تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد القاهر

/ ب/ عبد القاهر بن الحسن بن عبد القاهر بن ثمامه بن الحسين بن شجاع، أبو القاسم بن أبي عليٍّ الكلبيُّ، المعروف بابن المطهَّر.

كان في أجداده من يلقب بالمطهَّر، اصله من حماة وجدّه عبد القاهر، كان خطيبها، وبنو عمَّه قضاتها. وأبو القاسم ولد بدمشق في حدود سنة اثنتين وستين وخمسمائه؛ قرأ الفقه بها علي القاضي محيي الدين، واشتغل بالخلاف علي الخطيب الدولعي، وسمع الحديث علي ابي المفرج الثقفي وغيره، وعنده فضل، ويقول شعراً حسناً.

شاهدته بدمشق بمسجدها الجامع شرقيه، يكتب بها المشروط، وهو أحد عدولها المتميزين، شيخنا كبيراً، طلق اللسان، وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائه.

ووجدته كثيراً ما يشكو من الزمان ويتظلم من أبنائه، وخبِّرت أنه كان في أيام الملك المعظم عيسي بن أبي بكر أ/ ابن أيوب - صاحب دمشق - بخير وحسن حال، وله ثروة ويسار متجمِّلاً يتولي الأمر ناظراً فطمحت نفسه، وامتدت يده في مال السلطان، فتناول منه فوِّبخ عليه وحبس وصودر، فاستوصل منه عشرة آلاف درهم، فتضعضع امره، ورقت حاله، وأثَّر الفقر عليه، وهو يجتدي بشعره صدور دمشق فيثاب علي ذلك بأنزر شئ وأطفِّه فيقنع به.

وقيل لي عنه: إنذَه يبيع لمنتحلي صناعة الشعر قصائد من نظمه ليمحوا بها الناس بأحقر ثمن، يبعثه على ذلك قلّة ذات يده، والحاجة والإملاق، فالله تعالي يغنينا بفضله عمن سواه، إنَّه جواد كريم.

فارقته بدمشق وهو حي يرزق في سنة اربعين وستمائة، وذُكر لي انه لحق باللطيف الخبير.

أنشدني من شعره في التاريخ المذكور:

تصرُّف الدَّهر في هذا الورى عجبتصرُّفٌ فيه من خلف به ريب
وحكمه في بنيه من تناقضهأن التناقض منه يعجب العجب
يعطي ويسلب ما يعطي مفاجأةًويستردُّ علي الفور الَّذي يهب
/ ب/ وقد تدَّبرت ما قد قاله مثلاًذو خبرة قول صدق ما به كذب
فقال حيث أجاد القول منتخباًمعانياً مثلها في الشِّعر ينتخب
[ما النَّاس إلَّا مع الدُّنيا وصاحبهافكيفما انقلبت يوماً به انقلبوا]
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لكل أمر جرى فيه القضا سبب»
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبتيوماً عليه بما لا يشتهي وثبوا]
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «اعمل بدنياك واحذر من عواقبها»
إن يسمعوا الخير اخفوه وإن سمعواشراً أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
واحزم النَّاس من يخشي غوائلهمومن يظنُّ بهم شرّاً فيجتنب
ولا تصاحب منهم صاحباً أبداًإلّا وتحذره طبعاً وتجتنب
والصَّاحب الوغد يعدي من يصاحبهكأنَّما هو في إعدائه الجرب
والعاقل الفطن النَّدب اللبَّيب ومنفي كلَّ حالاته مستيقظٌ درب
لا تركننَّ إلى الدُّنيا فراحتهاللرَّاكنين إليها كلُّها تعب
لأنها دار آفات سلامتهالمن تسالمه من أهلها عطب
ما إن بخيرٍ إلى من ينتهي انقلبتإلَّا بشرٍّ إليه بعد تنقلب
تالله لولا عياٌل كلُّهم حرمٌكدِّي عليهنَّ شرعاً بعض ما يجب
طلَّقتها قبل ما فيها يطلِّقنيهذي الحياة الَّتي بالموت تغتصب
بئس الحياة يعود المرء مستلباًمنها وما حاز فيها للعدا سلب
/ أ/ هذا سجيُّه هذا الدَّهر قد ذهبتفي أهله وعليها أهله ذهبوا
ولست عنه براضٍ، والرَّضا خلقيوإن غضبت عليه حقَّ لي الغضب
والعلم في صغري مازلت اطلبهمن اهله راعياً يا حبّ! ذا الطلب
وما برحت حليف الفضل في كبريلمَّا تكسَّبته والفضل مكتسب
وقد عرفت بني الدُّنيا كمعرفتينفسي إلى حسب التقوي لها حسب
وقد خبرت أناساً ران من طبعٍعلي قلوبٍ حووها اللَّهو واللَّعب
في القول الذي ما كانوا إذا صدقواوالفعل أبعد ما كانوا اذا قربوا
عبيد من كانت الدُّنيا له فإذاولَّت عن المرء ولَّوا عنه وانجذبوا

عبد القاهر بن الفضل بن عبدالقاهر بن محمدٍ القرشيُّ، أبو غانمٍ.

من أهل حلب، كانت ولادته بها في شهر الله رجب سنة سبع وستين وخمسمائة، وهو عدل من عدولها، ويتولّي النظر في وقف المدارس، وهو شيخ طويل له حرمه وقدر سمع حماد البزاغي، وابن اخيه أبا الفوارس البزاغي.

أنشدني لنفسه هذة الابيات، وأوصي ان تكتب علي قبره بعد موته:

هذة تربة عبد مذنبٍبخطاياه ثوي في لحده
ترك الأولاد والمال معاًليس يدري ما جري من بعده
كان إن مسَّ من ترابٌ بردهخاف من تأثيره في برده
/ ب/ أصبح اليوم بقبر موحش]والثَّري ملتصقٌ في خدِّه
يسأل الله نعيماً ورضاًثمَّ يرجو رحمةً من عنده

عبد القاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد الله بن عبد العزيز، أبو محمدٍ البغداديُّ، المعروف بابن الفوطي.

من حفاظ القرآن الكريم، ومن أهل المعرفة، طلق اللسان في الكلام إذا شرع، وأخذ في المحادثة، وهو شاب أسمر ربع القامة.

اجتمعت به غير مرة بالموصل وبغداد، ولم ينشدني شيئاً من أشعاره، وبعد ذلك عثرت له علي هذة القصيدة البائية؛ يقولها في شيخه حين لبس الحرير ومال إلى رياسة الدُّنيا وزينتها، وحبّ المال والجاه والعزّ والحشمه والأمر والنهي، وطلب المناصب الدنيوية، وكان ينهي عن ذلك كلّه ويرزي علي من يروم بنفسه حبّ المراتب، وجمع المال ونهي أصحابه ومريديه عن التعرض للدنيا. وكان قبل ذلك فقيراً مملقاً أ/ علي قدم التجردّ، زاهداً في الدنيا، راغباً في الاخره، يلبس الصوف، ويسلك طريق الزهد، والانقطاع إلى الله – ﷿ – والاجتهاد والرياضة؛ فأنشأ أبو محمد هذة القصيدة، زارياً عليه فيما صدر عنه.

ثم اجتمعت به بمدينة السلام؛ بالمدرسة الشريفة المستنصرية، وذلك في اواخر ربيع الاخر من سنة تسع وثلاثين وستمائة، فاستنشدته القصيدة جميعها وغيرها من شعره، وسألته عن ولادته، فذكر إنَّه ولد ببغداد ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الاول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.

وسمع جملة من الحديث، ورأيت له طبعاَ جيداً في الكتابة الانشائية، وفصولاً املاها علي، وتفقه علي المذهب الاحمدي، وتأدب، وتولي في الايام المستنصرية، مشرفأ علي منشر التمور:

ناديت شيخي من شدَّة العجبوشيخنا في الحرير والذَّهب
في دسته جالساً ببسملةبين يديه ان قام في أرب
وركبه منه كنت أعهدهيذم أبناؤها علي الرَّيب
/ ب/ وكان أربابها لديه عليسخط من الله شامل الغضب
أصافي الرَّأي من دعاك لهاوأنت لمَّا أجبت لم تصب
أول صوت دعاك عن عرضلبيته مقبلاً علي السَّبب
قد كنت ذاك الَّذي يظنُّ بهلو لم تكن مسرعاً إلى الرُّتب
إن كان ما قد منحت ممتحناًفما صبرت اصطبار ذي أرب
أو كنت مستخفياً سعيت لهايا خسرها صفقةً علي النصب

شيخي أين الَّذي يعلَّمنا الزُّهد ويعتدُّه من القرب

أين الَّذي لم يزل يسلَّكناإلى خروجٍ عن كلِّ مكتسب
أين الَّذي لم يزل يعرِّفنافضل التعري والجوع والسَّغب
أين الَّذي لم يزل يرغِّبنافي الصُّوف لبساً له وفي الجشب
وأين من كان مزعجاً اسقاًزفيره قلب كل مرتغب
وأين من كان قابلاً نسكاًفضل قميص من أكثف الحجب
وأين من كان في بدايتهيهيج هيج الجمال في الجرب
وأين من غرَّنا بزخرفهحتَّى اعتقدناه زاهد العرب
وأين ذاكيشعرنا ... أن سواه في السَّعي لم يجب
/ أ/ وأين من لم يزل يذمُّ لناالدُّنيا وقول المحال والكذب
وأين من لم يزل يوهَّمنامنها فراراً بشدة الهرب
وأين من لم يزل بأدمعهيخدعنا باكياً علي الخشب
واين تلك الأنفاس صاعدةًمن شدَّة الخوف مورد الخطب
وأين من كان في مواعظهيصول زجراً عن كل محتسب
ويقطع القول لا يتمِّمهمنقلباً بالسَّماع والطَّرب
ومن ير الشَّيخ بعد خطبتهير أمراً غائباً ولم يؤب
فيقسم العمر أئَّه رجلٌليس له في الوجود من أرب
لو كانت الأرض كلُّها ذهباًأعرض عنها إعراض مكتئب
أسفر ذاك النَّاموس مختبئاًعن راغب في التُّراث مستلب
وكان ذاك الصُّراخ يزعجناشكوي فقيرٍ علي الدُّني وصب
لو كان مولي الأنام عاينهيخطبنا في خشوع منتحب
أيقن منه بعد القبول إذادعاء في رتبةٍ علي الرُّتب
وكان حاشاه حين وافقهقد ساء ظناً في كلِّ مقترب
شيخي بعد الذظذضمِّ الصرَّيح لماأتيته جئته علي طلب
/ ب/نسيت ما قلته علي ورعٍعنّي لمَّا اكتسبت بالدَّأب
ويلٌ له إن يمت بخدمتهيمت كفوراً وليس بالعجب
ما كان مال السُّلطان مكتسباًلمؤمنٍ سالمٍ من العطب
هذا ورزقي في وقفٍ أربطهقدرٌ طفيفٌ أعطاه بالتَّعب
ولست في تروة اسرُّ بهادنياي منها موفورة النَّشب
فليت شعري ماذا اقول وقدحللت منها في مربع خصب

في المال والجاه والتَشرَّف والعزِّ وأمرٍ يطاع في النَّسب

أعطيت كرَّاثةً فتنت بهاعن طلب كان أشرف الطلب
لو أنها لحمةٌ جنيت عليدينك تركاً يكون عن كثب
وكان ذاك التَّحنيك منعطفاًلجام من يدَّعي ولم ينب
شيخي بعد التَّفصيل متقياًثوباً قصيراً مجاور الركُّب
إختلت في ملبسٍ دلادلهتسحب من طولها علي التُّرب
يرفعها كلذُ شادن غنجيفتن نسَّاكناً علي الرَّهب
واعتضت عن عصبة الزَّهادةمثني الغلمان بالقضب
لو كنت ما قلت زاهداً ورعاًلم ترض دنيا الغرور واللَّعب
/ أ/ وكان في الله شاغلٌ أبداًعمَّا تراه بعين محتجب
وبعد هذا فأنت مفتتناًخيرٌ لها من سؤال
لا يغترر بعدها اخو ثقةٍبمحسنٍ في جميل مطَّلب
وليتَّعظ مدعي تقربُّهبحال شيخي المفتون وليتب

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.