تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد السلام

عبد السَّلام بن عبد الرَّحمن بن يوسف، أبو محمد البوبانيُّ:

من أهل المغرب.

حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي ﵁ بأربل قال: كان أبو محمد ينسخ ويكتب واضحاً، قدم إربل غير مرة، وتوفي بها سنة أربع وستمائة، وأخذ عامل التركات تركته.

وكان شاعراً، قصد بشعره الملوك.

أنشدني ﵀ لنفسه في شهر رجب من سنة ثمان وتسعين وخمسمائة بإربل، وهي أول قدوماته:

/ أ/ رويدك أيُّها الرَّشأ الغريرفكم أغرى بغرَّتك الغرور
ويرِّد يا فديتك حرَّ وجديبوصلك إنَّ هجرك لي مبير
أما إن آن أن تحيي [معنّى]قتيل هوىً رضاك له نشور
إذا جنَّ الدُّجى جنَّ اشتياقاًفليس سوى النُّجوم له سمير
حكى يعقوب قبلاً مثل وجديإلى أن جاء ينذره النَّذير
وأقسم لا يذوق النَّوم حتَّىيجيء بثوب يوسفه بشير
فوالهفي على زمن تقضَّىوغصن شبيبتي غضٌّ نضير
سقى صوب العهاد عهود لهوعهدناها وشاهدها السُّرور
ديارٌ للفؤاد بها غرامٌمقيمٌ ما له عنها مسير
قضى صرف القضا عنها بصرفٍوللأقدار أحكامٌ تجور
ترى الأيَّام تسمح واللَّياليفيقضى لي إلى مصرٍِ مصير؟
فقد ضاق الصَّعيد عليَّ حتَّىكأنِّي بين أسرته أسير

عبد السلام بن المطهَّر بن عبد الله بن محمَّد بن هبة الله بن عليِّ

بن أبي عصرون، أبو العباس/ ب/ بن أبي المعالي التميمي:

الفقيه المفتي.

من أبناء العلماء، والقضاة، وبيت الفقه، والعلم، والرئاسة الظاهرة في الدين والجاه العريض والتقدم عند الملوك والسلاطين.

سمع أبا الفرج الثقفي، وجدَّه القاضي أبا سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، وكان فقيهاً حبراً، قرأ الخلاف والأصول، ودرّس الفقه بحلب، بالمدرسة التي أنشأها الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي بن آقسنقر –﵁ المنسبة إليهم.

وكان مع ذلك رجلاً عاقلاً، هيوباً، صيِّناً، ذات سمت ووقار، ورئاسة وجلالة، سمح اليدين، كريم النفس، باراً بالفقراء والمساكين، لا يرد قاصداً يفد عليه، وله إيثار ومعروف يصل إلى جماعة يردون عليه، ولم يكن يدّخر شيئاً من عرض الدنيا، وتوفي وعليه دين.

وكانت ولادته في سنة ثمان وستين وخمسمائة، وكانت وفاته بدمشق في ليلة

الثلاثاء، الثامن والعشرين أ/ من المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن بجبل الصالحية –رحمه الله تعالى-.

عثرت له بقصيدة مطوّلة سمّاها بالزكية في مدح سيد البرية ﷺ، عدد أبياتها مائة وثمانية وثمانون بيتاً، ليست من جيد الشعر ورائقه، بل هي متكلفة الألفاظ، وفيها تعسّف، وذلك لأنه لم يكن نظم الشعر من شأنه، أنشأها في مدح النبي ﷺ، وهي تشتمل على مناقبه، وفضائله، ومعجزاته التي ظهرت وانتشر ذكرها في أقطار الدنيا، وأنشدها عند قبره ﵇ لما حجَّ، وسمعها منه خلق كثير، ولم يقل من الأشعار سواها، فلم أر الإخلال بها، فأثبتُّ بعضها تبركاً بذكره ﵇، وكونها في مدحه، واعتمد فيما ضمنها من المعجزات والمناقب على "كتاب الشِّفا في شرف المصطفى"، تصنيف القاضي أبي الفضل عياض بن موسى السبتي، ثم على "كتاب الروض الأنُف" للسهيلي، ثم على سفر ابن عبد البر، ثم سيرة ابن هشام ب/ وغيرهم، نطق بذلك متأخراً في عجز القصيدة، أنشدنيها الشيخ العارف الأمين أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن عبد القاهر بن النصيبيني بحلب المحروسة، يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة سبع وثلاثين وستمائة، بدار الشيخ

الأجل المحترم الكبير محيي الدين بن صالح بن عبد الكريم بن عثمان بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن العجمي –أدام الله تأييده؛ وقرن بالسعادة توفيقه وتسديده بمحمد وآله أجمعين –أولها:

سأذكر مجداً لا أطيق له حصراوأنشد فضلاً أعجز البدو والحضرا
لخير نبيٍّ أظهر الله دينهبإرساله براً وإظهاره بحرا
نبيٍّ كساه الله علماً ورفعةًوأعلى له شأناً وأسمى له قدرا
محمد المختار من آل هاشمٍفأنعمه [موفورةٌ أبداً] تترى
مخالفه قد باء بالذُّل والشَّقاوناصره قد أحرز العزّ والنَّصرا
وأباؤه سادوا وكان .......وفضلهم عمُّوا العمارة والقفرا
ومن فضلهم أنَّ الدَّعيَّين منهمأطاعا لأمر الله إذ فهما الأمرا
/ ب/ وأعمامه سادت فهر ومالكٍبهم شرَّف الله السِّقاية والنَّصرا
فأوَّلهم ذكراً أبو طالب الذيحمى ابن أخيه ما أرادوا به المكرا
وحمزة والعبَّاس عمّا نبيِّناأشادا له عزًّا وكانا له ظهرا
فجازاهما الرحمن خير جزائهوآتاهما نوراً واتبعه شكرا
وعترته حازوا المكارم والعلافحسبهم فضلاً وحسبهم فخرا
فعزهم إرثٌ لهم عن أكابرٍومجدهم أعلى من الفلك المجرى
وأصحابه خير البريَّة كلِّهاوأنصاره سادت من وطأ الغبرا
هم جاهدوا في الله حقَّ جهادهوقاموا به سراً وقاموا به جهرا
بهم أيَّد الله النَّبيَّ وشرعهفسرُّوا به دنيا وفازوا به أخرى
فعمَّهم الله الكريم بفضلهوجازاهم خيراً وآتاهم برَّا
وبلَّغهم منه سلاماً ورحمةًيدومان في الأفلاك مادامت الخضرا
وأربعةٌ من صحبه خير صحبهبهم شرَّف الله الخلافة والعصرا
فأوَّلهم صدِّيقه وصفيُّهوثانيهم الفاروق ما افترقا دهرا
ويتلوهما عثمان ثمَّ ابن عمِّهأبو حسن قد أوهن الشِّرك والكفرا
فحيَّاهم الرَّحمن خير تحيَّةٍفقد أحرزوا منه القرابة والصِّهرا
/ ب/ وفاطمة الزَّهراء خير نسائهاوأولادها سادات من ركب الظَّهرا
به بشَّرتنا الرُّسل من قبل بعثهوردُّوا جميعاً أن يشدُّوا له آزرا

وهذا القدر فيه كفاية من أبياتها.

عبد السلام بن جعفر بن أبي محمد عبد الله بن أبي طاهر

محمد بن محمدٍ، أبو الغنائم التكريتي، المعروف بابن الكتبيِّ:

قرأ في صغره وفي كبره بتكريت على قاضيها أبي زكريا يحيى بن القاسم، وسافر إلى الموصل، وأقام بها مدة، ولقي بها جماعة من المشايخ والفضلاء، وأهل العلم، وصحبهم، وقرأ عليهم، ثم إلى مدينة السلام، وأقام بها واشتغل بفنون من علم الأدب، ورأى بها جماعة من العلماء، ولما قدم القاضي ضياء الدين القاسم بن يحيى الشهرزوري إلى بغداد، وولي قضاء القضاة بها، وأمر الوقوف، استنابه في الوقوف العامة، وبعد ذلك استنابه عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء على الإشراف بالمنائر المعمورة.

/ أ/ وكان جميل الأمر، ظاهر الديانة، معروفاً بالثقة والأمانة، رياناً من العلوم، يكتب الرسائل الحسنة، وينظم الأشعار المهذَّبة.

فمن أشعاره إلى القاضي تاج الدين التكريتي:

وما نح تاج الدِّين كلَّ فضيلةٍومصفيه أوصافاً مضوَّعة النَّشر
وموليه أسباب السِّيادة والعلاورافعه أوج السِّماكين والنَّسر
وناظم شمل الفضل بعد شتاتهبهمته العليا وآرائه الزُّهر
وجاعله ردءاً لكلِّ مؤمِّلٍمجيباً لمن نادى نداه بلا عذر
لوقتٍ أرى فيه محيَّاه قبلتيوأهنا بحبِّيه لخالصة الدَّهر
وأن انقضاء الوقت دون تيمُّنيوأنسي به لا أرتضيه من العمر
وقد كنت أرجو أن أسوِّغ قربهومن لي بقرب السَّيِّد السَّند الذكر
وإن كنت لم أنه الأمور تفضُّلاًفلا ريب أن الحال تشهد بالعذر
ومن قبل ما تغدو الغزالة اغتديوبين العشائين الرَّواح إلى الوكر
فيا ربِّ روِّ القلب من قرب مجدهوأوربه زند السِّيادة والفخر

وقوله فيه:

/ ب/ مولاي مسَّاك الإله بنعمةٍغرَّاء دائمة على الإيثار
بلِّغت في علياك غاية بغيتييا سيِّد العلماء والأبرار
واشتدّ ازر العلم منك بصائب الـآراء في الإيراد والإصدار
وأقيم مناد الأمور بعزمك الــماضي الشَّبا المشكور في الأخبار
وسرت فضائلك الشَّهيرة في الورىحتى تؤرِّج سائر الأمصار
حييت من مولى الأنام بكلِّ ماتختاره من رفعةٍ وفخار
وخصصت من آلائه بمواهبٍمشكورةٍ موفورة المقدار
لازلت تحت رضاه يا من لم يزلترضيه في الإعلان والإسرار
لمَّا رآك مؤهَّلاً لمراتبما إن لها إلاَّك في الأقطار
أدنى محلَّك واجتباك ولم يزلنظر الخليفة في رضا الجبَّار
لازال منصور الكتائب بالغاًأقصى المآرب باهر الأنوار
وأراك أولى النَّاس قاطبةً بماأولاك فاشكر نشعمة المختار
هذا هو الشَّرف الذي أضحى بهربع الفضائل ناضر الآثار
زنت الفضائل والعلوم بأسرهاوفرعت أوج المجد باستظهار
ما كلُّ من نال العلوم بهمَّةعلوية كمكاثر مكثار
/ أ/ ليس اتِّفاق الأمر كاستحقاقهوالحقُّ أبلج لائح الإسفار
فتيمَّمت بكريم مقدمك العلاوفداك كلُّ مباينٍ خوَّار
قد كنت يا صدر الورى متأخِّراًمن عارضٍ وضحت به أعذاري
فهو الَّذي منع الحضور وصدَّ عنذاك الجناب الفاغم المعطار
ولقد ظمئت إلى اللِّقاء وهكذاالأشواق تنمى عند قرب الدَّار
ولو استطعت أطعت شوقي إنَّهشوقٌ يتوق إلى أجلٍّ مزار
لكنَّ ضعفي ظاهرٌ من وعكةٍأرجو إزالتها بلطف الباري
والبرء قد وافى وتمَّ وإنَّهعند اللَّقاء يتمُّ باستمرار
ولقد عجبت من الزَّمان وكيف لمأر سائلاً عنِّي وعن أخباري
وتأخُّري من أعجب الأشياء لولا ما بدأت به من الأخبار
ولي الهناء على الخصوص وسائر الـجمهور أمنحهم من استبشاري
هذا الذي قد كنت آمله وقدنلت المنى ونهاية الأوطار
فبطالع السَّعد القدوم [مباركٌ]واسلم ودم في أسوغ الأعمار

وأنشدني الشيخ العالم، تاج الدين أبو طالب علي بن النجيب بن عثمان بن عبد الله البغدادي ب/ بها في سنة تسع وثلاثين وستمائة قال: أنشدني أبو الغنائم عبد السلام بن جعفر بن عبد الله [قال: أنشدني]، أبو محمد بن محمد التكريتي لنفسه من قصيدة يمدح بها المستنصر بالله –رحمه الله تعالى-:

أبدي التجَّلُّد والضَّنى ما يستروأروم كتمان الغرام ويظهر
وأظلُّ محنيَّ الضُّلوع على أسىورسيس شوقٍ ناره تتسعَّر
وأحاول الصَّبر الجميل ومن يكنصبَّاً وحلف صبابة لا يصبر
وأسرُّ ما بي ثمّ أظهر ضدَّهجلداً وباعي في التجلد يقصر
وإذا ذكرت ليالياً سلفت لنازمن الوصال يهيجني ما أذكر
ولطالما حلَّ السُّرور لنابهٍفيها وماس بها الحبيب الأحور
وأباح فيها ما حمى من ريقهوهو السُّلاف البابليُّ المسكر
وثنى قواماً قام عذر محبِّهلمَّا غدا في حسنه يتبختر
واحوم حول حمى رضاه لعلَّهيوماً إليَّ بعين عطفٍ ينظر
مازلت متَّبعًا رضاه وطالبًاإعراضه فيما يحبُّ ويؤثر
ما كان لي ذنبٌ فأحرم وصلهوعلى محبَّته أموت وأحشر
وهو العليم بكلِّ ما عانيتهفي حبِّه وبما أسرُّ وأجهر
إن عادت الأيّام لي بطويلعأو ضمَّني والهاجرين محجَّر
لأخبِّرنَّ بما لقيت من الهوىولأشكونَّ بأدمعٍ تتحدَّر
ولأعتبنَّ على أناسٍ لم أخلمن بعد حسن وفائهم أن يغدروا
عهدي بنا زمن التَّصابي والهوىغصنٌ نضير والهواء معنبر
والشَّمل ملتئمٌ وإخوان الصَّفايتراضعون مودَّةً لا تكدر
فتفرَّقت تلك الجموع وأوحشتتلك الدِّيار وعاث فيها العثير
وبقيت منفردًا أسامر سورة الــبرحاء في اللَّيل الطَّويل أفكِّر
مازالت الأيَّام موحشةً لمنقد آنسته وفعلها لا ينكر
فاستجل أبكار الثَّناء بكلِّ ماتجني به ثمر الثَّواب وتذخر
هاجر إلى الحرم الشَّريف وطف بهلتنال غاية ما بفكرك يخطر
وتعود موفورًا تصيب من الغنىتختال في حلل الحباء وتخطر
فهناك أبلج من أسرَّة وجههيتلألأ الكرم الأريج ويسفر
ملكٌ تولَّاه الإله بلطفهواختصَّه بأجلِّ وصفٍ يؤثر

الماليء الآفاق عدلًا نائب اللَّه الإمام المالك المستنصر

خير الخلائف صفوة الله الذيكلُّ الورى في عصره قد أيسروا
ما أنضر الدُّنيا بمالك رقِّ منفيها ومن بولائه نستبشر .. !
لازال في حرز السَّلامة خالدًاتزهى به الدُّنيا ويسمو المنبر

عبد السلام بن أبي عليِّ بن يحيى بن مناحيم.

وهو الرابع عشر من أجداده.

أبو الغنائم اليهوديُّ.

من أهل حلب.

كانت ولادته عل ما أخبرني من لفظه يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وخمسمائة.

رجل متصرف في الأعمال الديوانية، فيه ذكاء وفطنة، ويعمل الشعر الصالح طبعًا، ولم يكن عنده شيء من علم العربية، ولا اشتغل به، وربّما مرّ له أبيات لا بأس بها، ويضاف إلى ذلك معرفته بعلم الحساب، وبالتصرف في إيراد أنواعه [وكان] يتولى بحلب الاستيفاء بديوانها العالي، وله أشعار كثيرة في المقطعات الغزلية وغيرها.

أنشدني لنفسه:

إنَّ يومًا أنت فيهلست تدري ما وراه
لا تضع حقَّك فيهلفقيد لن تراه
ليس بالحزن عليهيمنح الدَّهر لقاه
لا ولا يلقى شقاءًأقرب النَّاس سلاه
فاغنم العمر ولو فارقت في الغنم رضاه

وأنشدني لنفسه:

ولمّا حكى مستدير العذارعلى صبح خدِّك خيط الظَّلام
توهَّمه مزريًا بالجمالمتى نزَّه الوهم طيب المنام؟
ولم يدر- أفديك- أنَّ العذارطراز الجمال ومسك الختام

وأنشدني لنفسه:

يا لائمي في حبِّ معسول اللَّمىلو بالهوى يقضي عليك الأوجس
لعلمت أنَّ اللوم مرٌّ في الهوىوعرفت ما فيه إذًا أتوجَّس
وتركتني وهواي من في حبِّهسمعي الأصمُّ ودمعي المتبجَّس
قمرٌ لعيني ما يلذُّ بوجههفبخاطري سلوانه لا يهجس
الخدُّ وردٌ والشِّفاه شقائقٌوالخطُّ آسٌ واللَّواحظ نرجس
والثَّغر درٌّ في العقيق وخصرهما إن به ما يأكلنَّ الجرجس
والصُّدع عقربه فلا راقٍ لهاواللَّفظ سحرٌ ليس منه محبس

وأنشدني لنفسه:

قم بنا نجتلي كؤوس العقارفهي تجلو وساوس الأفكار
ولئن كان ذا وجومك أفديـك لحرِّ اجتناب شمس النَّهار
ففي بهجة المدام غناءًعن ضياء الشُّموس والأقمار

وأنشدني لنفسه:

يا حادي الأظعان إن جئت اللِّوىسلِّم على اللَّاوي ذنوبي في الهوى
حدِّثه أنَّ مدامعي من بعده الــبحر الخضمّ وفي الحشا نار الجوى
وبأنَّ سقمي قد تجاوز حدَّهلفراقه الموهي العزائم والقوى
ولعلَّه يرعى العهود ويرعويولئن رعى أبرى الضَّناء أو ارعوى
قمرٌ حوى في الحسن أوصافًا لهابل دونها الصِّدِّيق يوسف ما حوى
سلوانه قبل النَّوى قلبي نوىوقد انثنى بعد النَّوى عمَّا نوى
فكأنَّما بين الحبيب مقوِّمٌعود الغرام إذا التوى بعد النَّوى

وأنشدني أيضًا لنفسه:

أيا من تعرَّضني في الكرىوإعراضه نفطه يحرق
تعهَّد عهودي عهود الهوىبماء الوفاء عسى تورق
.. بدَّلته عذَّاليفما هو من شمسه يشرق
ولا برقه غير ما خلَّبٍولا سحبه ماؤها يهرق
نصحتك فاقبل وإلَّا فعنقريبٍ كذا الدَّمع قد يشرق

وأنشدني لنفسه:

صاح دنيانا كبحرٍمن أذىً فيه نعوم
إن تجد فيها نعيمًافالشَّقا ذاك النَّعيم

وأنشدني لنفسه أيضًا من شعره:

صاح دنيانا مقامٌما بها شيءٌ يدوم
ولذي الجهل جنانٌولذي العقل جحيم

وأنشدني لنفسه تهنئة .. بولاية:

كم من أناسٍ للولاية شرَّفواوأرى الولاية شرِّفت بإياس
القرم فخر الدِّين خير بني الدُّنىاللَّابس العلياء خير لباس
قطب العلا ربُّ التُّقى حلف النُّهىحتف العدا خدن النَّدى والباس
سارت بسعدٍ فلكه ونجومهتسري بعزٍّ ثابت الآساس

وأنشدني لنفسه:

عنَّ ادّكاركم فعنىًيا مدمن الإعراض عنّا
كم ذا الجفا منكم لناولكم حميم الودِّ منَّا
إن كان ذا حكم الهوىفلقد قضاه الله عنَّا
عزَّ العزاء على شجبهواك هان وما تهنّا
أنضاه صدُّك صبرهوفؤاده والجسم أضنى
فامنن عليه بالرِّضانلت المنى وامنحه أمنا
واحنن وحنَّ فحينهقد حان إلَّا أن تحنَّا

وأنشدني لنفسه:

يا أيُّها الرَّشا الَّذيامسى الأسى فيه سميري
أسرفت في جورٍ علــيَّ ولم تكن لي بالمجير
أتظنّ أنَّي في الهوى-أفديك- خوَّانُّ الضَّمير
قسمًا بنرجس مقلتيــك وخال أقناك العبيري
وبنفسجٍ في عارضيــك وورد خدَّيك النَّضير
والأقحوانة في الشَّقيــق بفيك والرِّيق النَّمير
ما لي نظيرٌ في الوفاء ولا لحسنك من نظير

وانشدني لنفسه:

وأسمر كالخطِّيِّ همت به وجدًاضنا خصره جسمي وأخفى به عدَّا
إذا اهتزَّ عطفاه وماد قوامهحسبت قضيب البان من قدِّه قدَّا
تخال إذا ما ماس من ثقل ردفهبساقيه قيدًا جاء في ثقله إدَّا
له نبل لحظٍ في قسيِّ حواجبٍعلى غرَّةٍ منه برت مقلتي عمدا
وجيدٌ غزاليٌّ وصدغٌ معقربٌنكايته في القلب جاوزت الحدَّا
ولام عذارٍ مستديرٍ منمنمٍبذائب مسكٍ من ذوائبه مدَّا
وشاربه الآسيُّ نقشة خاتمٍكحقِّ عقيقٍ ضمَّ من لؤلؤٍ عقدا
وريقته شهدٌ يشاب بقرقفٍووجنته الدّكناء مسكٌ علا وردا
أكاتمه حبِّيه خوف نفارهلعلّي بالكتمان أن أبلغ القصدا
رشًا إسمه هو خلقه ثم َّ أصلهوحانوته فوه وفوه لنا أجدى
لئن ساعف الدَّهر الجموح بوصلهلأضعفنه أضعاف ذمَّ الورى حمدا

عبد السَّلام بن يحيى بن عبد الله بن المفرِّج بن درع بن الحسن بن الخضر بن حامدٍ التَّغلبي القاضي، أبو محمَّد بن القاضي أبي زكريا التكريتيُّ:

آخر أولاد أبيه، يفوقهم فضلًا، وفهمًا، وذكاءً.

ولد يوم الخميس بعد الظهر، وهو الثامن عشر من شعبان سنة سبعين وخمسمائة.

قرأ القرآن العزيز في صغره، وحفظ فصولًا وعظية، ورتب له والده مجالس الوعظ، فحفظ منها عدة مجالس، وتكلم في دارهم حتى تمرّن وصارت له فيه دربة جيّدة، ولون حسن، فعقد له المجلس في بعض مشاهد تكريت، حيث يتكلم الوعاظ، وتكلم ووعظ الناس وعمره يومئذ تسع سنين، فكان يتعجب من يسمعه من جودة كلامه على صغر سنه، وكلّما قدم تكريت واعظ أو أحد من أهل العلم والأدب يحضر مجلسه.

ولما قدم البلخي الواعظ، حضر مجلسه وقال: هذا عنده استعداد حسن، ثم انحدر صحبة والده إلى بغداد، واستحضر والده بالديوان العزيز عند الوزير معز الدين

أبي المعالي سعيد بن عليٍ بن أحمد بن الحسين بن حديدة واستصحب أبا محمد معه، ورتب له مجلسًا حسنًا، ودعا لأمير المؤمنين الناصر لدين الله- رضوان الله عليه- فاستأذن والد الوزير في أن يتكلم أبو محمد، ويدعو للخليفة، فأذن له، وحين شرع في الكلام، أشار إليه صاحب الحجاب فخر الدين بن الدوامي بأن يقوم ويتكلم قائمًا على عادة من يتكلم بحضرة الوزير، فقال له الوزير: تكلم على حالك، وإذا وصلت إلى الدعاء للخليفة قم قائمًا فشرع وتكلم بكلام حسن، وكان المجلس حافلًا بالصدور والحجّاب والأمراء، وذلك في العشر الوسطى من ذي الحجة من سنة أربع وثمانين وخمسمائة. وبعد ذلك سافر والده إلى تكريت، فتقدم الوزير إلى المدرس بالنظامية، وهو يومئذ أبو طالب بن الخل بتسليم غرفة لأبي محمد يسكنها، فسلم إليه مفتاح الغرفة، فأقام على أمر العمارة، وما يخرج عليها، واستمر الحال على ذلك إلى أن عزل الوزير ابن مهدي عن الوزارة، وولي بعده نيابة الوزارة ابن مسينا فولّاه الأشراف من جانب الديوان على تكريت، وجميع أعمالها، وخلع عليه كما جرت العادة، وكتب له التوقيع بذلك فاستمر على هذه الولاية يشارف ما يفعله النواب بالمدرسة، وبمعاملاتها، ويضبط القيام بوظائفها، وتولى بيع المشاعات في أوقاتها، وما أجرى له من حاصلها، إلى أن صرف عن ذلك في أواخر سنة ثمان وستمائة، وأقام عند أبيه في النظامية إلى أواخر سنة عشر وستمائة، وأنفذه والده إلى تكريت، وفوض إليه النظر في بعض الوقوف التي بها هناك، وتولي أمرها، وما كان يتعلق هناك بوالده وبه من أسباب، إلى أن تقدّم الديوان العزيز إلى مستحفظ قلعة تكريت بالنظر في أمر الوقوف فتسلم ما كان بيده ويد غيره، فرجع إلى مدينة السلام في سنة اثنتي عشرة وستمائة.

من بيت القضاء والخطابة ببلده، والدين والعلم، وهو فاضل أديب، شاعر خطيب، له مؤلفات من الخطب والرسائل والأشعار، وقفت على جملة كبيرة منها.

وهو الآن بالنظامية، في غرفة من غرفها، لقيته بها في سنة تسع وثلاثين وستمائة، ويختلف إليه جماعة من المستفيدين يقرأون عليه أنواعًا من الأدب والفقه والقرآن وغير ذلك.

فمما أنشدني لنفسه قوله:

خليليَّ قد بان الكثيب ولعلعوسحَّت لتذكار الأحبَّة ادمع
قفا فاعجبا من جفن عيني تواصلتبه عبراتٌ والفؤاد مفجَّع
هم فارقوني واستقلَّت ركابهموودَّع نومي مقلتي يوم ودَّعوا
وأصبحت ذا شجوٍ بغير مؤانسٍوحيدًا وقد أقوت ديارٌ وأربع
أحنّ إلى رؤياهم كلَّ ساعةٍواشتاقهم والشَّوق بالقلب مولع
وأذكر أيامًا تقضّت بوصلهميكاد لذكراها الفؤاد يصدَّع
فقد كان لي عيشٌ هنيٌّ بقربهمترى هل لنا في عود ذلك مطمع؟
قضى الله بالبين المفرِّق بينناوما لقضاء الله في الخلق مدفع
ترى ترجع الأيَّام بعد تفرُّقٍتجمُّعنا هيهات هيهات تجمع

وانشدني- أسعده الله- قال: كتب إليه هذان البيتان، وهما لبعض الشعراء في صدر كتاب من بغداد إلى تكريت:

ولي بعدكم من بعدكم فرط لوعةٍلها في صميم القلب لذع شهاب
سأغفر للأيّام كلَّ خطيئةٍإذا بشَّرتني منكم بكتاب

فأجاب لنفسه:

لئن كانت الأيَّام ضنَّت بقربنافقد سمحت في وصلنا بكتاب
وقد يعقب الصَّبر الجميل مسرةٌفدونك فاكتب واستعدَّ جوابي

وأنشدني عبد السلام لنفسه:

أنهنه الدَّمع جهدي وهو منذرففالقلب في تعب والصَّدر مرتجف
وأوحشت رحل الأحباب وانصرفوادع الدُّموع على وجدي بهم تكف

وأسأل حداة المطيِّ إن هم وقفوا

يا غائبًا أثرت في القلب غيبتهوأنبتت عندي الأسقام غربته
من داؤه البين قد عزَّت أطَّبتهفلا تلم من نأت عنه أحبَّته

وغالبته يد الأسقام واللَّهف

قد كنت من بينهم مستشعرًا حذرًالو كان فرط حذاري يدفع القدرا
بانوا فبان سروري معهم وسرىسار وأسرت بهم بزل النَّوى سحرا

لله ما ضمَّت الأكوار والسُّجف

لو كنت يوم استقلَّ الظَّاعنون معيلكنت تعجب من ذلّي ومن جزعي
حثُّو المطايا وسار القلب في التَّبعوما برحت أناديهم على طمع

من الجواب فما حنُّوا ولا عطفوا

رفقًا بصبٍّ يد الأسقام تهلكهيخفي الغرام وفيض الدَّمع يهتكه
يروم قربهم لو كان يملكهأريد من زمني ما لست أدركه

فما احتيالي ووجه الدَّهر منصرف؟

وأنشدني لنفسه يمدح المستنصر بالله- رذي الله عنه-:

ما عذر من شرخ الشَّباب معينهوزمانه صافٍ لديه معينه
بادر إلى اللَّذات مادام المنىفي بحر إقبالٍ تسير سفينه
وانهض إلى عيشٍ يمرُّ زمانهقصرًا فعيش المرء يبعد حينه
فالوقت يمضي لا يعود وكلُّ حـيُّ سوف تعدمه الحياة منونه
وانهب من العمر القصير مسرَّةفالموت في طيِّ الزَّمان كمينه
في نهر من قد .. لي .. فعمفيه إذا عام فيه سفينه
سر فيه في سيَّارةٍ حيزومهايفري الفرات كفري ماء نونه
فالماء فضِّيُّ القميص تزرَّدتبعبير أنفاس الرِّياح متونه
وعلى الجوانب منه نبت بنفسجٍوالزَّهر زاهٍ في الرِّياض فنونه
والبان يرقص كلَّما هبَّ الصَّباوتبوس ثغر الأرض منه غصونه
والطِّير بين مجاوبٍ لقرينهومفارقٍ يدني الغرام حنينه
وترنُّم الدُّولاب يحكي عاشقًالجَّ الغرام به فرقَّ أنينه
فالقلب منه كقلب مهجورٍ بهقلقٌ وكالماء السحوح شؤونه
وأرقُّ من نوح المفارق نوحهوأصحُّ من كلِّ النَّشيد لحونه
مع أغيدٍ قد علَّمت هاروت سحــرًا لا يحلّ مدى الزَّمان جفونه
يحكي سواد اللَّيل حالك فرعهطولًا ولونًا والهلال جبينه
وإذا استقر بك المكان وقابلتعيناك صاد فتى الجمال ونونه
وجلا همومك لينه ورواؤهودعا الدَّعابة لطفه ومجونه
فاخلع إذا ثوب الوقار فخير منعقل الفتى عمَّا ذكرت جنونه
واقطف جنى لين الشَّباب فإنَّهإن عشت سوف يصير يبسًا لينه
واظنن برِّبك رحمةٌ فالعبد تنــفعه لدى ربِّ العباد ظنونه
لا تيأسنَّ مع المتاب وصدقهمن محو ذنبٍ فالإله ضمينه
وكذاك لا تجزع لعجم ملمَّةٍفخليفة الله المكارم دينه
مولىً على ركني عطاءٍ واسعٍوعموم عدلٍ في العباد ركونه
مولىً إذا ضنّ السَّحاب بقطرهأغنت عن الغيث المغيث يمينه
لازال يرفل في ثياب سعادةما سحَّ من دمع السَّحاب هتونه
دام الخليفة في الأنام خليفةًما لازم القلب السَّليم وتينه
فدعاؤه فرضٌ عليَّ وواجبٌأبدًا فلا زالت عليَّ ديونه

وأنشدني أيضًا لنفسه، وذلك بالمدرسة النظامية، في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة:

لي فيك قلبٌ على وجدي يطاوعنيوإن أردت سلوًا منك يعصيني
وعاذلٌ دأبه عذلي يؤنبنيوعاذرٌ مستهام القلب يغريني
فالشَّوق والعذل قتلي في اجتماعهمابل واحدٌ منهما في ذاك يكفيني
فإن أمت فاجعلوا قبري على جدد الــطَّريق كيما يمرُّوا بي فيبكوني
ووسِّدوا التُّرب خدِّي واكتبوا بدميعلى الجوانب هذا قبر مسكين
قتيل شوقٍ أذاب الحبُّ مهجتهكما يموت ويقضي كلُّ محزون
وإن أعش فحياةٌ غير طيّبةلا سيَّما وغريم العذل يؤذيني
دعني أجنُّ فعقل المرء يعقلهما لذَّة العيش إلَّا للمجانين

وقال وعظيّة وأنشدنيه:

يا نفس أنت عن الرَّشاد بمعزللا تبصري غير الممات وتغفلي
وتؤِّملي طول الحياة وهل سمعــت بأنَّه طالت حياة مؤمِّل؟
غرَّتك من دنياك وهي غرورةٌخدعٌ فبعت معجّلًا بمؤجَّل
لا تغفلي عمَّا يؤاتي بغتةًوسهامه لا تنثني عن مقتل
أو ما مصارعه لديك ترينهاأو ما شراب كؤوسها كالحنظل؟
وكما حملت إلى القبور جنازةًفتيقَّني لابدَّ من أن تحملي
والموت منهل كلِّ حيٍّ فاعلميلا مصرفٌ لك عن ورود المنهل
ولكم منازل بعد موتك صعبةٌتلقينها والقبر أول منزل
إن كان سهلًا كان سهلًا بعدهأو كان صعبًا كان أصعب مبتلي

وقال في إحماد عاقبة الصبر:

لا تيأسنَّ وإن مسَّتك ضائقةٌفآخر الضِّيق مقرونٌ به الفرج
واصبر فإنَّ زمان الصَّبر منصرمٌمادام قطُّ اتِّساعٌ لا ولا حرج

وله في التعجب ممن يتناسى الموت:

عجبت لملتذٍّ بطيب رقادهومختلس الأرواح ضيف وساده
يحبُّ بأن يدعى حكيمًا ومن يكنحكيمًا يكن ذا همَّة لمعاده

وقال في صدر كتاب جوابًا، وأنشدنيه:

أفدي الذي بشراي في مكتوبهوافى فروَّى غلَّتي بنسيبه
فكأنَّه في العين حلَّة يوسفٍوكأنَّه في القلب وصل حبيبه

وقال في ذمّ اللجاج والعجب والتكبر وإتباع الهوى:

وأربعةٍ فيها لذي العقل راحةٌإذا ما توقّاها وإصلاح شانه
لجاجٌ وإعجاب الفتى وتكبرٌومن يتبع الأهوا يعش بهوانه

وقال في الصديق، وأنشدنيه:

صديقك من تجافيه فيغضيويحفظ عهدك الماضي ويرعى
وليس صديقك المولي ثناءًمن الحسنى وإن قاطعت أفعى

وقال في فعل الشوق، وأنشدنيه بمدينة السلام:

أشكو من اللَّيل طولًا إذ شكا قصرامهفهفٌ عنه قلبي قطُّ ما انزجرا
كأنَّما الأسمر الخطيُّ قامتهوالسحر مع لحظه هاروت قد سحرا
يصدُّ عنّي الكرى مهما يصدُّ وإنأبدى الوصال يعود العيش لي نضرا
يا ذا الَّذي وصله لي جنَّةٌ قربتوهجره بضرام الشَّوق قد سعرا
إن كان قصدك قتلي في الهوى فأنالم يبق لي الشَّوق لا سمعًا ولا بصرًا
مازلت فيك أعاني كلَّ لائمةٍوما رأيت لمثلي قطُّ من عذرا
لولا تمنِّي وصالٍ منك آملهقد كان قلبي بطول الهجر منفطرا

وقال في الاعتذار، وأنشدنيه:

أرجِّي لديك العذر فيما أقولهومثلي إذا يشكو إليك له عذر

لقد كنت في عيشٍ رغيدٍ ونعمةٍ وصحبة إخوانٍ بهم عسري يسر

فقد عاد حظِّي بعد طول بياضهمن الوقت والأحوال يسمعه الحرُّ
وأنَّ الذي أرجو وآمل أنَّهيبيِّض بالإحسان ما سوَّد الدَّهر

وقال في ذم الكلام، وأنشدنيه:

لا تكثرنَّ من الكلام فطالماجلب الكلام أذىً على المتكلِّم

وقال غزلًا، وأنشدنيه:

بين العقيق وبين الضَّال والسَّمرتملَّك القلب منِّي أحور النَّظر
مهفهف القدِّ ساجي اللَّحظ أكحلهما إن رأيت له شبهًا من البشر
كأنَّما الغصن الميّاس قامتهوالفخر للَّيل في التشبيه بالشَّعر
لطيف خلقٍ وخلقٍ شأنه خفرٌمنزّه القدِّ عن طولٍ وعن قصر
يزورني والدُّجى مرخٍ غلائلهفاكتفى بمحيَّاه عن القمر
يكاد من حسنه العميان تبصرهومن سنى نوره يعمى ذوو البصر
له من الريم جيدٌ والمها مقلٌوالسحر لحظٌ وجنح الليل في الطور
كم من ليالٍ تقضَّت في منادمةوفي محادثة ترضى وفي سمر
وأعين البين والحسَّاد غافلةٌعنَّا وصفو اللَّقا خالٍ من الكدر
فبينما نحن في روض الوصال إذاسهمٌ من البين يقفو مسرعًا أثري
فلم أسرَّ بشيءٍ بعد موقعهوصرت للبين ذا وردٍ وذا صدر
فدع غرور الأماني فهي كاذبةٌوكن على وجلٍ منها وفي حذر
فكلُّ جمعٍ إلى التَّشتيت موئلهوكلُّ حلوٍ فعقباه إلى مقر

وقال:

رفقًا بمن أمسى لديك قتيلايشكو الضَّنى وصبابةً ونحولا
وحسام بينٍ مولعٍ بشباتهماضي المضارب لم يزل مسلولا
يا عاذلي على الغرام إليكماعنِّي فإنِّي لا أطيع عذولا
أظننتما أسلو هواه وحبَّهأو أنَّني أرجو إليه سبيلا
فقفا على وادي الأراكة والنَّقافعسى الوقوف به يبلُّ غليلا
فلعلَّ من جلب السَّقام فراقهيحنو ويسعى بالوصال قليلا
فالقلب من ألم الفراق مولَّهٌوالطَّرف أصبح بالسُّهاد كليلا
عوجا على تلك الخيام فربعهافيه لذي الداء الدواء
فلقد وقفت على رباها حائرًاوالعيس تطوي البيد ميلًا ميلا
صار السُّهاد لجفن عيني مألفًايلقي مع السَّعات فيه مسيلا

وقال بتكريت، وعرض في المعنى إلى شدَّة شوقه إلى والده ببغداد، وأنشدنيه:

دمع عيني من الجفون سكوبوحشا حشوها أسىً ولهيب
وسقامٌ له ترقُّ الأعاديوغرامٌ به تذوب القلوب
إنَّ بين الضُّلوع نارًا تلظّىفالهوى واقدٌ وشوقي حطوب
ما تريد النُّوى بنا كلَّ يومٍمنه تأتي فجائعٌ وخطوب؟
فرَّقتنا يد الشّتات فما العيــش بحلوٍ ولا الحياة تطيب
كيف بالعيش للمشوق أليفًافاته الصَّبر حيث غاب الحبيب؟
يا غريب الدِّيار كن لي أنيسًاإنَّما يألف الغريب الغريب
يتشاكى سهام بينٍ إذا ماندبتها يد الفراق تصيب
فلكم بالفراق سحَّت جفونٌولكم بالنَّوى قلوبٌ تذوب
لا تلمني إن نمَّ بالسِّر دمعيما يلام المفجَّع المكروب
فهيامي بهم به ضجّ جاريوسقامي قد حار فيه الطَّبيب
سادتي بعدكم عدمت سروريوبقائي مع البعاد عجيب
من نواكم أخذت أوفى نصيبٍأترى لي من اللِّقاء نصيب؟
أتراه يعيد شملي قريبًاألريح اجتماع شملي هبوب؟
إن يسرُّ الشَّمال قومًا فإنّيأشتهي أينما تهبُّ الجنوب

وقال أيضًا:

صبٌّ معنىًّ بمعسول اللَّمى كمدلم يبق فيه على حمل الضَّنى جلد
له من السُّقم ثوبٌ دام لابسهحلَّ القوى لبسه مذ أنحل الجسد
يبيت من طول همٍّ ساهرًا ولهجفنٌ قريحٌ بترداد البكار مد
سقيًا لأيّامنا بالجزع إذ غفلتعنَّا الحوادث والواشون قد رقدوا
إذ بات من ريقه لي قهوةٌ ومن الــخدود وردٌ ودرُّ الثَّغر منتضد
ومن ذؤابته ليلٌ وجبهتهصبحٌ وقدٌّ كغصنٍ ما به أود
فذلك العيش لا شيءٌ يعادلهعليه نار الجوى في القلب تتَّقد
ترى تعود ليالينا بمنعرج الــلِّوى وهذا الجفا يقضى له أمد؟
هيهات هيهات ما في عودها طمعٌودون هذي الأماني ينفد الأمد
لا تأملنَّ صفاءً قطُّ مطَّردًاوإنَّما الرَّنق والأكدار تطَّرد
وكن مع الوقت فاقطف منه راحتهفما ليوم التَّهاني والسُّرور غد
فبسمة الدَّهر لا تبقي على أحدٍوإن شككت فقل لي هل نجا أحد؟

وقال أيضًا:

طال لبثي بدارهم ووقوفيباكيًا فقد مؤنسي وأليفي
وزمانًا بلعلعٍ لست منهفي رياضٍ من تالدٍ وطريف
لست ألقى من الورى غير لومٍأو سماعٍ [يبكي] وعذلٍ عنيف
ورقيبًا أمرَّ من فجعة البيــن ولذع القنا وضرب السيوف
كان بدر السُّعود في برج وصليولحظِّي أمسى ببرج الكسوف

وقال:

ليس يثني الفؤاد عنه ملامفلماذا يلومني اللُّوَّام؟
فحرامٌ على الجفون كراهًامثلما أنَّه الوصال حرام
سيِّدي أمن كم تلوم وفي القلــب لهذا الكلام منك كلام
كم تراني أروم صبرًا عليهوهل الصَّبر في هواه يرام؟
رشا للعيون فيه رياضٌمزهراتٌ وفي القلوب ضرام
ومن الوجه لون وردٍ وآسٍومن الرِّيق قهوةٌ ومدام
ومن العين نرجسٌ ومن الشَّعــر سوادٌ وحلكةٌ وظلام
ما القضيب الرَّطيب منه بشيءٍفي التَّثنِّي ولا القوام قوام
لا ولا الدُّر كالثَّنايا إذا ماثغره العذب بان منه ابتسام
فعلى العيش والحياة جميعًابعده أيُّها العذول سلام

وقال في الفراق:

ترحَّل عنِّي الإلف فالعين تهمروناديته والعيس تحدى وتزجر
أيا سادتي منُّو عليَّ بنظرةٍأبلُّ بها نار اشتياقٍ تسعَّر
ففي كبدي للبين وخز أسنَّةٍإذا أحدقت بالقلب زال التَّصبر
فأدمع عيني لا ينال غريقهاونار غرامي في الجوانح تسجر
فمن لقتيلٍ بين نارٍ وأبحرٍلواعجه ما تأتلي قطُّ تفتر

وقال أيضًا:

إذا لم ألق من يهدي سلاميويشكو ما لقيت من الغرام
أشير إلى الخيام وأيُّ شيءٍيفيد لمن يشير إلى الخيام؟
نأوا عنِّي وكان الطيف إلفيفأشكو ما بقلبي في المنام
فلمّا قاطعوا وجفوا وصدُّواجفا جفني الكرى والدَّمع هامي
هم رحلوا فزاد بهم هياميوقلَّ تصبُّري والشَّوق نامي
فخلِّ العذل لست وإن جفونيوصدُّوا قطُّ أصغي للملام

/ أ/

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.