من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه عبد الكريم
عبد الكريم بن أبي السعادات ب/ بن كرم بن كنصا، أبو محمدٍ البغدادي الحنفيُّ.
والد إبراهيم الَّذي تقدّم ذكره، نزل الموصل ولم يزل مقيماً، إلى أن توفي عشية السبت ثامن جمادي الآخرة سنة عشرة وستمائة ودفن ذلك اليوم بمقبرة الجامع العتيق قبليَّه ﵁ وكان قد جاوز الثمانين، وخدم الأمراء من بيت أتابك، وأنفذ رسولاً إلى عدّة جهات من قبلهم، وكان أثيراً مقبولاً ذا منزلة وحرمة.
وكان شيخاً طويلاً متواضعاً سخياً، حسن المروءة، واسع النفس تفقّه علي مذهب الامام ابي حنيفة ﵁.
وكان يقول أشعاراً رائقة، في أغراض تقع له، ومنها ما انشدني ولده أبو إسحاق ابراهيم ﵀ تعالي. قال: أنشدني والدي لنفسه؛ ما كتبه إلى اتابك نور الدين أبي الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن زنكي - صاحب الموصل ﵁ أ/:
بعد سبعين حجَّة قد تقضَّتعند ملكٍ جم النَّوال عظيم
ذهب الناس في الزيادة والنَّقصــص وعبد الكريم عبد الكريم
وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه ما كتبه في صدر كتاب إلى اتابك عزِّ الدين بن مسعود بن مودود:
لا تضعني من بعد حفظك يا مالك رقي في حادثي وقديمي
انا عبد الكريم أنت ومن أعـ ـجب شئٍ ضياع عبد الكريم
وقال أيضاً:
إن مسَّك الناس بسوءٍ فكنبما قضي الله به راضياً
ودع أذاهم وتوكَّل علي الــله تجده ابداً كافيا
وقوله:
كن أوثق الناس بما في يد الله ودع الله ودع ما في يد الناس
لا تقطع العمر ولا تفنهلا برجاء لا ولا ياس
لا يوحشنك البعد عنهم وإنساء ففيه كل إيناس
وله في الشيب:
/ أ/ وقالوا: جزعت لفقد الشَّبابفقلت: ومالي لم اجزع
نعاني المشيب إلى أسرتيونفسي بصوت له مفظع
ونادي فلبَّيته سامعاًوكلكم إن يعش يسمع
/ أ/ عبد الكريم بن يوسف بن الحسين بن محمّد بن العباس، أبو الكرم الموصليُّ المعروف بالمهذّب الأّفطس.
كان رجل زمانه في الدهاء والحيل، قد حاز كل فضل. وكان بصيراً بعلم النجوم، وتعبير الرؤيا، عارفاً بأمور الناس وأحوالهم، ذا يد باسطة في صناعة الشعبذة والنارنجيّات والسَّيمياء والطلسمات والكيمياء، وما يتعلق بهذة الأجناس الغريبة مع حفظه للحكايات الظريفة، والأشعار المستحسنة، وقول الشعر، ومعرفة الادب.
وذكر لي عنه؛ إنه كان مستهتراً بشرب الخمر، منعكفاً عليها. وكان متشعياً مغالياً؛ شاهدته غير مرة. وهو شيخ يعلم نفراً من الصبيان أ/ الخطَّ في حانوت، ولم آخذ عنه شيئاً. وتوفي اواخر سنة ثلاث عشرة وستمائة.
أنشدني الشيخ الأديب أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن الخبّاز النحوي اللغوي الضرير، قال: انشدني أبو الكرم عبد الكريم عبد الكريم بن يوسف بن الحسين الموصلي المعلم
لنفسه يرثي كبشاً كان له:
لهفي علي كبشٍ انست بهرَّبيته وبذلت مجتهدي
قد كان لي خلا اسرُّ بهيجري كمجري الرُّوح في الجسد
حتَّى إذا ما اشتدَّ هيكلهعندي وصار كجبهة الأسد
أودت به أيدي المنون ضحًيوالموت لا يبقي علي أحد
/ أ/ عبد الكريم بن محمد بن علوان بن مهاجرٍ، أبو الفضل بن ابي المظفر الموصليُّ.
القاضي الفقيه المدرس الشافعيُّ.
كان والده من جلّة الفقهاء الشافعية بالموصل وعلمائهم. وابن أبو الفضل اخذ الفقه عن والده، وقام مقامه في ب/ التدريس بعده، ونظر في المسائل وتلمذ له جماعة. وكان من قبل قد حفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث علي أبي الفرج محمد بن عبد الرحمن بن ابي العز الواسطي.
وهو من أكبر بيت في الموصل في الجاه وكثرة المال واليسار والعلم، وقلّده المولي المالك الملك الرحيم بدر الدين عضد الإسلام والمسلمين أتابك أبو الفضائل غرس امير الحسن بن عبد القاهر بن الحسن الشهرزوري.
لقيت القاضي أبا الفضل بالموصل في شوال سنة سبع وعشرين وستمائة؛ وسألته عن ولادته، فقال: ولدت بالموصل سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
وأنشدني لنفسه:
وأضمر في نفسي إذا ما لقيتهمأبثُّ الَّذي ألقاه من ألم الوجد
فتبرد انفاسي ويخفق ساكنيوأُذهل حتَّى لا أعيد ولا أبدي
عبد الكريم بن منصور أ/ بن أبي بكر بن عليِّ بن إبراهيم بن جابرٍ، أبو محمدٍ الاثريُّ الباوشناويُّ.
ينسب إلى قرية من أعمال الموصل اسمها باوشنايا، ولد بها في شهر الله رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. سمع الحديث الكثير واقتفي اثره؛ فلذلك يسمي نفسه بالأثري. سمع ببغداد والشام والموصل وديار مصر وغيرها من البلاد، ولقي جماعة من القراء والفقهاء والمحدثين والعلماء.
وهو من حفّاظ القرآن العزيز وحملة العلم ورواة الحديث والمتفقهة، وله أشعار في الرقائق والزهديات؛ كتبت عنه بالموصل وبغداد.
أنشدني لنفسه ما كتبه إلى كمال الدين أبي الكرم محمد بن علي بن مهاجر الموصلي في غرضٍ له:
أكمال دين الله دم في رفعةوسيادةٍ وسعادةٍ تتجدَّد
في حفظ ربَّ العالمين وصونهعن كلِّ ما أمل الحسود الأبعد
تسدي إلى أهل العفاف عوارفًاومكارماً فيها تؤمُّ وتقصد
وهب الإله لك التُّقي ووقاك محذور الدُّني وكلاك مولي يعبد
واقرَّ عينك بالمعين وحاطهمن شرِّ ذي شرٍّ وعين تحسد
/ ب/ واأاله حفظ الكتاب وفهمهومن العلوم سواه ممَّا يحمد
خذها ابيات امرئٍ ما شانهصوع القريض ولا له يتعمَّد
داعٍ لكمٍ بالصَّالحات مواصلٌللمسلمين نداكم يتفقَّد
ما رغبتي في حاجة من رغبةعندي لدنيا بل بها أتزهَّد
قصدي زراعة ما يحلُّ لطعمةًمرضيَّة عند امرئ يتعبَّد
والله لولا ذا لحضت كحائضفي كلِّ مورد شهوةً تتورَّد
لكنَّني أخشي الإله ومقتهوعقاب زلاَّتٍ لها يتوعَّد
جاد الإله علي الجميع بجودهفضلاً فذلكم الإله الأجود
وأنشدني لنفسه، وذكر أنَّه عمل هذة الابيات بديهة عقيب درسه عقيدة لبعض اصحاب الإمام مالك بن أنس – ﵁. وكان علي منهاج السلف:
عقيدة المالكيِّ نورٌفدم علي درسها بجدِّ
وأعمد إلى مالها يضاهيوعن سواه أخي فعدِّ
/ أ/ مخرجة من كتاب ربِّيوسنَّة المصطفي المؤدِّي
عن ربِّه ما إليه أوحيببذل وسعٍ وفرط جهد
فرضٌ علي الخلق قفو هذامع أمتثال من غير ردِّ
فاعقد عليه وارفض سواهمن قول جهمٍ او قول جعد
أو قول من جاءنا بقولٍمموَّه في الضَّلال يردي
أربي علي من وصفت ممَّنذكرت من أخوة التَّعدِّي
. قولاً إلى مقاللجهمٍ المعتدي يؤدِّي
ابن أبي بشر انتقدهرابعهم يا أخا التَّهدِّي
فالحمد لله إذ هداناإلى طريقٍ للفوز تهدي
وأنشدني أيضاً لنفسه، يحرض علي سماع سنن أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي:
سنن النِّسائي واجبٌ ان تسمعاإذ كان جامعها إماماً مقنعا
فيها أحاديث النَّبيِّ وصحبهفجزاه رِّبي الخير فيما اودعا
/ ب/ الله أسأل أن يتمَّ سماعهافهو المجيب بلطفه عبداً دعا
يا طالبي سنن النَّبيِّ ألا أبشرواوخذوا بها تكفوا وعيداً مفزعا
إنَّ المجامع في العلوم كثيرةٌوالمجمع الآثار خيرٌ مجمعا
فبهمَّة المولي الأجلِّ تحصَّلتأشياء يبعد مثلها ان يجمعا
إلَّا إذا ذهبت شهورٌ عدةٌوالله يأجره علي سعيٍ سعي
أعني بهاء الدِّين نجل الفاضل القاضي إلى الخيرات يلفي مسرعا
فالله يصحبه السَّلامة دائماًمهما أقام هنا ومهما أنعما
وأنشدني أيضاً لنفسه:
عاص هوي نفسك يا عاصيوادن من الخيرات يا قاصي
لا تعقلن عن ذكر مولي الوريوليكن الذَّكر بإخلاص
وأنشدني أيضاً لنفسه:
تب علي عبد له عملٌلو به جازيته هلكا
غافلٌ عما يراد بهمسلك العاصين قد سلكا
وقال يمدح الأئمة الثلاثة مالك بن انس، والشافعي، واحمد بن حنبل أ/ ﵃.
وقائل عبد الكريم مالكالا تمدح الحبر الإمام مالكا
وتمدح المطليَّ بعدهوابن هلالٍ أحمد المباركا
قلت له: فأسمع مديحي فيهمفإنَّني لست لذاك تاركا
وكيف لا أمدح أشياخ الهدىوكلّهك للجقَّ كان سالكاً
أمَّا الإمام الأصبحي مالكٌفحبُّه للقلب أمسي مالكا
فقيه دار الهجرة المفتي بهاناهيك من فخر له بذلكا
نجم الرُّواة ذو الوقار لا تريفي مجلس العلم لديه ضاحكا
طوبي له من رجلٍ مؤيَّدبالحقِّ قوَّال به طوبي لكا
والشَّافعيُّ لست انسي ذكرهألق لمدحيه خليلي بالكا
ذاك الشريف العالم الحبر الَّذيمع العلوم كان براً ناسكا
حوي التُّقي والعلم غير زائغٍعن سنَّة المختار فاعلم ذلكا
جزاه رَّبي الخير عن صنيعهوعظَّم الاجر له هنالكا
والثَّالث ابن حنبل أكرم بهقدوة اهل الحقِّ لن يشاركا
في محنة القرآن والضرب الَّذيلجسمه في الله اضحي ناهكا
/ ب/ لو أنَّه أجابهم في قولهتبدَّل الُسلام كفراً حالكا
قام مقاماً لم يقمه غيرهوناصح الله الكريم المالكا
فأعظم اللَّهمَّ في جواركافي جنًّة الخلد له ثوابكا
وبلَّغ اللَّهمَّ عنَّا أحمداًنبَّينا وآله سلامكا
وصحبه والتَّابعين بعدهوكلَّ عبد كان من عبادكا
واغفر لي اللَّهمَّ ذنبي كلَّهإن لم تجد كنت بجر مي هالكا
وقال أيضاً:
أيعاب من اهدي لبيت نبِّيهمدحاً ويحمل في القضاء ملامه
بيتٌ هم سفن النَّجاة وحبُّهمريٌّ لمن في الجهل طال أوامه
هم أنجم الدين الحنيفي الَّذيشرع الإله لنا وهم أعلامه
وهم المهداة القائلون بحقِّهوهم الدُّعاة له وهم حكَّامه
نطق الكتاب بفضلهم حتَّى لقدحكمت بحكمتهم لهم أحكامه
طوبي لمن طابت سريرته لهموالي خيامهم تضم خيامه
ذاك امرؤٌ حاز المفاز فجنَّة الفردوس مسكنه وثمَّ مقامه
منهم عليٌّ ذو الفخار متبِّر الفجار أم الخير فهو إمامه
/ أ/ علمٌ عليمٌ بالعلوم معلِّمٌحسم الضَّلال لسانه وحسامه
يحيي قلوب العارفين كلامهويميت اجساد الطُّغاة كلامه
والبضعة النَّبوَّية الطهر الَّتيأن عد طيب الذَّكر فهي ختامه
سادت نساء العالمين كذا أتيفي النَّقل جاريةً به اقلامه
وكذلك الحسنان نجلاها اللَّذابهما جمال العقد ثمَّ نظامه
صلَّي الإله عليهم ما أورقتشجرٌ وغرَّد في الأراك حمامه
عبد الكريم بن أحمد بن محمَّد الضرير البوازيجُّي، أبو الفضل المقرئ المعروف بابن حرمية.
نزيل الموصل وحرميّة كانت امرأة يعرفون بها.
تفقه علي أبي الفضل يونس بن محمد بن منعه الإربلي العقيلي، ومكث عنده اثنتي عشرة سنة، وقرأ عليه كتابي "التشبيه" و"المهذب" للإمام ابي إسحاق إبراهيم ابن علي بن يوسف الشيرازي – ﵁
ورأي القاضى أبا الفرج منصور بن الحسن بن علي بن عاذل بن يحيي البوازيجي ب/ البجليّ الفقيه الشافعي غلام الإمام أبي إسحاق الشيرازي، وسمع المقامات علي ابي سعيد محمد بن علي الحلي – صاحب الحريري-. وأخبر عنه أنه قراها علي الحريري ستين مرة. وقرأ للسبعة علي أبي بكر يحيي بن سعدون القرطبي، وسمع الحديث علي القاضي الإمام تاج افسلام أبي عبد الله الحسن بن نصر بن خميس الجهني. وروي عنه أكثر مصنفاته ونبذاً من مصنفات غيره.
وكان – ﵀ – يقرئ القرآن الكريم، ويفيد الناس، وتخرج عليه عالم كثير إلى ان توفي بالموصب سنة إحدي عشرة وستمائة، ودفن ظاهر البلد غربيهبباب الميدان بمقبرة تعرف "بمكيكة" وكان قد شارف المائة.
وحدثني الشيخ العالم أبو العباس أحمد بن الحسين الأديب النحوي، قال: كان شيخنا أبو الفضل قيماً بتفسير القرآن خيراً ديناً. وكان يقول لنا: إذا ألحدتموني وحثثتم علي التراب، وانصرف الناس عني، فقفوا عند القبر يسيراً آنسوني بذلك، وخلوا بين الكريم وبين عبد الكريم.
/ أ/ وكان ينشدني أشعاراً كثيرة لغيره ولنفسه، ولم يعلق من شعره بقلبي طائل، فمما التقطت منها قوله من قصيدة:
والشمل منتظمٌ والدَّهر ملتئمٌوالهمُّ مقسمٌ والوصل مأمول
ونحن بالموصل الفيحاء في زمنٍكأنَّه منهلٌ بالرَّاح معلول
وقوله من قصيدة في مرثية:
وكنت لهم كالليَّث والغيث دائماًتميت وتحيي بالوعيد وبالوعد
عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم بن عبد الرحمن النفربيُّ الشاطبيُّ القصار، أبو محمد المراكشيُّ.
كان رجلاً جليلاً، ذا نعمة واسعةً، وثروة ظاهرة، يرحل إلى الملوك فيسترفدهم بأشعاره ولديه فضل ومعرفة باللغة والادب، وله قصائد مطولات كثيرة، ولم يكن شعره سائغاً بل متوسطاً يظهر فيه التعسف.
انشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن يوسف الغرياني بحلب المحروسة، قال أنشدني أبو محمد ب/ عبد الكريم بن إبراهيم لنفسه:
يا من شمائله احكي من القمرومن فضائله احلي من السَّمر
سموت قدراً، فقلت: النَّجم في فلكوطبت ذكراً، فقلت: الرَّوض بالزهر
يا احوذيَّ الوري، والألمعي ومنقد بذَّ جمعهم بالذَّات والقدر
أمَّا النَّوادي فقد عمرت ساحتهابطيب ذكرك في الإمساء والسحر
ماذا أقول وقد البستني حللاًأبهي فواتق من زهر ومن زهر
أفضت افضلت في سر وفي علنٍأحميت أكسبت من بيضٍ ومن صفر
حسنت أحسنت في قرب وفي بعدٍمنحت انحلت من وفرٍ ومن بدر
أوليت من منن جلَّت جلت كربينمت وتمَّت كروض مزهر نضر
ماذا ليمناك من يمن ومن مننماذا ليسراك من يسرٍ ومن يسر
جادت عليَّ سحابٌ من اكفَّكمفاطلعت في أكفي دوحة البدر
مازال واكفها ينصبُّ في غدقحتّى ..... بناني بالِّندي الهمر
يا محسناً كل إحسان بلا كذبومغنياً كل إغناء بلا قدر
فقت الأكارم في سر خصصت بهفأنت من مالك ما أنت من بشر
هذي أياديك لا أحصي لها عدداًما ينقضي سردها أو ينقضي عمري
/ أ/ قد احدقت وأحاطت بي إحاطة من لبي وطاف ببيت الله والحجر
والشكر فرض عليه لازم فأصخلسمع شكر كمثل السِّمط بالدُّرر
ما شابه دخلٌ كلاً ولا خللٌصفا صفاءً يميز الماء في الغدر
شكري لنعماك شكر الرَّوض للمطرأو مقترٍ لغني وافي علي وطر
أو شكر عبد لمولّي كان أعتقهأو شكر حام لصفو السَّلسل الخضر
أو كالغريق لما انجاه من خطرأو كالطليق لمن نجاه من ضرر
أو كالسَّقيم لبرءٍ إثره فرحٌأو كالكريم لضيفٍ جاء من سفر
أو كالمحبَّ لمحبوَّب يؤانسهأو كالنَّزيف زمانَ النَّور للسَّكر
والحمد يتبعه عجلان في مهلٍحثا بلاً مهلٍ نصّاً علي الأثر
لو كان للشكر شخص يا مني أملييري لجئت به في أحسن الصُّور
حتَّى تراه وتدري أنَّني رجلٌشكري لك الدَّهر شكر السَّمع والبصر
السَّمع يشكر للأصوات ما حسنتوالعين تشكر طول الدَّهر للنَّظر
لكنَّه في ضميري والكلام محرِّكٌ بلسان الخبر والخبر
لو حلَّ شكري وسط البحر في مددلصار في حينه احلي من السَّكر
أو حلَّ في فلواتٍ تربها حجرٌلأنبت ...... .. بالثَّمر
/ ب/ الشُّكر أحسنه ما كان قائلهيبثُّه بين أهل البدو والحضر
ينصه بكلامٍ مرتضي حسنٍنص الحديث لأهل العلم والنَّظر
وقائلٍ قال: فيمن ذا الثَّناء فقدنظمت شكراً له نظماً علي صور
فقلت في النَّدس العدَّ الَّذي شهرتأوصافه كأشتهار الشَمس والقمر
محمَّد بن نحيل من سما قدراًنجل لآحمدي ذي الآثار والآثر
للعالم العلم الصِّنديد من شرفتبه الكتابة في الإيراد والصَّدر
فاق البديع بما قد حاز من بدعٍفأبن العميد وما يحويه من غرر
والصَّاحب الملك والصَّابي وقبلهمعبد الحميد وكلٌّ قاله العصر
راعت براعته الكتَّاب قاطبةًلما أنارت من الإبداع والغرر
إأشرعت في حجال الطرس عاملهاعلت محاجتها للبيض والسُّمر
وإن أقرَّت علي صفح ......أزرت بوشي الرُّبي والرَّوض والحبر
انسي ابن مقلة في اعمال انملهوهو النِّهاية فيما شاع من خبر
لولايديه لليراع لما ... حكت أنامله حرفاً مع الكبر
إن االكتابة بعضٌ من مناقبهكما اللآلئ بعضٌ من ندي البحر
الطّيب الخيم والميمون طائرهمن قد سما وعلا دأبًا علي السُّور
/ أ/ مفرِّج الضِّيق واللأواء قد حميتومخرج العسر بالإيسار واليسر
الكامل الذَّات في خلق وفي خلقٍصنو الغمامة في صوب وفي همر
كأن طلعته والسَّعد حفَّ بهابدرٌ أحاط به جيشٌ من الزُّهر
يا طالب الخير في بدوٍ وفي حضروجالب اليسر في ورد وفي صدر
يمِّم لتونس فهي الان مربعةًواربع بها تأمن من سطوة الغير
روض أريضٌ بلا لولا لمعتذرٍبستان أمنٍ بلا شئ من الذُّعر
أنوار اسعده حلَّت بساحتهافليس يدركها شئ مدي العمر
إن تلقه تلق آمالاً مجمعةًوفق الطراد بلا شئٍ من الكدر
من أمَّه مرَّةً في الدَّهر واحدةًألقي عصاه فلم يبرح ولم يسر
لا زال يصعد في سعد يساعدهتتري عليه مع الآصال والبكر
ثمَّ الصَّلاة عليه صيِّباً غدقاًما غرد الطَّير يوماً في ذري سحر
ثم ختم هذة القصيدة بهذة الأبيات:
خذها إليك قصيدةًبالشكر تنطق والثَّنا
قد اشبهت في حسنهاطرفاً كحيلاً قد رنا
أو حبَّ صبٍّ مدنفبعد التَّباعد قد دنا
/ ب/ كلَّا وما إن أشبهتألَّا نداك المقتني
وقال:
لازال ذاك المقام الأسمييهمي علي قاصديه هميا
ما اكتحلت مقلة بضوءٍوأقبلت بالشَّباب لميا
وأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي بحلب، قال: انشدني أبو محمد عبد الكريم بن إبراهيم لنفسه:
إصبر علي مضض الزَّمان وعضِّهفالصِّبر أحسن مكسب الكسَّاب
والصَّبر أجمل بالفتي وبفعلهوالحرُّ لا يرض بغير صواب
كم من فتًي في الأرض حر مقترٍّمتظلِّم من ظالمٍ غصَّاب
لم يتَّرك من ماله من تالدأو طارف شيئاً من الانشاب
من بعد ذا جبر الإله مصابةفأثابه ضعفين من
فاصبر هديت ولا تخف من عسرةٍفالصبر يفتح مغلقات الباب
فالصَّابرون هم غداً في فرحةيعطون اجرهم بغير حساب
/ أ/ يكفيك أنَّ الله ذاكر فضلهمفي الرَّعد والتَّنزيل والأحزاب
/ أ/ عبد الكريم بن أحمد بن مقلد بن أبي الفرج بن عبد المنعم بن جليق، أبو الفضل التغلبي الجشميُّ.
شاب قصير من أهل حماة، استوطن حلب، ورأيته بها ينسخ الكتب اللطاف والمتوسطة بالأجر. ويكتب القصص في باب مسجدها الجامع؛ ومن ذلك معيشته وارتزاقه.
ويعاني قول الأشعار الغزلية، وله في نظمها طبع مؤات، ويقول منها المقطعات والقصائد. وذكر لي: أنه تأدب علي ابي الحسن علي بن محمد السخاوي النحوي المقرئ، وربما أحوجه وقته إلى الاسترفاد بالشعر
انشدني لنفسه، وكتبه لي بخط يده:
خبر الغضا أم نشره الفيَّاحهذا الَّذي عبثت به الارواح
نقلته عن أرج الخزامي مسنداًعن ساكنيه فهم له شرِّاح
يروي عن الرشأ الَّذي سكن الحميفيه عليَّ ثنّيه وجماح
/ ب/ إن قد بذلت لك التَّواصل في الكريفاقنع بأنَّ تتواصل الأشباح
ولقد طرقتك والمحصَّب بينناومهامهٌ مجهولةٌ وبطاح
ومفاوزٌ للنيِّرات مجاهلٌما دونها مجهولةٌ وبطاح
يجتازها المرَّيخ شاهر سيفهويميل عنها الأعزل الرَّماح
اهلاً بمقتحم الدجي لزيارتيولديه من وضح الدي إيضاح
وله دليلٌ عارفٌ من عرفهجواب كل مفازة فتاح
يا طيب العبقات ما لقلوبناأبداً إليك صبابةً ترتاح
طبعت كذاك علي هواك فما لهاكف عن التبريح فيك براح
وأغن نستجلي محاسن وجههلهواً ويجلي من يديه الراح
كالشَّمس في الإشراق يجلو كأسهاللشهب من شهب الحباب مباح
نزلت بأرجاء الصُّدور فرحَّلتهما تحلُّ مكانه الأفراح
شربت لخسران العقول ولم يزلفي الرَّاح خسران العقول رباح
ووشي بأسرار الغرام لشربهاثمل لأسرار الهوي فضاح
وقال أيضاً:
حديثك أيُّها النَّشر العليلإلىَّ فلست أجهل ما تقول
/ أ/ أهجت بذكرهم ثملاً بعقليفأنت له شمال أم شمول
نسيم هبَّ من هضبات نجدله أرجٌ تفِّتقه القبول
سرى مسرى الخيال له حثيثاًوما للبدر لولاه دليل
ولمَّا ان تواقفنا لعتبتشابهت الصَّبابة والنُّحول
فلم يشعر لوجد كيف يشكوًولا أنا للتَّشوق ما أقول
ولكنَّا سألناه حديثاًعن الأحباب إذ أؤف الرَّحيل
فروَّي ما روي من بين ريَّامعاهدها ...... السُّيول
وعرَّض بالطلُّول فجدا وجديلأنِّي من تتِّيمه الطُّلول
سقي جبلي حماة والمصلَّيأجشُّ الرَّعد موَّارٌ هطول
إذا ضحكت بوارقه بكتهاعيون سماً مدامعها هطول
فكم شقت بها لحياً جيوبٌوجرت بالنَّسيم لها ذيول
لها واد عزيز الجار يرعيويعذب في خمائله الخمول
تري الاحزان تطردها حزونٌوإن صعبت تسهِّلها السُّهول
تغازل أعين النوَّار فيهافهمنَّ بها صحيحاتٌ وحول
كأنَّ المسك ضوَّع في قراهاوسلسل في البطون السَّلسبيل
/ ب/ فهذا الطَّير من طربٍ يغنِّيوهذا الغصن من ثملٍ يميل
يعاصي أرضها العاصي فتثنيأعنَّته مرناتٌ ثكول
ينحن وما أصبن بفقد إلفولا أودي بهنَّ جوًي دخيل
فتسفح دمعها في خدِّ روضٍأريضٍ دونه الخدُّ الأسيل
وقال أيضاً:
أتراني من لوعة الحبِّ ناجيبغزال ممرَّض الطَّرف ساجي
أم لقلبي مجبِّر بعد كسرٍكيف يرجي انجبار صدع الزًّجاج
فوحقِّ الهوي وعهد التِّدانيوافتقاري إلى الوفا واحتياجي
ما دهاني إلا صدودك عنيبعد ما كنت للتواصل راجي
والذي غدا اسمه كف صبرحين اضمرته بلفظ الأحاجي
يا عز الا كناسه في فؤاديفهو فيه مصور ومناجي
عد إلى وصلي القديم ولاتعدل عم حسن ذلك المنهاج
لا تطع في لائماً من بني الدهر مسراً حديثه أو مفاجي
واثن عطف الوصال نحوي وقللمن صدودي ..... في اللجاج
ثَّم زرني عسي تسكن ما بيمن حنين ولوعةٍ وانزعاج
/ أ/ وتعلَّم من لطف أخلاق نجم الدِّين ربِّ الفضائل بن سراج
فهو كالراح صفقت فكساهاساطع النور مستطاب المزاج
لو دعيٌ لولاه قد كان باب الفضل والجود محكم الإرتاح
ذو بنان ينسي العلا وبيانٍكلَّ درٍّ من بحره العجَّاج
هو لي قدوةٌ بنظم القوافيحين اضحي مثقِّفاً لاعوجاج
غير أنِّي اخاف منه عتاباًيورث القلب شعلة الإنضاج
حين اهدي إلى عذباً فراتاًثم قابلته بملح أجاج
ليس هذا عادات مثلي وحاشاي ولكن دهري أحال مزاجي
كلَّما رمت منه منجي أتانيمنه ضيقٌ ولم يجد بانفراج
ورماني بنوه مثل أبيهمقد شغلنا عن مدحهم بالآهاجي
سوَّدوا اوجه المحامد والأعراض في ردِّ قاصد باحتياج
ثم صانوا تلك الجسوم الخسيساتبلبس الحرير والدِّيباج
ولأنت المنجي وفي ظلِّك الملجاجوادٌ لكل عافٍ ولاجي
فاغفر الذَّنب واعف عن زلَّة العبد ودم في مسرة وابتهاج
/ ب/ ثمَّ كن قانعاً من الكل بالبعضإلى حين يسرةٍ من نتاج
فوحقِّ الباري المصوِّر إنساناًأدبياً من نطفة أمشاج
ليس تحوي يدي ولا البيت عنديغير ما قد بعثته بالروَّاج
فاقبل العذر ثمَّ صدَّق يمينييا رجائي وعمدة المحتاج
وقال أيضاً:
ذكر التَّلافي بالظِّباء تلافأذ ما لسالف عصره إخلاف
أيام لهوك مع جاذر جاسمٍوظباؤه بك أنسٌ ألاف
إذ روض أرض حماة زاه زاهرٌبأريجه مشتي لنا مصطاف
تغدو الكؤوس من المدام خفيفةًبأكفِّنا وتروح وهي خفاف
ومهفهف صحبته لصبوحهبالكأس ..... الراَّح وهي سلاف
حمراء مشبهةٍ تورُّد خدِّهفكأنَّما هي في الكؤوس رعاف
مزجت فراقت فهّي نورٌ ساطعٌيغشي سناها الجوهر الشَّفاف
وسبقته حتَّى غداً ولقدِّهمن غصن بانه حاجز أعطاف
وتنرجست لحظاته فقتلن في العشَّاق ما لا تقتل الأسياف
رشاً من الأتراك كل حديثهمذقٌ وكل وعوده إخلاف
/ أ/ لا يستقرُّ علي ربيع واحداويسير ليلاً والمطي عجاف
متنقلٌ كالبدر إلَّا أنَّهلا يعتريه النَّقص والإجحاف
يا من عقارب صدغة تهدي إلىأحشاي صرف السم وهو زعاف
لو ان صدغك واو عطف جدت ليبالوصل لكن واوها استئناف
لله اسمر احورٌ ما عندهمن تيهه لمتيمٍ إنصاف
تحميه سمر السمهرية في الوغيفكأنها لقوامه أحلاف
فسقي الحيا زمناً نعمت بوصلهوجني عليه البارق الخطَّاف
ولياليا بتنا نعانق بعضنابعضاً وكل عتابنا الطاف
ومع الهوي لا يستخف بنا هوًيومع العناق بنا تقي وعفاف
اشكو إليه فيشتكي من مثلهشعفاً ونحن لدي الغرام كفاف
لا من محب له بوصل مسعفيوماً ولا لي عنده إسعاف
يا حسنة ثمراً ولكن ليبقطو تعطي يدي قطاف
وقال أيضاً:
هو البرق يبدو في الدُّجنذَة من ذويدان لذكراكم به كبدي يكوي
إذا اقدحت ايدي الغمام زناهفلاح علي بعدٍ من الغاية القصوي
/ ب/ تتَّبعته نوءاً من الجفن ماطراًيشحُّ إذا ما شحَّ منبجس الأنوا
أري كل من يعزي إلى الوجد قلبه ......... .. مع الأيام ...... .. الأدوا
ووجدي ينمي والغرام مجدَّدٌبها ولعمري ما الصَّبابة كالدَّعوي
ونيران حيَّ من حماةً بدت لناونحن علي الاكوار نرتقب الاضوا
علي كلَّ معتاد الوحي ضامر الحشادعاك إلى التَّيسار في مهمة ألوى
بلادٌ إذا ما ذٌبت من شدَّة الجويإليها فلا لومٌ عليَّ ولا عدوي
أعاصي بها العاصي فيعطفني لهنوازع شوق قادراتٌ علي اللأوي
كأنَّي مذ فارقتها آدمٌ وقدنأي كارها بالرغم عن جنَّة المأوي
وإني لمشتاقٌ إلى هضباتهافجد لي بها يا عالم السِّرِّ والنِّجوي
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع