من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه عبد الصمد
عبد الصَّمد بن عبد الله بن الحسين المراغيُّ.
المنشئ الكاتب.
كان يكتب الإنشاء بمراغة للملكة ألغ خاتون بنت ركن الدين أقطاي، صاحبة مراغة.
كان من الموصوفين بالفصاحة والكتابة، ولم ير في زمانه أفصح لسانًا منه مع حسن خط، وسهولة عبارة، وأخذ من الأدب أو في حظ، وله رسائل وأشعار.
أنشدني من شعره أبو عبد الله محمد بن جعفر بن محمد الإربلي قال: أنشدني عبد الصمد الكاتب لنفسه، ولهذه الأبيات قصة:
ألم تر للكفَّار فوزًا ونصرةًكأنَّ زمان المسلمين قد انتهى؟
وغارت نجوم الدِّين وهي طوالعٌوهدِّم من إسلامنا المجد والبها
تولّى من الآفاق دين محمَّدٍسلامٌ على الإسلام حيث توجَّها
عبد الصَّمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي نصر بن محمَّد، أبو المآثر الأنصاريُّ المصريُّ:
ففيه شافعي فاضل، حافظ للمذهب، مناظر، وله معرفة بأصول الفقه، وصنَّف فيه كتابًا سمّاه: "أرواح الحقائق"، وعى ذهنه قطعة صالحة من التواريخ وأشعار أهل ديار مصر.
ولم يكن له في قرض الشعر حظ، إلَّا أنَّه يقول منه شيئًا نزرًا، ولم يتعدَّ البيتين أو الثلاثة، فأحببت أن أنبه على فضله ومعرفته، ولا أخلي الكتاب من ذكره.
وكان يتولَّى قضاء قليوب ونواحيها من أعمال ديار مصر، وبلغني أنَّه تولّى الوكالة بنصيبين، وظهر منه ظلم أوجب عزله عنها.
لقيت القاضي أبا المآثر بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وسألته عن ولادته فقال: ولدت في شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وروى لي جملة من أشعار أهل بلده، واستفدت منه.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى جمال الدين أبي القاسم عبد الرحيم شيث الكاتب:
جمال الدِّين شوق العبد شوقٌيقصِّر عن عبارته اللِّسان
ولكن في ضميرك لي شهودٌعدولٌ لا يجرِّحها العيان
بقلبي منك حبٌّ ثبَّتتهأيادٍ سابغاتٌ وامتنان
فلا تخطب بقطع الكتب عتبىفمثلكً عن معاتبتي يصان
عبد الصَّمد بن محمَّد بن المجلِّي بن محمَّد بن المجلِّي بن المنصور بن المبارك أبو عليِّ بن أبي عبد الله:
كانت ولادته بنصيبين ليلة النصف من شعبان سنة عشر وستمائة.
وكان جدّه المجلّى بن محمد إليه رئاسة نصيبين، والحكم فيها.
وأبو علي شاب يتوقد ذكاءً، متأدب في نفسه، لطيف، قرأ طرفًا من علم العربية على الرشيد أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني، ويرجع إلى سلامة عقيدة، [و] قريحة في صناعة القريض، وله أشعار حسان، ومديح جيد، ومدح الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فأنعم عليه إنعامًا سنيًّا.
قدم الموصل قاصدًا شيخها الإمام كمال الدين أبا المعالي موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الفقيه الشافعي، ليقرأ عليه الفقه ونزل بالمدرسة
المولوية البدرية المطلة على دجلة- حرس الله منشئها- وهو ذو فضل واف وبشر وكياسة وسجاجة، وكان كثير التردد إلى مجلس الأمير الأصفهسلار، أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري السلطان، فيقبل عليه، ويبالغ في إكرامه، ويرفع من قدره.
أنشدني لنفسه يمدح المولى الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، أبا الفضائل أتابك، غرس أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه- وأنشده إياها بظاهر البلد، بالجوسق المحروس، في جمادى، سنة إحدى وثلاثين وستمائة من حفظه:
[ألا] يا مالكًا أمست سطاهيذلُّ لعزِّها الخطب الجسيم
ومن أضحت به الدُّنيا إذا مادهى عوجٌ تقرُّ وتستقيم
بك افتخرت ملوك الأرض وطرًافأنت البدر حيث هم النُّجوم
سموت علًا على كلِّ البرايافما لك في النَّدى يومًا قسيم
وجدت على رقيق نداك عفوًاببرءٍ عنده يشفى السَّقيم
فيمَّم بابك المحروس لمّاغدا يحدو به الحبُّ القديم
وباتت نفسه تشكو إليهغرامًا لا يقرُّ لها غريم
فقال لها رويدك فاستقرِّيفهذا المالك الملك الرَّحيم
بلغت بقربه أقصى الأمانيونالك عزُّ دولته المقيم
فبشرى بالَّذي قد نلت بشرىفهذا الفخر والشَّرف العظيم
وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها:
أيا ساكنًا بين الحشا والضَّمائرتعطف فإنَّ الصَّبر ليس بضائر
ويا من إذا ما شاء فتَّر لوعتيبنظرة وصلٍ بالجفون الفواتر
تصدَّق بوعدٍ يجعل اليأس قربةًمن الوصل أو طيفٍ لكسري جابر
فوجدي مقيمٌ والتَّجلُّد راحلٌوعمري مضى والسِّتر ليس بسائر
ويا عاذلي لا تلحني في معذِّبيفإنِّي على السُّلوان لست بقادر
يجور على ضعفي لأنِّي في الهوىوحيدٌ ولكن [ليس] عندي بجائر
ويقتلني بالهجر منه تغلُّبًاوإن كنت أزري في القتال بعامر
وكم كسر الأبطال لا بمثقَّفٍولا بالسيُّوف المرهفات البواتر
ولكن بسحرٍ في الجفون كمينهبياض خدودٍ لا بياض خناجر
وأنشدني لنفسه وقد ودّع أهله وصديقًا، فبكى عند ذلك:
ترحَّلت عن صحبي وقلبي لديهمرهينٌ ونار الشَّوق في القلب تلذع
وودَّعت صفو العيش عند وداعهمفلا عضو إلَّا وهو منِّي مجدَّع
أينكر هذا أو ألام على البكاوقلبي من فرط الصَّبابة موجع؟
وأعظم من هذا الذي قد ذكرتهفراق فلان الدين والعين تدمع
وأنشدني لنفسه وقد طلب منه بعض أصحاب الأمير أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، أن يعرِّض بذكره عند الأمير، وكان الأمير قد وعد ذلك الشخص أن يزوجه، فنظم هذه الأبيات في المعنى المقترح عليه:
أمالك رقِّي من له النَّهي والأمرومن نطقه درٌّ وإنعامه بحر
ومن هو كهفٌ للعفاة وملجأٌإذا نابهم خطبٌ ومال بهم دهر
تصدَّق على المملوك واسمع مقالهفأنت الذي يسمو به النَّظم والنَّثر
عبيدك يرجو منك إنجاز وعدهفليس له عمّا وعدت به صبر
ولا يرتجي إلَّا سماحك شافعًاليشفعه إذ قد أضرَّ به الوتر
وأنشدني لنفسه جوابٍ كتاب، ورد من صديق له:
وصل الكتاب فمرحبًا بوصولهفنفى هموم القلب عند حلوله
وقرأته فوجدت فيه فصاحةًتزري على قسٍّ بحسن فصوله
واشتقت كاتبه فصار مصون ماء العين حين قرأت من مبذوله
وأنشدني لنفسه:
وما كنت أرجو من عدوٍّ إذا جرتنوىً بيننا نجفو فكيف من الخلِّ
فإن يكن التَّقصير منِّي فتائبٌإليه وإلَّا فهو في أوسع الحلِّ
وأنشدني قوله:
وحقّ عهودٍ بيننا ما تأخَّرتمكاتبتي عنكم ملالًا ولا جفا
ولكنَّ شوقي حين أشرحه لكملهيبٌ ونارٌ والفراق قد انتفى
ولم يجتمع شوقٌ مع الطرس لحظةًوهذا هو العذر الذي لن يكيَّفا
وأنشدني لنفسه وقد جاءه من صديق له كتاب: بمن المتقارب]
أتاني كتابك يا مالكيفهيَّج قلبي لذكراكم
وضاعف شوقي وزاد الغرامجنونًا إلى حسن رؤياكم
فأنشدت حين تأمَّلتهولم أك والله أنساكم
لئن غبت عنك فإنَّ الفؤادمشوقٌ إلى طيب لقياكم
وأنشدني لنفسه:
بنفسي أفدِّي كلَّ ضيمٍ بمؤمنهوإن حرمتني لذَّة النَّوم والسِّنه
وإن قبحت بالهجر يومًا فطالماأتت بوصالٍ لم تزل فيه محسنه
وأنشدني لنفسه يرثى عمَّه، ويعزي والده، وأنفذها إليه، ووالده بنصيبين، وعبد الصمد يقيم بالموصل:
ولمَّأ أتى ما صمَّ سمعي بذكرهوإن كننت في حال الحقيقة أسمع
شققت ردائي حسرةً وندامةًولو شقَّ منِّي القلب ما كنت أقنع
وأضحى به صبري يغيض وأدمعيتفيض ونار الحزن في القلب تلذع
وذاك قليلٌ في فراق أحبَّتيوقد كنت أرجو الاجتماع وأطمع
وكنت إذا حدَّثت قلبي ببعدهميكاد من الوجد المبرح يصدع
فكيف نوىً لا أستلذٌّ لأجلهابعمر ولو كان الَّذي أتوقع
ولكن أسلِّي النَّفس عمّا أصابهابقاؤك لي إذ من بقائك مقنع
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى والده بنصيبين، وعبد الصمد بسنجار: بمن الكامل]
وافي الكتاب وفي فؤادي لوعةٌلم يلقها أحدٌ من العشّاق
فقرأته والنار تحرق مهجتيوالدَّمع منسكبُّ من الآماق
وشكوت من ألم الفراق وبعض مالاقيته من شدَّة الأشواق
وسألت من جرت النَّوى بقضائهما بين مشتاقٍ إلى مشتاق
دعوى غريبٍ طالبٍ لقبولهأن يعقب الإبعاد يوم تلاقي
وأنشدني أيضًا لنفسه:
أروحي كم يعنِّفني العذولوما لي عن محبَّتكم نصول
فوجدي تضرب الأمثال فيهوحسنك لا يعدّ له عديل
فيا من وجهها شمسٌ وبدرٌوقامتها كغصن نقًا يميل
وخدٌّ يخجل التُّفّاح منهوريقٌ منه يجري السَّلسبيل
وطرفٌ في الصِّناعة بابليٌّوخصرٌ مثل عاشقها نحيل
لئن حرَّمت من وصلي حلالًافإنِّي في خيامكن قتيل
فيا لله من ليلٍ تقضَّىوجادت باللِّقاء به الطُّلول
فأحييت الصَّباح بلثم خدٍّووصلٍ عنده يشفى العليل
وبتُّ أراقب البدرين فيهولا واشٍ ينمُّ ولا عذول
فبدرٌ يقطع الأفلاك سيرًاوبدر الحسن عندي لا يزول
فلمّا أن دنا التَّوديع منهوصدري قد أحاط به الغليل
أخذت عهوده قسمًا بوصلٍوأكد صدقه وعدٌ جميل
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع