمره غيث عصرهفسيرته تبقى حيّاً متورِّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
فيسقى بها الظَّمان للعلم مسنتًاويرقى لها الدَّيان في الحكم مسندا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
ينال الفتى بالصبر مقسوم حظَّهوكم جاهد في الحرص ما نال مقصدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
عجبت من الأيام تطوى كمائنًاإذا انتشرت أعيت نجيباً ومنجدا
وكنت أرى ذا الفتح من قسم يوسففلله ذاك القسم ما كان أسعدا!
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
ولله يومٌ هلَّ فيه ولادةٌلقد اب مولوداً وبورك مولدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
لفى مطهراً من هَّر القدس واحتوىبني أصفر سبيًا وقتلاً تعمُّدا
هو المسجد الأقصى وهم شوكة الوغىفما كان لولا الله يخلص معبدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
/ أ/ هنيئاً لبيت القدي ألآن طهرهوللنَّاصر المنصور غبطته غدذا
فيا خير ممدوح وأطهر مجتبىوأسعد ممنوح وأبهر محتدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
مديحك أحلى في فمي من جخى المنىومن طعم برد الماء عذبًا على الصَّدى
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
وأشهى سماعًا من حديث حبائبيلدُّ لها عهد الصِّبا متجدَّدا
أسامر فيك الشِّعر مستمتعًا بهفأبسطه بسط الحميَّة في النَّدى
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
أودُّ لو أنَّ البيت ألف قصيدةوكلُّ قصيد ألف حزب تردُّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
وكيف اقتصارٌ في مدائح يوسفوقد بذَّ غايات السَّوابق في المدى
سرى وهو نورٌ قاهرٌ بلطافةًوحلَّ بن صوت العلا فتجسَّدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
ولو لم يلح للناس ما علموا فتىسما كلَّ عال وهو يرتاد مصعدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة
فكل ابتداء في معاليه منتهىوكلُّ انتهاء في تعاليه مبتدا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، اقرأ القصيدة

وأنشدني قاضي اليمن لعبد المنعم بن حسان:

يا ساهراً في اقتناء علمبخطب منه مقام محكم
للشاعر الغساني الجلياني، اقرأ القصيدة
لا تطلب العلم في كتاببل وسِّع الكمَّ ثمَّ عمِّم
والبس منطيلسانًا ... واعقده بالمنكبين واختم
واقعد مع القوم في جداللا بالبخاري ولا بمسلم
/ ب/ إلّا صياحًا ونفض كمٍّوجمع لا لا وعقد لم لم
وما أرى بينهم علوماًاكثر من لا ولا أسلِّم

وقال أيضًا:

عجبت لخططوة حصلت لقومتعاف سلوكهم همم الرَّجال
لهم زيٌّ وألقابٌ عظامٌوهم في الجدِّ من همج الرِّجال
ونالوا ما أرادو بالدعاوىكما نال المبرِّز في الخصال
فقد ضاع اجتهاد أخي التَّحرِّيإذا حصل التَّقدم بالمحال

وقال وأنشدني عنه الشيخ حافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي؛ قال أنشدني عبد المنعم لنفسه؛ وقد سئل عن إعراض زيارة الأكابر والرئساء:

قالوا نراك عن الأكابر تعرضوسواك زوَّارٌ لهم متعرِّض
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «قالوا نراك عن الأكابر تعرض»
قلت الزِّيارة للزمان إضاعةٌوإذا مضى وقتٌ فما يتعوَّض
إن كان يومًا لي إليهم حاجةٌفبقدر ما ضمن القضاء تقيَّض
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «قالوا نراك عن الأكابر تعرض»

/ أ/ انشدني شهاب الدين القوصي، بمنزله المعمور بدمشق في المحرم سنة أربعين وستمائة. أنشدني عبد المنعم الحكيم لنفسه:

اشدُّ بلاء الرجال النسابهم أبدا الدهر منهنَّ داء
إذا ما بعدن فعيشٌ يسوءومهما قربن فنفسٌ تساء
يكلفن ذغ المال ما لا يطيقويلزمن ذغ الحال ما لا يشاء
ويقضين لابدَّ ما يشتهينولو ان حارسهنَّ القضاء

وأنشدني، قال أنشدني لنفسه:

قالوا نرى نفراً عند الملوك سمواوما لهم همَّةٌ تسمو ولا ورع
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «قالوا نرى نفراً عند الملوك سموا»
وأنت ذو همَّة في الفضل عاليةفلم ظمئت وهم في الجاه قد كرعوا؟
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «قالوا نرى نفراً عند الملوك سموا»
فقلت باعوا نفوسًا واشتروا ثمنًاوصنت نفسي فلم أخضع كما خضعوا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «قالوا نرى نفراً عند الملوك سموا»
قد يكرم القرد إعجابًا بخسَّتهوقد يهاب لفرط النَّخوة السبع
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «قالوا نرى نفراً عند الملوك سموا»

وأنشدني: قال أنشدني من شعره:

إن قيل من فحل الرجال فقلت فيمستحكم الأقوال والآراء
ذربٌ بتقليب القلوب مجاذبٌللنافرات بألطف استهواء

/ ب/ وأنشدني أبو الفتوح بن أبي الغنائم بن أبي بكر البغدادي؛ قال أنشدني عبد المنعم بن عمر الجلياني لنفسه بحلب:

وصفراء لولا نفحها ومذاقهالقلت نضارٌ في الأباريق ذائب
للشاعر الغساني الجلياني، اقرأ القصيدة
من الماء فيها للحباب عمائمٌوللنُّور منها في الأكف ذوائب
للشاعر الغساني الجلياني، اقرأ القصيدة

وقال أيضًا:

حاول مفازك قبل ان تتحوًّلافالحال آخرها كحالك أولا
إنَّ المنيَّ من المنيَّة لفظةليدُّل في أصل البناء على البلا
للشاعر عبد المنعم الجلياني، من قصيدة «حاول مفازك قبل أن يتحوّلا»

ومن شعره يقول:

وقائلة كيف استطعت تجلُّداًلضحك فلان وافتراء فلان
فقلت لها يا هند لو كنت ناظراًإليهم مضى بين الفصول زماني
حعلت بني الدنيا جميعًا لواحدوقد حلَّ فيه الموت احة فاني
وماذا عسى أن يغني الموت وهو فيتقاذف أمواج من الحدثان
فشمَّرت ذيلي عنهم متحلِّياوألقت فيما قد عناني عناني
ولم ألتفت إن أعرضوا او تعرَّضواأو اعترضوا مستهزئين
/ أ/ أرى مدحهم سهواً وذمهم سدًىوهل ذو نهى يصغي إلى الهذيان
فلو حصَّنوا الأوقات كان سلوكهملتصحيح فعل او صفاء جنان
ولو شعروا في خصلة بفضيلةلما نطقوا في فضله بلسان

وقال أيضًا:

قالوا رموك ببهتان فقلت لهميا هند لو عقلوا لم يرتضوا الفندا
ما العاقل الحرُّ من تنسى معائبهوقد حضرن ويغتاب الَّذي بعدا
قالت: فما لك لا تنفي اعتراضهموتدفع الوهم عمَّن ساء معتقدا
فقلت لي شغلٌ عنهم ولو شغلتنفسي بهم صرففت عن نهج من رشدا
إن كان دينهم يقضي لهم حسدافديننا يقتضي أن ننفي الحسدا
إن أدرك المرء ما الإحسان ما وعدافما نبالي بمن رام الأذى وعدا
وليس منا فتى للعرض منتصرٌلسوء سعي ولا ماَّا فتًى حقدا
وكل نفسٍ لها شأنٌ ومنبعثٌوغايةٌ نصبت ..... لها أمدا

وقال أيضًا:

قالوا نحجُّ البيت قلت يجوزقالوا متى قلت القضاء عزيز
لولا الرِّيا ما حجَّ أكثر من ترىمن ذا بإخلاص الضمير يفوز
/ ب/ فيالحجِّ أخطارٌ غنيٌ رُّبناعن فعلها والشرع والتمييز
حشر اللصوص له كحشر حجيجهفبكلِّ شبر قاطعٌ مركوز
في يثرب جهراُ وفي أم القرىيسبى كريم المال وهو حريز
وعلى الظَّواف وفي الآل والورى...... للصوص حفيز
حرم لدى حرمفتصدُّ عن صدر الكعاب عجوز
وعزيز وفر جاء مكَّة فانثنىوالعزُّ عنه والعنا محجوز
وتشاغلٌ وقت الصلاة وفتنةٌوتقاطع وتدابرٌ ونشوز
ولو انَّه أمنٌ وبرٌّ خالصٌفبعشره الجمَّال ليس يحوز

ورأيت له كتاباً مشجراً، ترجمه: ب "منادح الممادح" وروضة المآثر والمفاخر من خصائص الملك الناصر" يعني صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي –رحمه الله تعالى – وهو يحتوى على نظم ونثر، جعله منطويًا على أثنتي عشرة مدحةً وهو غريب في وضعه جداً.

/ أ/ حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحنفي – أيده الله تعالى -؛ قال: أخبرني السديد بن عمر القفصي؛ قال كان عبد المنعم الجلياني قليلًا ما يمتدح الناس، وكان يمدح الملك الناصر جالسًا، وعمل له كتابًا في مدائحه مشجراً، وكان السبب الَّذي دعاه إلى عمله، أنَّه لزمه دين مقداره ثلاثمائة دينار، وعمل في هذا الكتاب مشجرات في مدحه، وحمله إليه، فلما وقف عليه لم يهتد إلى قراءته، فطلب عبد المنعم ليحَّل المشجرات، وكان بحضرته إنسان يقصده، لم يسعه عند طلبه إلا إحضاره. فلما حضر حلَّ له المشجرات، فاستحسنها وساله عن حاجته؛ فقال: علي

دين أطلب قضاءه، فتقدم إلى الديوان أن ..... بدينه، فلما خرج؛ قال له ذلك الرجل الَّذي يقصده: هذا عليه ثلاثمائة دينار! فأمر الديوان أن ..... ثلاثمائة دينار، ويطلق له ثلاثمائة دينار أخرى. فأراد ذلك الرجل أن يضره فنفعه.

وقال القاضي؛ وسألت السديد عمر عن حاله فوصفهخ بالفضل والعلم؛ قال لي: وكان يميل إلى الحكمة.

/ ب/ وكان كاتبًا في بلاد المغرب للوزير عمر، فرجد عليه فضربه ثمانين سوطًا، فكان ذلك سبب خهروجه إلى هذه البلاد.

وحدثني القاضي أو القاسم، قال: حدثت عن عبد المنعم انه كان في مجلس الملك الناصر صلاح الدين؛ فقال له القاضي الفاضل ليغضّ من قدره نسبته إيّاه إلى قرية: كم بين جليانة والمريّة؛ فقال مجيبًا له في الحال: مثل ما بين بيسان وبيت المقدس.

قال أبو محمد عبد الرحمن بن بركات بن شحاتة، سمعت الأمير أبا الحسن علي بن إيداش يقول: سمعت عبد المنعم الجلياني يقول: لبست البلاس فعاتيني بعض أهلي على ذلك؛ فقلت:

وقائلة لم لبست البلاساولم تره قبل هذا لباسا؟
فقلت لها لو رأيت الَّذيرأيت لخالفت هذا القياسا
ولي بالرِّياض وربِّ الحمىحبيبٌ حمى مقلتيَّ النُّعاسا
أخاف إذا ما رأى لبستيسوى جبَّة أن يراها التباسا
ويحسبني ناسيًا عهدهوبئي الحبيب حبيبٌ تناسى

/ أ/ قال أبو الحسن القطيعي: أنشدنا عبد المنعم لنفسه في الشوق:

عيَّروني بأنني مستهامولمثلي يلذُّ فيك الهيام
شوَّقوني إليك ثمَّ تولواعجباً كيف أيقظوني وناموا
ونديم سقاني السِّر صرفًافسكرنا وليس ثمَّ مدام
حثَّ كأسًا ممَّا هناك دهاقًافاستطارت لدورها الأحلام
أين أهل الأذواق قوموا فشقُّواكلَّ جيب فالآن طاب المقام
نسمت من حبيبنا نفحاتٌفعلى العيش بعدهنَّ السَّلام

عبد المنعم بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الحسين، أبو محمد بن أبي البركات الموصليُّ، المعروف بابن الشَّيرجِّى.

كان والده متقدمًا في الفقه، على مذهب الإمام الشافعي – رضى الله عنه – وابنه هذا أبو محمد كان فقيهًا جيداً، عالمًا فاضلًا من أهل الصلاح والدين، قرأ على والده الفقه، وروى شيئاً من الحديث عن أبى بكر محمد بن علي / ب/ بن ياسرؤ الجيّاني الأنصاري، وسمع عليه جماعة، وكان يقول المقطعات من الشعر في الآداب والحثّ على طلب العلم، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الفن.

أنشدني الخطيب أبو النجا يالم بن عمر بن سالم الموصلي، قال: أنشدني أبو محمد عبد المنعم لنفسه:

قول الفتى لا علم لي بالذيسألتني من جملة الفضل
وما على العالم في قول لاأعلم من قوم ولا عذل
والجاهل الآنف من قول "لا"مخالفٌ للشرع والعقل
قد قال عن إبن أبي طالبوابن عبَّاس أولو النَّقل:
إنهمالم بأنفا قولهافكيف يأبى قولها مثلى

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:

ليس للعلم غايةٌ يقف الطَّالــب عند التَّحصيل يومًا عليها
طالب العلم كلَّما ازداد علمًاألبسته العلوم شوقًا إليها
شرفت نفس عالم تطلب العلــم لتحوي علم الرجال لديها

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه:

/ أ/ سأطلب العلم في الآفاق مجتهدافالعلم بحرٌ وفيه الدُّرُّ مستتر
يا صاحب العلم لا تبغي به بدلاًفالمال يفنى وكنز العلم مدَّخر

وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفيه:

صغير ما تجهله عندماتسأل عنه بين جمع كبير
لا تحتقر فائدة لم تكنعندك أن تأخذها من صغير
فالعلم مثل القطر في لطفهتمَّت ينمو منه بحرٌ غزير

عبد المنعم بن عبد العزيز أبي بكر بن عبد المؤمن، أبو الفضل القرشي العبدري الاسكندري، المعروف بابن النَّطرونيِّ.

والنرون هو البورق، يكون بنواحي مصر.

كان فيها عالمًا فاضلًا فرضيًا حاسبًا خيراً، متفننًا في علم العربية والتصريف، قيِّمًا بعلم الأدب واللغة، شاعراً مدَّاحاً إمامًا في الشعر.

سافر إلى الملوك، وامتدحهم وسيَّر فيهم مدحًا كثيراً، وكان قد مضى / ب/ إلى ..... في رسالة بإفريقية، فحصل لع منه عشرة آلاف دينار مغربية، فرَّقها جميعها على معارفه وأصدقائه.

وتوجَّه إلى العراق، فأقام ببغداد مسترفداً على عادة الشعراء، فمدح الإمام أمير المؤمنين الناصر لدين الله – رضى الله عنه – وأنعم عليه إنعامًا وافراً، وتعلَّق بخدمة ديوان الخلافة، وصار أحد شعرائه، وولي رباًا بجانبها الغربي، يعرف بربا العميد شيخ الصوفية، وناظراً في وقفه ومصالحه، إلى أن مات ليلة السبت خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، ودفن في الشُّونيزيّ – رحمه الله تعالى -.

ووجدت له كتابًا بخط يده، ترجمه "النبذ الأبريزية في المدائح العزيزية" تحتوي

على ذكر نفر من الشعراء الذين امتدحوا الملك العزيز أبا الفوارس طغتكين بن أيوب بن شاذي، وختم الكتاب بقصيدة من قيله.

أنشدني أبو يوسف يعقوب بن علي بن نصر الله الموصلي؛ قال: أنشدني أبو الفضل عبد المنعم بن النروني لنفسه يمدح / أ/ اتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آق سنقر –صابح الموصل ﵁:

ماقبل العاشق ممَّن نهاهولا درى الغافل ما قد جناه
ولو درى من تاه في حسنهأنَّ لمن يهواه جسمًا أتاه
هيهات يبقى جسمه بعدماضاعف في يوم نواه جواه
يا قوم ما أقرب يوم النَّوىوأبعد المشتاق ممَّن نواه
ليت زمانًا كان عهدي بهمن قبل أن يجفو جفاه كراه
يزورني وهنًا فأشكو لهوإنَّما يشكو المعنَّى عناه
وكيف لا يشكو الهوى مدنفٌهوانه أيسر ما في هواه
ومن يبت مثلي قريح الحشالم ير يومًا لأساه أساه
وفي الحمى ذو عبث لم تزلجوارحي مجروحةً من أذاه
ظبيٌ من التُّرك لبه مقلةٌتغنيه في يوم الوغى عن ظباه
كأنما قامته صعدةٌأو غصنٌ معتدلٌ من نقاه
لو أنَّه قابل شمس الضُّحىرأيتها في خجل من سناه
/ ب/ شهدت أنَّ الشَّهد في شغرهولم أن بالله ممَّن جناه
لكنَّني أعلم أنَّ الجوىشفاؤه ما قد حوته الشِّفاه
يا حاديًا بات بنا ساريًاوالعيس لا تسأله عن سراه
في جنح ليل لو بدا صبحهلكاد يخفيه علينا دجاه
ومهمه متَّسع خرقهفيه عزيف الجنِّ عال صداه
قل لمطًايانا إذا ما اشتكتطول السُّرى أو قطع عرض الفلاه:
إذا وصلنا الموصل استبشريويمِّمي درا أرسلان شاه
أتابك الملك الَّذي لا يرىخير ملو الأرض من لا يراه
العالم العادل بين الورىإلَّا على ما قد حةته يداه
من قاس بالبحر ندى كفِّهفإنِّه عظَّم قدر المياه
ومن يشبِّهه بأسد الشَّرىفإنه من أمره في اشتباه
ملكٌ إذا عدَّدت أهل العلارأيتهم قد قصَّروا عن مداه
راحته فيها لمن أمَّهراحته بين الحيا والحياه
وكفُّه كفَّت صروف الرَّدىوشتَّت بالبطش شمل العداه
مهذَّب الآراء ذو همَّةتبلغ بالأمن إلى منتهاه
/ أ/ سار على سيرة آبائهفي حلمه عنء قدرة والأناه
وقام بالملك قيام الألىقد أسسوا المجد وشادوا بناه
قالناس فيه بين داع لهوشاكر ما عنجه من نداه
يا ملكًا موطنه في الثرىوفوق أفق النجم سامي علاه
ومن إذا أقبل في موكبتزاحمت فوق التراب الجباه
أنت الَّذي لله في ملكهسريرةٌ يظهر منها هداه
أنت الَّذي لم يحو ما قد حوىمن العلا والمجد ملكٌ سواه
أنت الَّذي اختار صلاح الورىفاختاره الله لهم واجتباه
مولاي نور الدِّين خذ ضرمةًقد خلع الحسن عليها حلاه
وقد أتت باسمك موسومةًووسمها باسمك عزٌ وجاه
وما أراها بلغت مقتضىوصفك بالمدح على مقتضاه
فابسط لها عفوك إن قصَّرتفإنه ما زال رحبا ذراه
واهنأ بعيد أنت عيدٌ لهوواجبٌ فيك علينا هناه

ونقلت من خطِّه قوله يمدح العزيز أبا الفوارس / ب/ طغتكين بن أيوب بن شاذي:

ما لداء الهوى الدَّفين دواءفليقل عاذلي إذاً ما يشاء
كيف أيلو الهوى وللبيض... ما لقلب من أجلها سوداء
صاح إن كنت بالمدامة غرَّاًفأدر إنَّ الملام لي أغراء
بادر العيش فالتفاوت في الفرصة والناس في المنى أكفاء
لا تكن وانيًا عن السير في اللَّهــو إذا أشرقت لك الصَّهباء
إنما لذَّة النَّديم مدامٌوغناءٌ وروضةٌ غنَّاء
شعشع الراح فهي ويك النَّفــس وفيها لكلِّ جسم عناء
وأجلها في الكأس فهي نجومٌكلُّ أرض تدار فيها سماء
واسقنيها محروسة من أذى المزج فما يطرب العقول الماء
واستبق للسُّرور في مجلس فيــه سريرٌ يعزى إليه العلاء
واغتنم فالزمان فيه هناءٌللبرايا وللغرير بقاء
ملكٌ ربعه خصيبٌ وداعيــه مجابٌ ووعده إيفاء
كل يوم له التفاوتٌ لراجيــه وفي كلِّ ساعة إعطاء
لا تقس بالبحار نائل كفَّيــه فما إن لخنصريه كفاء

/ أ/ ومنها قوله:

هممٌ تفضل الوجود وقدرٌدون أدنى غاياته الجوزاء
وعلاً لا ينالها الدَّهر راجٍوندى لا يخيب فيه رجاء
سعدت أولياؤه بأياديــه وخابت بعزمه الأعداء
شهدت بالنَّدى له العرب والعجــم وسارت بفضله الأنباء

بهرت واصفيه أوصافه الغرُّ فماذا تقثوله الشعراء

ومنها يقول:

هكذا هكذا تكون السجاياهكذا هكذا يكون الثناء
فيك سيف الإسلام ما أعجز الدَّهــر فما أنت والملوك سواء

دمت في عيشة تطيب وقدر لا يسامى وغبطة لا تساء

وبلغت الَّذي تؤمِّل في الدَّهــر ونالت عدوَّك الاواء

وأنشد في الصاحب الوزير القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم القفطي، قال: أنشدني عبد المنعم بن النطروني لنفسه / ب/ بقفط، يمدح الأعَّز يوسف بن صالح بن مهدي – قاضي فقط -:

تقبلَّته في قلبة حين أسعفاوقبَّلته لمَّا وفى لي إذ وفى
وعاتبته إذ لاح بدراً مكملاًوعانقته إذ ماس غصناً مهفهفا
وعاينت من خدَّيه لمَّا تورداعذارين من أس وورداً مضعَّفا
أقيما له عذري عليَّ وعندهولا تحسباني بنت عن أرضه جفا
وإن أنتما سوئلتما عن قضيتيفقولا جميعاً راح يقصد يوسفا
هو الماجد النَّدب الَّذي من يؤمهيؤم أعم الناس برَّاُ وأشرفا

عبد المنعم بن عليِّ بن نصر بن منصور بن هبة الله النهريُّ، أبو محمد الحرَّاني، المعروف بابن الصَّيقل.

كان من فقهاء الحنابلة، عالمًا واعظًا، أخذ الفقه عن أبي الفتح نصر بن فتيان بن مطر الحنبلي الفقيه المعروف بابن المنى النهرواني، وسمع الحديث من أبي الفتح بن برشاتيك وأبي السعادات ابن زريق وتكلم / أ/ في الوعظ، وكان متديناً وراعًا، سكن بغداد إلى أن توفي بها يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول سنة إحدى وستمائة، ودفن بباب حرب.

أنشدني أبو الفضل عمر بن علي بن محمد بن يحيى بن هبيرة حرّان، وأقمت بمصر في صدر كتاب:

وكنَّا نرى حرَّان أطيب منزلفمذ غبتم عنها استبانت عيوبها

وبان لنا صدق الَّذي قال قبلنا: هوى كلِّ نفس حيث حلَّ خبيبها

وقال يرثى شيخه أبا الفتح أبن المنيّ:

إن روَّق الليل جافى الجنب مضجعهيبكي بمدع غزير واكف هطل
وإن بدا مشكلٌ في الشرع منغلقٌأتى به ظاهراً فوراً على عجل
فرحمة الله تتلوه وتنقلهإلى الجنان وهذا غاية الأمل

عبد المنعم بن نصر الله بن أحمد / ب/ ن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حواريِّ بن حطَّان بن المعلى بن حطَّان بن سعد بن زيد بن لوذان بن غنم بن الساطع، وهو النعمان بن عدِّ بن غطفان بن عمرو بن شريحٍ، أبو الفضل بن أبي الفتح التنوخيّ.

أصله من معرّة النعمان، وهو دمشقي الولادة والمنشأ، فقيه حنفي عالم بالخلاف ومسائله، ..... لأصحاب أبي حنيفة (رضى الله عنه) وسمع حديثاً كثيراً بالشام، وكان يعظ الناس على المنبر، ويحفظ القرآن، وعرف تفسيره، وشخص إلى الديار المصرية، فتوفي بها في أحد الربيعين سنة تسع وعشرين وستمائة، وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.

وكان منقطعاً إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن محمد بن أيوب -صاحب دمشق- وبعده لأخيه الملك الأشرف مظفر الدين موسى.

أنشدني نصر الله ولده بمدينة إربل؛ قال: أنشدني والدي لنفسه يمدح الملك عيسى:

إنِّي عتبت على العهاد بحلِّقفأجابني ودموعه تتقاطر
كيف القفول إليكم ومليككمعيسى المعظَّم وهو بحرٌ زاخر

/ أ/ وأنشدني؛ قال: أنشدني فيه أيضاً يمدحه:

أحيا النفوس بإحياء الرَّجاء لهافلم يشكَّ الورى في أنَّه عيسى
وكم له من يدٍ بيضاء قد ظهرتللناظرين فقالوا إنَّه موسى

عبد المنعم بن صالح بن أحمد بن محمد التيميُّ القرشيُّ الاسكندري النحويُّ الأديب.

إمام كامل ذو فنون من العلوم، متوحد فيها، نزل تمصر وهو بها مقيم، يقرئ العلم والأدب، ويفيد الناس، وهو رجل مطبوع المعاشرة، طريف الجملة والتفصيل، له شعر حسن في الهوجو.

أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عبد الله إبراهيم الأسكندري؛ قال: أنشدني أبو الفضل صالح بن أحمد بن محمد التيمي النحوي الأسكندري لنفسه، في وزَّان كان بين يدي صفي الدين عبد الله بن علي بنشكر المصري، وكان اسمه "حسناً":

يا حسناً نونه مقدَّمةٌفلا رعا الله من يؤحِّرها
/ ب/ كلُّ أيادي الصَّفيِّ صافيةٌلكنَّ وزَّانها يكدِّرها

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في إنسان يعرف بالهدهد جاءه ولدٌ أسود:

قد ولد الهدهد أعجوبةًغراب نوحٍ أسوداً حالكا
ما صدق الهدهد فيما ادَّعىبل كذب الهدهد في ذلكا

وأنشدني؛ قال: أنشدني عبد المنعم لنفسه في إنسان يعرف بالتالحيب بن شكر؛ قراءته على خر الفيل أبي الحسين:

ذا التَّالحيب بن شكر في قراءتهعلى خرا الفيل معنًى غير مشكول
ما كان يغمز منه طول لحيتهوعرضها أبداً إلاَّ خرا الفيل

وقال في الشرف بن الحباب –قاضي ثغر الإسكندرية- من قصيدة أولها:

وماذا على البين الَّذي كان جائراًإذا ما تعدِّى الجور فينا إلى العدل
شفانا من البين اجتماعٌ من الشَّملفصلنا على جيش القطيعة بالوصل

//

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.