تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه العباّس

العبَّاس بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الملك بن عليِّ بن محمَّد بن عليِّ بن العباس بن محاسن بن عليِّ بن عيسى بن موسى بن عيسى بن صالح بن عليِّ بن عبد الله بن العباس، أبو البركات ابن أبي جعفر الهاشمي العبِّاسي الحلبيُّ، الشَّريف الكاتب:

فخر البيت، كان يلقب بعضرس.

سمع بدمشق أبا اليمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي، وبحلب جماعة، وكان يكتب في ديوان الإنشاء بحلب، في دولة السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب.

وكان له خطّ حسن، وكتابة مرضية، وكان بذيء اللسان، مغرى بهجاء الرؤساء الأعيان، وجلّ شعره ساقط رديء، ليس بالجيد السنيّ.

حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحنفي -أدام الله أيامه -/ أ/ من لفظه قال: سار الشريف أبو البركات عن حلب طالبًا الحج سنة ثماني وستمائة، فوصل إلى دمشق، ولم يتفق له الحجّ، وخرج منها إلى بغداد، فوصل إليها، وأقام بها مدة يسيرة، وكان كثير الهجو، فتكلم بشيء لا تحتمله أمزجة أهل بغداد، فوشى به أصدق الناس إليه، وهو الموفق المعروف بشمس كلي عينه، وكان هذا الشريف كثير الإحسان إليه إذا قدم عليه حلب، فذكر أنَّه دسّ إليه شيئًا سقاه إياه، فمات في أوائل سنة تسع وستمائة.

وأنشدني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن

الخشاب الحلبي –أيده الله تعالى –بمنزله المعمور بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني الشريف أبو البركات العباس بن عبد الله الهاشمي لنفسه، وكتبها إلى السلطان الملك الظاهر، يطلب منه فروة:

يا أيها الملك الَّذيلابدَّ أن يرث الممالك
وأرى جميع الأرض فييده وليس له مشارك
/ ب/ وأرى ملوك الأرض ساجدًة له عند الحوالك
مولاي إنَّ العبد قدأضحى بعيد نداك فاتك
فتراه طول نهارهأبدًا على الكانون بارك
فامنن عليه بفروةيحيا بها يا خير مالك
أولا فمرني أن أقرِّرموضعًا لي عند مالك

فبعث إليه فروة، فكتب إليه:

تخاصمت جثَّتي وراسيخصومًة طيَّرت نعاسي
وطال ما بينهم جدالبلا مراء ولا قياس
فقال رأسي علام تكسىوأغتدي اليوم غير كاسي؟
ولم حباك الغياث دونيوأنت يا هذه أساسي
بفروة لم يكن حباهاالرَّشيد يومًا أبا نواس
ولا ابن حمدان كان يعطيلو اشتهاها أبو فراس
عطاء ملك جمِّ العطايايصفع بالنَّعل ذا نواس
فنطقت جثَّتي وقالتمقال طبٍّ صعب المراس
/ أ/ لولاي ما كنت أنت شيئًايومي إليه بيننا الأناسي
وكنت كالرَّيم ليس إلاَّذقن كبير بِّين المقاس

الرّيم: يعني به رجلاً من أعيان حلب، كان يجعل الغين راء في كلامه، وكان

يقول في الغيم: الريم.

وبعد هذا فاطلب فإنَّ السُّــلطان يعطي بلا مكاس
أبقاه ربُّ السَّما مليكًامادام رضوى ثابت الأساس

فبعث إليه بعمامة. ومن شعره يهجو بعض رؤساء حلب:

شكت ابن صقر عرسه وتظلَّمتعدم الجماع وقلَّة الإنفاق
فأجابها بتذلُّل وتخضُّعوالدَّمع منحدر من الآماق:
بي مثل ما بك يا حمامة فاسأليمن حلَّ قيدك أن يحلَّ وثاقي

ومن نثره ما كتبه إلى نظام الدين أبي المؤيد محمد بن الحسين بن محمد بن/ ب/ الحسين الطغرائي الكاتب الوزير بحلب:

"مملوك مولانا الصاحب وليِّ النِّعم، لازالت أيَّامه أعيادًا، وأكنافه لمرتادي الرِّزق مرادًا، قد أبقى من حاله ما علم الصَّاحب دقيقه وجليله، وكثيره وقليله، ولا حاجة به إلى إعادة كلام، أو قول، وترقب ماليس بمأمول، لكنَّه يقصد الأخفَّ على قلب الصَّاحب والأسهل، ويعتمد الأليق بحاله والأشكل، وهو دستور مفرغ من شوائب الأراجي البعيدة المرام، المفنية عمره على مرور الأيَّام، ليتوجَّه في هذه الأرض الواسعة، ويقصد الممالك السارحة الشَّاسعة، فقد قال الطائي:

(انضر الروض عازبه)

وعسى ما جمل في هذه البقعة أن يتَّفق في سواها، وما اطَّرح بها أن يشرق إذا باعدها وقلاها، ولعلَّ فرجًا يلقاه، فيحمد صبحه مسراه، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يستقم له بمكَّة حال، فاستقام بيثرب، فقد

سئمت نفسه التقاضي بما لو علم أنَّ حاله تقف عنده، وتنتهي إليه لمات همَّا، واعتبط غيظًا وغمًا:

/ أ/ لو كانت الأحلام ناجيتي بماألقاه يقظانًا لأصماني الرَّدى
منزلة ما خلتها يرضى بهالنفسه ذو أرب ولا حجا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

والمملوك في بعض أواله يحمل أموره على المقادير، وينتظر الفرج بالصَّبر، ويتَّخذ هذا نوعًا من العبادة، فلا يفيده ألا يقضي عمره، ودنو أجله، ويرى قومًا ليس لهم ماله من الحقوق السَّالفة والآنفة، وقد بلغوا من الأماني سماها، ومن الدَّرجات أعلاها، فيقطع نفسه أسفًا وحزنًا، ويموت حرقًا وغبنًا، ولا تسامحه نفسه بتجرع كاس الصَّبر، على معاندة الدَّهر، وقد عوَّل على الأخذ ببيت [بنت] عمرو بن الشَّريد، أعني الخنساء في قولها:

سأحمل نفسي على غايةفإمّا عليها ومَّا لها

ولقد وَّبخته نفسه منذ ليال على الإخلاد إلى الهوينا، والرِّضا بهذه الحال الحقيرة، فانشدها:

لو درت فوق الفلك الدَّوَّار لمتزدد نقيرًا فوق ما الله رزق

فأجابت بقول الطائي:

/ ب/ من أبنَّ البيوت أصبح في ثوب من العيش ليس بالفضفاض
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «بدلت عبرة من الإيماض»
والفتى من تعرَّقته الفيافيواللَّيالي كالحيَّة النَّضناض

فأجابها بقول الآخر:

الرِّزق يأتيك وإن لم تطلبهمالك من رزقك إلاَّ تعبه

فأجابته بقول الطّائي:

وأخرى لحتني حين لم أتيع النَّوىقيادي ولم ينقض زماعي ناقض
أرادت بأن يحوي الرَّغيبات وادعوهل يفرس اللَّيث الطّلا وهو رابض؟
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «مهاة النقا لولا الشوى والمآبض»

فلمّا غلبته بحجتها، أنشدها قول أبي الشِّيص الخواعي:

لا تنكري وجدي ولا إعراضيليس المقلُّ عن الزَّمان براضي
حلِّي عقال مطيّتي لا عن قلىوامضي فإنِّي يا أميمة ماضي
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقد بقي الأمر موقوفًا على رأي الصَّاحب، فإن رأى أن ييسر الأمر فعل منعمًا".

[وكان] الجواب من الوزير أبي المؤيد –رحمه الله تعالى: -

"وقفت على ما شرحه، وتبيَّنت ما أوضحه، وعجبت كلَّ العجب ممَّا أهمله. / أ/ من الصَّواب واطَّرحه، وكيف يقع له أنَّ الاغتراب أجدى عليه، والضَّرب في الأرض أصون له وأحب إليه، فلا إله إلاَّ الله.

أيُّها السيِّد، أنت تعلم ما ألتزمه من صونك، وأتوخَّاه من مصالحك، وما احرص عليه من إصلاح شأنك، وأنت من الضَّجر والقلق على مثل حالك، فكيف إذا نبت بك الدَّار، وتقاذفت بك الأقطار، وأصبحت على أبواب غريبة وعند أقوام أجانب لا يعرفون قديمك، ولا يكرمون حديثك، ولا يراعون ما يجب لك من حرمة، ولا يفهمون ما عندك من فضيلة، وتطير حينئذ بخبرك عنقاء مغرب، ويذهب بتجلُّدك وبحلمك اليسير ما تلقى به من اطراح جانبك، وتكون قد سعيت لتعزَّ فتعجَّلت المذلَّة، وفي المواعظ القديمة:

النَّاس من خوف الفقر في الفقر، ومن خوف الذلِّ في الذُّل، اللَّهمَّ إلاَّ أن يكون غرضك التَّخلِّي والعزلة، والرُّجوع إلى ما يجب على كلِّ ذي لبٍّ، وبصيرة من اطِّراح الدُّنيا، والسَّعي في ترك عاجلها الفاني، وذلك أمر ميسَّر لك في وطنك، وممكن لك بين / ب/ إخوانك وخلاَّنك، إلا أن يكون قد اشتعلت في قلبك نار المحبَّة، ورميت شياطين شهواتك لشهب الاصطفاء والمكاشفة، فيحملك ذلك على أن تسرح في الجبال، ويسهل لديك صعب المعاش، وما أرى لذلك أمارة تدلُّ عليه، ولا حالاً تشير إليه، والصَّواب الَّذي أراه لسيِّدنا فخر الدِّين، أن يستقيم على الطَّريق، ولا يتابع نفسه لما يخطر له من هذه الأحاديث اللَّيليَّة التي تمرُّ بخاطره في وقت السَّحر، فإن سببها اهتياج أخلاط، واضطراب بخارات، واصطفاق أجرام، وتموج رطوبات، تثير ضبابًا يرين على القلب، ويغشى نور الفكر، وهو بسعادته إذا نظر إلى ما هو حريص على طلبه، بعين الحقيقة رآه دون هذه النِّعمة التي قد سهل عليه [أن] بدّلها باديًا، ويعزُّ عليه التَّفريط في اليسير منها عائدًا.

فالله الله من العمل بالرأي البادي، والإجابة لأوَّل الدَّاعي، وعندي له ما يؤثره من سعي أبلغ فيه الغاية التي يتَّضح معها العذر، ويقوم عنده بها عليَّ بذل الجهد، والدَّليل على ما تبعده عنه الحصول على غرضه إن شاء الله تعالى".

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.