تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الرحمن (٤)

عبد الرَّحمن بن أبي بكر بن يوسف بن بختيار، أبو سليمان البلخي والدًا، الكرخيني مولدًا ومنشًا:

اعتنى بعلم الحديث وسماعه، فتوجه إلى مدينة السلام سنة أربع عشرة وستمائة، فسمع على مشايخها كثيرًا، وحصل منه جملة، وكان متعلقًا بخدمة بعض أمراء إربل، فارتحل أستاذه إلى مرت منولاية إربل، وهو في صحبته، فبقي بها مدة إلى شوال سنة إحدى وعشرين وستمائة. فحين جاء التتر –خذلهم الله تعالى- بنواحي إربل، فقتلوا خلقًا عظيمًا، وسبوا، فاستشهد في جملة من كان في ذلك الوقت، وذلك في التاريخ المذكور –رحمه الله تعالى-

أنشدني لنفسه بإربل من قصيدة أولها:

برح الخفاء وبان صبر الوالهفإلى م قلبك لا يرقُّ لحاله؟
حمَّلته عبء الغرام وجرت فيشرع الهوى وعدلت عن آماله
يا أيها الرَّشا الرَّشيق ومن بهعذب العذاب وطاب مرُّ دلاله
عد بالوصال وعدِّ عن هجري وجدبالودِّ وارث لمدنف بخياله
حتى م تمنحني البعاد تعمُّداًويظلُّ طرفك راشقي بنباله
وعلام تقتل عاشقًا هجر الكرىلمّا هجرت وصدَّ عن عذَّاله
يصفو إذا هبَّت صبًا فتزيدهوصبًا فصبُّ الدَّمع أحسن حاله
ويشوقه مر النَّسيم إذا سرىعبقًا بنشر ربى العقيق وضاله
يا صاح عج بالظعن منعرج اللوىورد العذيب سقيت عذب زلاله
واستعطف الرَّشأ الأغن لمغرمٍظامٍ إلى مارقَّ من سلساله

وأنشدني لنفسه في الخمر:

قم هاتها قهوةً تجلو دجى الظُّلموسقِّنيها ولو في الأشهر الحرم

/ ب/

ذر الملام فقد لجَّ الغرام بهاهات المدام وسل ما شئت واحتكم
بكر تحدِّث عن عاد بلا كذبوعن ثمود بلا شكٍّ وعن إرم
حمراء قانية تعطيك إن قرعتبالمزج درًّا نظيمًا غير منفصم
ليس السُّرور الذي [تعطي] بمنقطعٍولا النَّعيم الذي تولي بمنصرم
تقدَّست ذاتها عن أن يحيط بهاوصف ونعت سوى الموصوف في القدم
يديرها خنث الأعطاف ذو هيفٍمشوبةً برضاب سلسلٍ شبم
أحوى حوى الحسن والإحسان شيمتهتغنيك نغمته عن سائر النغم

عبد الرَّحمن بن منصور بن أبي بكر بن منصور بن الحسين بن ثامر القنطريُّ الإربليُّ:

شاب طويل أبيض اللون مشرب حمرةً، من أبناء القضاة، اعتنى بقول الشعر وعمله، من غير أن يشتغل بالأدب، فصار له طبع في إنشائه.

أنشدني لنفسه يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي بإربل –أدام الله سعادته- ويعتذر إليه من شيء بلغه عنه:

أما وأيام وصلٍ بالحمى سلفتوما مضى من ليالي الشعب والعلم
ومنزل باللِّوى أقوت معالمهمن الغواني ذوات الدَّلِّ والنعم

وما علا فوق أكوار المطيِّ ومن لبَّى ومن طاف حول البيت والحرم

لو أن لي كبداً تشتاق غيركمخرجت عنها وهذا أعظم القسم
فقد حملت من الأشواق جلَّ هوىلو قام رضوى بجزءٍ منه لم يقم
أكابد النَّوم في تلقاء طيفكملولا رجا طيفكم في الحلم لم أنم

ومنها في المدح:

مولاي يا شرف الدِّين الذي شرفتبه الأماجد من عرب ومن عجم
يا معدن الجود قد وافاك عبد وفامعوَّد منك بالإحسان والكرم
معفِّرًا فوق ترب الأرض وجنتهخزيان يقرع أسنانًا من النَّدم
ومنشدًا بيت شعرٍ كان فاه بهنجل النميري في أيامه القدم
إقبل معاذير عبد جاء معتذرًايثني عليم بما أوليت من نعم

وأنشدني أيضًا لنفسه:

أحنُّ إلى رند الحمى ويشوقنيعرار بنعمان على العلم الفرد
يذِّكرني أيام وصلٍ تصرّمتونحن على شاطي الأجيرع من نجد
ولست كمن يشتاق دعداً وزينبًاولا أنا مشغوف بميلٍ إلى هند
ولكنني أهوى عذارًا مزرَّدًاوأزهد في سعدى وأرغب في سعد
وضمِّ رشا عذب المراشف أشنبٍإلى وجنتيه تنتمي حمرة الوردً
لذيذ التَّجنِّي مائس القدِّ اهيفًمليح التَّثنّي مشرق الثَّغر والخدَِّ
نعمت به عصرا مضى ليت أننيقضيت نحبي قبل أن يقضين بعدي
فللَّه كم عانقته في عشيَّةٍوكم بات يسقيني حساريقه الشَّهد

وأنشدني أيضًا لنفسه:

حبَّذا حيٌّ على كاظمةٍصرعت غزلانه أسد الشَّرى
عوِّدت آرامه سفك الدِّمافتقلًّدن عقيقًا أحمرا

عبد الرَّحمن بن عمر بن بركات بن شحانة، أبو محمَّد الحرَّانيُّ:

المحدِّث المؤرِّخ.

سمع الحديث الكثير بالشام، والعراق، وديار مصر، ولقي مشايخ العلم، والأدب، والحديث، وأخذ عنهم، واستفاد منهم، وكتب، وحصل وجمع، وألّف بحرّان تاريخًا كبيرًا ذا مجلدات عدة، وله شعر، وكتب لي إجازة بخطه.

أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي النيسابوري –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن شحانة لنفسه:

يا قاتلي لو أنَّ قلبك جلمدوشكوت أشواقي لرقَّ الجلمد
فيك اكتسيت الذُّلَّ بعد مهابةوبك اشتفى منِّي العدى والحسَّد
وسهرت في حبِّيك ليلي لم أنمأتراك مثلي ساهرًا لا ترقد؟
ويلاه من نارٍ بقلبي أضرمتما إن لها إلا رضابك أبرد
وقسىِّ سحر من لحاظك فوِّقتفأصيب قلبي المستهام المكمد
ودمي بخدِّك قد أقرَّ بقتلتيفعلام يا مولاي جفنك يجحد؟

عبد الرَّحمن بن حمد الإسعرديُّ:

شاعر من أهل إسعرد، ضعيف الشعر، مشهور ببلده.

أنشدني خاصبك بن غازي بن طغلي قال: أنشدني عبد الرحمن لنفسه من جملة أبيات أولها:

ما شمت بالجزع برقًا أو شممت صباإلا وهيج لي تذكاركم وصبا
يا نازحًا عن جفونٍ قلَّما رقدتومدمعٍ مذنأيتم قلَّما نضبا
أنهنه الدَّمع كي أطفي به حرقيفلا يقلُّ ولا يفكُّ منسكبا
وما سمعنا بنار كلًّما طفيتبالماء تزداد إلاًّ زفرتي لهبا
أحبابنا بليالينًا بخيف منىبالأبرقين بعيش بالحمى ذهبا
هبوا لنا من هبوب الرِّيح رائحةًمن نشركم نفحةً نشفي بها الكربا

ومنها يقول يخاطب الممدوح:

ظننتهم لك نوَّابًا وما برحوافي جمع مالك لمَّا حكِّموا نوبا
فاستكشف الأمر يا ابن الأكرمين فمامن الجماعة إلاَّ من شنا وسبا
لا يخدعوك بما صاغوه من ملقوزخرفوه على أغراضهم كذبا
قد أضرموا في الورى بالظُّلم مسعرةًفاجعلهم لسعيرٍ أضرموا حطبا
لا تتق الله يومًا في عقوبتهمفليس يهزم من لله قد رقبا

عبد الرَّحمن بن محمد بن عبد العزيز بن نصر بن عبد العزيز بن نصر بن عبد الله بن إسماعيل بن إسحق بن محمَّد بن أحمد بن إسماعيل بن سويد بن مالك، أبو المحاسن الخطيب المرندي:

هكذا أملى عليَّ نسبه.

كان أجداده خطباء مرند على المنابر، وخطابته في عقبهم تتردد إلى زماننا هذا.

رأيت أبا المحاسن بمدينة إربل سنة ست وعشرين وستمائة، وردها مستميحًا نوال سلطانها الملك المعظم نظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁ ومنتجعًا جدواه.

وأنشدني لنفسه في التاريخ [المذكور] قصيدة في الملك المعظم مظفر الدين، وسمعت من لا أشك في حديثه، أنَّ الشعر الذي يأتي به ليس له، إلاَّ أنَّه يسرقه ويمدح به الناس، والله أعلم.

ثم شاهدته بحلب، وبدمشق، وكان رجلًا من أشد الناس حرصًا على حطام الدنيا، يجول البلاد، ويرحل إلى الملوك يسألهم ويدخل معهم في الأمور الجدية والهزلية بكل طريق فيختارون حينئذ منادمته، لما يشاهدون منه، فتارة يوهمهم أنه خطيب، يخطب على المنبر أيام الجمع ومرّة بصنعة الطرب، والغناء، وأخرى بقول الشعر والاستجداء به، وغير ذلك.

وكان يزعم أنَّ له فصولًا وعظية من إنشائه، ولم يكن عنده مما يزعم شيء، وذكر لي أنه ولد بمرند في سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ومات بحلب في صفر سنة أربعين وستمائة.

ومما أنشدني وزعم أنه له، القصيدة التي تقدم ذكرها، وأوَّل القصيدة:

السَّعي في طلب العلياء لا الغزلوالمجد يبنى على الخطيَّة الذُّبل
والعزُّ ما قاد نحو الهمِّ صاحبهوما عداه فأنفاس على علل
إن كنت تشكو إلى ورد الحمى ظمأفاسق الحسام دمًا رطبًا على نهل
من لم يخض لجة الأخطار مبتدرًاعدَّته أقرانه في معشر عطل
إذا تدرَّع جنح اللَّيل ظلمتهنضوت كالصُّبح عزمًا غير مرتحل
أنَّى أجوب على هوجاء جائيةظلَّت يضلُّ بها هادي بني ثعل
وجناء جنِّيَّة الأخلاق طائشةتلاحق الوحش إدراكًا على كلل
وقد تمطَّيت للإدلاج يعملةًحنَّت على كللٍ وجدًا إلى كلل
أجتاب بيدًا من الأيَّام ملتمسًاميامن الغزل لا بيتًا من الغزل

ومنها قوله:

حتى إذا عالج النُّور الدُّجى سحرًاتعانق الصُّبح منه نفس مرتحل
وأقبل الأشهب الخقَّاق ملتقطًا[يجري] على حدق الجوزاء والحمل
والشمس تمحو من الظَّلماء آيتهاكمحو كهف المعالي ككبري بن علي

عبد الرَّحمن بن أبي الحسن بن عليٍّ بن عيسى بن أحمد بن يعرب البوازيجيُّ:

رأيته بإربل سنة ثلاثين وستمائة، شابًا طويلًا أشقر، ذا هوج وطيش، كثير الدعاوى في فن النظم والنثر، مفتخرًا بنفسه:

أنشدني له يمدح الصاحب الوزير شرف الدين أبا البركات المستوفي –رحمه الله تعالى-

باكر اللَّهو يا أخا اللَّذاتواغتنم غفلة الزَّمان المواتي

قم بنا نصرف الهموم بصرف من عصير الرُّهبان والرَّاهبات

قبل أن يفطن الزَّمان ومن قبــل وقوع المشيب بالشَّعرات
خذ من اللَّهو ما استطعت ومن أيـيام شرخ الشباب قبل الفوات
لا تؤخِّر يوم السُّرور ففي مقــدار لحظ تنبُّه الحادثات
فإلى كم أرى توانيك في الشُّرب مع الشَّرب يا أخا التُّرًّهات
إن تكن تبت يا نديمي واقلعــت عن الخمر بعد هاك وهات
فانفض التَّوبة التي تبت واطلبحانة الخمر بالفتى والفتاة
واصطبح كالعقيق لونًا وكالعنــبر نشرًا يفوح بين السُّقاة
قهوًة تجلب السُّرور وتنفيالهمَّ قسرًا وتطرد الكربات
مرَّة تستطاب طعمًا ومن عجبشيء مرٌّ من الطيِّبات
بزلوها واللَّيل داج فلاحتمن بعيد كالنجم في الظُّلمات
طاف يسعى بها علينا من التُّرك غرير مورَّد الوجنات
حاز كلَّ الصِّفات حسنًا كما حاز المعالي طرَّاً أبو البركات
قد هززناه للنَّدى فانثنى غصــنًا رطيبًا عذب الجنى للجناة
وقصدنا جنابه فوجدناهـ غزير العطا كثير الهبات
جلَّ في الجود عن شبيهٍ فقد أصـبح فردًا في الجود والمكرمات
وتعالى عن المديح فقد جاوز حدَّ الثَّنا وحدَّ الصِّفات

عبد الرَّحمن بن أبي الفوارس المخزوميُّ:

خبِّرت أنَّه من عقر الحميدية، من أعمال الموصل، ولم أعرف من حاله شيئًا لأثبته عليه، وقع إليّ من قوله قصيدة طويلة يمدح بها المولى المالك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام، سلطان المسلمين، شرف الملوك، تاج السلاطين، أبا الفضائل أتابك طغر لتكين بلكا، نصير أمير المؤمنين- أنفذ الله أمره، فما رأيت إيرادها بجملتها لطولها، وتعسف ألفاظها، وركة نظمها، فاقتصرت منها على ما اخترته من أبياتها، فإنني لم أر الإخلال بها، لكونها نظمت في معاليه، ففيها يقول:

يا أيُّها الملك العالي مناقبهوصاحب الفضل هاك الفضل فانتقد
واسرح بطرفك في أطراف جنتهفأنت والله فينا بيضة البلد
أنت الذي هجر الياقوت مفتخرًابأحمد وكذاك البحر ذو المدد
أبو الفضائل بدر الدِّين حاتم هذاالعصر بل كعبة في البذل والصَّفد
أعطيت حتَّى فضلت البحر موهبةًوصلت حتى فضحت الصٍّيد فاقتصد
مآثر لك لا تحصى فضائلهاعدَّ النُّجوم ومن بيض العطا تسد
والحق بدوحتك الغنَّاء واسم إلىالعلا واعل إلى ما شئت من أمد
واجلس على تختك الميمون سدَّتهواقص العدا واعتصب بالتَّاج واستند
واحكم ومر وانه واسلم ما عليك يدمحسَّد المجد مأمونًا من العند
ولا تخف حدَّ ناب ناب أو ظفرٍفسعد جدك ما ينفكُّ في صعد
واستعبد النَّاس بالإحسان سالمك الــزمان فالدَّهر ما يبقي على أحد
فخير ما ادَّخر الإنسان من حصنحمد يضوع سناه آخر الأبد
فأنت يا خير من تحذى النِّعال لهعين الكمال الّتي لم ترم بالرَّمد

عبد الرَّحمن بن أبي غانم بن إبراهيم بن سندي بن أبي الحسين بن

منصورٍ، أبو الفضل الخفاجيُّ:

من أهل حلب، هكذا نسب لي نفسه لما سألته عنه، وأنَّ أصله كان من بني خفاجة، من عرب الشام.

روى عن أبي الحسن علي بن الحسن المعروف بشميم الحلي، وحماد بن خليفة، وأبي الحسن الفراء الدمشقي وغيرهم من الشعراء الشاميين.

شاهدته بحلب المحروسة، شيخاً أ/ كبيراً، وروى عن جماعة من الذين أدركهم، وأخبرني أنَّه ولد يوم الأربعاء ضاحي نهاره سنة ست وخمسين وخمسمائة، وتوفي في أوائل شهر صفر سنة أربعين وستمائة بحلب، وزعم أنه لم يشتغل بشيء من علم العربية والأدب والإقراء، [ولكنه مع ذلك كان] ينظم الأشعار بصحة ذوقه، وسلامة طبعه، ووجدته إذا أنشد يتحرَّى من اللحن، قلّ أن يلحن.

وكان رجلاً تاجراً، يسافر في البلاد للتجارة من الشام إلى العراق، وديار مصر، وهو ذو طبع حسن في إنشاء الشعر، وخاطر سهل، من المشايخ الظراف، يحكي الحكايات النادرة من حظفه، ويتشيع، ويذهب مذهب الإمامية.

أنشدني من شعره قوله بحلب المحروسة:

ولمَّا برزنا للوداع وأحدجتجمالٌ وزمَّت للترَّحُّل نوق
وبان خليطٌ عن خليطٍ ورجَّعتحداة المطايا واستقلَّ فريق
ولم يبق إلاَّ ظاعنٌ أو مشيِّعٌجرى من جفوني في العقيق عقيق
وعدت كأنِّي منتشٍ من مدامةٍوسكران خمر الوجد ليس يفيق
/ ب/ أردِّد طرفي في ربوع ديارهموإنسان عيني بالدُّموع غريق

وأنشدني أيضاً لنفسه:

أشاقك ربعٌ بالغوير محيلعشيَّة زمَّت للقطين حمول
سروا فأذاب القلب حرُّ فراقهمفأصبح دمعاً في الخدود يسيل
أحبَّتنا لا حلت عن حفظ عهدكمولا لام فيكم كاشحٌ وعذول
وكم يدَّعي مثلي هواكم تصنُّعاًيقول لدى قاضي الهوى وأقول
وأشتاق ريَّا أرضكم فعسى بهايبلُّ عليلٌ أو يبلُّ غليل
وأنتم وإن شطَّت بكم غربة النَّوىبقلبي لا وادي العقيق نزول
وإن أوحشت منكم ديارٌ أنيسةٌفأنتم إذاً بين الضُّلوع حلول
وأجفان عيني مذ بعدتم قصيرةٌوليلى مذ شطَّ المزار طويل
ولا القلب تهدا مذ هجرتم جفونهولا الصَّبر من بعد الفراق جميل

وأنشدني لنفسه:

عدِّ عن لومك لي يا من عذلحسن صبري مذ نأى الحبُّ رحل
وغدا قلبي في إثرهمحاملاً ثقل الهوى فيما حمل
ولكم ناديت في الحيِّ وقدفعل الشَّوق بقلبي ما فعل
/ أ/ يا لقومي طلَّ في الحبِّ دميبقدود السُّمر لا سمر الأسل
ولحاظ عجبي من سيفهالم يفارق جفنه كيف قتل؟
حرَّم الشَّرع الدِّما في حكمهفدمي يا ليت شعري كيف حل؟
يا حداة العيس إن سرتم بهمفاعدلوا بالظَّعن عن سفح الجبل
وإذا جزتم على كاظمةٍفانشدوا قلبي في تلك الحلل
فبها سرب ظباً آجالهاراتعاتٌ بعدها يدني الأجل
فيهم بدر جمال ما بداللورى إلاَّ على البدر الخجل
قد تقضَّى العمر فيه بعسىوبسوف وبربَّ ولعل

وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة أولها:

يا دار جادتك الدُّموع سجاموسقاك من سحب الجفون غمام
وحباك خفَّاق النَّسيم مسرَّةورعى أناساً كان فيك أقاموا
عهدي بهم مثل الأهلَّة ما بدواإلاَّ تجلَّى غيهبٌ وظلام
أنأتهم أيدي الفراق فأصبحوابعد النَّوى وكأنَّهم أحلام
واستوطنوا داراً بمنعرج اللِّوىمنِّى عليها ما حييت سلام
حلّوا بها فتأرجت أكنافهاطيباً وحالت دونها الأيام

/ ب/ وأنشدني أيضاً لنفسه من أبيات يصف فيها مجلساً في يوم ثلج:

وكأنَّ وجه الأرض وجه خريدةبرزت لنا في حلَّة بيضاء
والنار يحكي لونها ما بينناشمساً للغرب عند مساء
وكأنَّ نرجسنا عيون حاذرٍيسرقنا نظراً من الرُّقباء
وكأنَّما الأترجُّ يحكي لونهلون المحبِّ إذا رمي بتناء
ولنا مغنٍّ إن شدا كحمامةٍوإن انثنى كأراكةٍ خضراء
يسقي النَّدامى من كؤوس رضابهخمراً تنوب لهم عن الصَّهباء
كم قد أمات العاشقين بهجرهوأعادهم بالوصل في الأحياء
مع فتيةٍ وقفوا على كسب الثَّناأرواحهم فلهم بذاك ثنائي
غرر الزَّمان وجوههم وأكفُّهمتغني العفاة بها عن الأنواء
جادوا وقد ضنَّ الورى بنوالهمسمحوا وقد بخل السَّحاب بماء

عبد الرَّحمن بن إبراهيم بن أبي عليِّ بن إبراهيم الحلبيُّ:

كان جندياً في خدمة الأمير حسام الدين أ/ طمان بن غازي بن بلمن بن تنجول، من جبل سلور بحلب، رأيت له أرجوزة تاريخية لمدة ستين سنة هجرية، أولها سنة تسع وستين وخمسمائة، وآخرها إلى سنة ثمان وعشرين وستمائة، تدخل في مجلدين، أولها:

أقول باسم الواحد الحميدالصَّمد المهيمن المجيد
أحمده حمداً كثيراً لم يزلمتَّصلاً بين الغدوِّ والأصل
ثمَّ صلاة الله والسَّلامعلى الذي قام به الإسلام
محمد الهادي إلى الرَّشادقامع أهل الشِّرك والإلحاد
سألتني يا أيُّها الرَّفيقوالصَّاحب المساعد الشَّقيق
عن الذي عاينه عيانيوكلِّ ما سمعت في زماني
وكلِّ ما شاهدته من العجبفيما تقضَّي من زماني وذهب
وما تهيَّا لي من المشاهدهعند لقا الحروب والمطارده
فاسمع حديثاً يستفزُّ السَّامعايعرفه من شاهد الوقائعا
أقصُّه عليك بالتَّاريخمطرَّد النَّاسخ والمنسوخ
وذاك عند صحبتي طماناوقد وجدت عنده إحسانا
/ ب/ وذاك في العام الذي صحبتهفي جلِّقٍ أوَّل ما خدمته
وكان ذاك العام في البدايهتسعاً وستِّين وخمسمايه
والنَّاس يثنون على براعتهوعظم ما أظهر من شجاعته
ثنوا على ثنائه الخناصراوعطَّروا بشكره المحاضرا
وذكره يلذُّ للمسامعونحوه يشار بالأصابع

وهي طويلة جداً، عدد أبياتها أربعة آلاف وسبعمائة وبيت. وقال لما ختمها هذه الأبيات:

الحمد لله رِّبي فهو يسَّرنيلنظم أرجوزةٍ جاءت على قدر
وسمتها بطمانٍ إذ أشار بهاثمَّ استمرَّت فكانت سيرة السِّير
وشَّحتها بفنونٍ من حوادثهامن المواعظ والآداب والعبر
فلو رآها وقد جاءت موافقةٌنظم الجمان مع المرجان والدُّرر
ألفاظها لمعانيها مجانسةٌفي الاتَّحاد امتزاج النُّور بالبصر
وكالهيولى الأوالي وهي واحدةٌعند القبول لأنواعٍ من الصُّور
إذاً تحقَّق أن الله أنطقهبما يكون قبيل الكون في البشر
/ أ/ والله يهدي القلوب المستنيرة بالإشراق كالشَّمس تهدي النُّور للقمر
فيدركون بنور الحقِّ عن كثبٍبعد الحوادي في مستقبل العصر

عبد الرَّحمن بن عثمان بن منصورٍ بن أبي الفوارس الإربلي، أبو زيد:

كانت ولادته في حدود سنة ست وثمانين وخمسمائة، شيخ من أهل إربل، خرج عنها، وأقام بحلب المحروسة، يتعيش في سوق البز، له قريحة في عمل الشعر، وطبع، وكنت أغشى حانوته كثيراً، وينشدني من أشعاره.

ومما أنشدني لنفسه، وكتبها إلى تاج الدين الوزير يوسف بن عبد الله بن علي بن شكر يعاتبه:

يا سيِّد الوزراء إنَّ قضيَّتيقد اشكلت وعليك حلُّ المشكل
أبعدتني وأنا القريب وليس ليذنبٌ يقال فكيف لي لو أنَّ لي؟
لكنَّما عثمان كان مصاحبيفرفضته وعدلت عنه إلى علي

وأنشدني لنفسه أيضاً ما كتبه إليه:

/ ب/ كم رقاعٍ كتبتها لك نظماًورقاعٍ كتبتها لك نثرا
ودعاءٍ حفظته لك سراًودعاءٍ رفعته لك جهرا
وشكاوى فضحت فيها وأوضحــت ولم أحتشم وألمعت عذرا
لم تفدني شيئاً وغالب ظنيأنَّ مولاي مضمرٌ لي شرَّا
ودليلي الحرمان منك وإحسانك عمَّ البلاد براً وبحرا

وأنشدني لنفسه في صديق كان له، واتفق أنه كان مسجوناً، ومنع الناس عن زيارته:

لا ترع إن حجبت عن أعين النَّاس فهذا الزَّمان تفنى قطوعه
إنَّ بدر السَّماء ينقص حيناًفإذا ما استسرَّ يرجى طلوعه

عبد الرَّحمن بن عليِّ بن يحيى بن خالد بن عمران الأمويُّ

الغماريُّ السَّبتيُّ:

ومولده في شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة، ببادية سبتة.

الفقيه المالكي، المدرس المفتي.

تفقه بفاس، وبها تأدب على أ/ الأستاذين زيدان، وابن خروف الأديب النحوي، وبالديار المصرية، وببغداد، والشام، وسمع البخاري، والموطأ، والسنن، ومسلم بفاس، وتفنن في علوم شتى من الأصولين، والخلاف، والحساب، والفرائض، وعلوم أخر، وقيل إنَّه استظهر على ثلاثين ألف بيت من الأشعار العربية.

فمن شعره:

وافى بليلٍ وليل الشَّعر ساترهظبيٌ غريرٌ غضيض الطَّرف فاتره
على قوامٍ يكاد اللِّين يمحقهلولا الكثيب الذي ضمَّت مآزره
حلو الشَّمائل مكحولٌ مدامعهولم تغمَّض على كحل نواظره
كغرَّة البدر إشراقاً محاسنهولمحة البرق إيماضًا سوافره
إذا رنا فسيوف الهند نابيةٌفي مضربيها ولم تنب بواتره
وإن سطت فعلى الأجساد سطوتهاوسيفه في صميم القلب شاهره
كأنَّما بابلٌ من سحر مقلتهوقد حشاها به هاروت ساحره
كأنَّ فاحمه والطِّيب غامرهريش الغراب إذا التفَّت غدائره
يقبِّل الأرض من اجلال ساحبهإذا تعثَّر فيه وهو ناشره
ووجنتاه كروض الورد باكرهطلٌّ فلم يعد أن راقت بشائره

/ ب/ والثَّغر كالدُّرِّ لا بل من ملاحته الدُّرُّ النَّفيس إذا ما عدَّ فاخره

والرِّيق كالشَّهد أو طعم العقار إذاما عاقر اللُّبَّ يوماً فهو عاقره
لو أنَّ من في حبيس الدَّار اسمعهمنه حديثاً لأضحى وهو آسره
أو راء ميتاً وذاك الميت في كفنٍفي قعر لحدٍ لأمسى وهو ناشره

وأنشدني لنفسه في الحمى:

سرت كالخيال لا حسيسٌ ولا نبحفوافت فراشي عندما اتَّضح الصُّبح
وقد سمحت بالوصل والصُّبح مسفرٌونجم السَّماك طاح من كفِّه الرُّمح
وألقت عصاها واستقرَّ بها النَّوىوحلَّت بجسمي فاستبان لها البرح
تعانقني بالرَّغم لا عن مودَّةعناقاً يرى كالذبح أو دونه الذبح
وقد صار وصفي الخفض والضمُّ وصفهاولم يقترب منَّا سكونٌ ولا فتح
وأصبحت منكوحاً لها وهي ناكحٌويا من رأى أنثى يكون لها نكح
أجازت نكاح العهر من غير شرعةٍكفعل النَّصارى لا طلاقٌ ولا صلح

وأنشدنا لنفسه:

عبث النَّسيم بيانه وبهارهواستمطر الكافور من نوَّاره
/ أ/ وجلا عروساً طيبها وحلُّيهامن مزنه وربيعه وقطاره
فسوارها وعقودها وحجولهاوبهاؤها من راحتي آذاره
من أحمرٍ شرق وأبيض ناصعٍظهرت صفات الحقِّ في أنواره
من نرجسٍ وشقائقٍ وبنفسجٍيجلو ثياب العجب من أزهاره
والياسمين بها إلى نيلوفرٍترنو لواحظه على أنهاره
عرسٌ جنت ثمر السُّرور شهودهلمَّا تشابه ليله بنهاره
فالمسك والجاديُّ من مشمومهوالدُّرُّ والياقوت بعض نثاره
وعذابه الشُّحرور ينشد معرباًبلحونه ما رقَّ من أشعاره
يشدو على غصن الأراك تعجُّباًمن صوته ومجاوباً لهزاره
حتَّى بكى قمريُّه للبعد عنمعشوقه أو إلفه أو جاره
فبكلِّ قطرٍ جئت من أقطارهداود معتكفاً على مزماره
وترى الحباب على الجداول مائساًفعل المتيَّم من شدا أطياره
يجلو علينا الرَّاح أحور شادنٌطلعت شموس الحسن من أزراره
فالمسك من أنفاسه وكأنَّهامن طيبها وقفٌ على عطَّاره
بدرٌ [يضيء فيختفي من دونه]بأفوله وكسوفه وسراره
/ ب/ لا تهتدي أن تعلق الشمس المنيــرة من ملاحته بذيل غباره
والفكر إما قام بين ثيابهمستغرقٌ عن خمره بخماره
فالرِّيُّ كلُّ الرِّيِّ في أردافهوالمحل بين نطاقه وإزاره
يتفرُّ عن برد نضيد نظمهكالبرق حال وميضه ومطاره
وإذا دنا فالسَّيف يقصر فعلهحال الضَّريبة عن فعال شفاره
غازلته حتى إذا وخط الدُّجىبالشَّيب فوق جبينه وعذاره
فرمى بسهمٍ ما تكامل نزعهحتى أصاب القلب في أعشاره
ومضى هزيم اللَّيل ينهض خلفهجيش الصَّباح فعاث في أقطاره
ففرى أديم اللَّيل عن شمس الضُّحىفمحا به ما اختطَّ من آثاره
حتى إذا طلعت لغرَّة أيبكٍشمس الضُّحى أخذ النَّهار بثاره

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.