تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد المحسن

عبد المحسن بن عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن عبد اله بن رواحة، يكنى أبا الخير بن أبي محمد الحموي الأنصاري.

وقد تقدَّم نسبه. / أ/ على الاستقصاء، عند ذكر ابن أخيه، وهم بمدينة حماه من بيت جليل في العلم والأدب، دخل حلب في أيام سلطانها الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب، وقلَّده كتابة الجيش والعرض والأقطاع، وكان عنده شيء من علم الفقه؛ ويقول اليسير من الشعر.

انشدني أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن رواحة الحموي؛ قال أنشدني عمِّي أبو الخير لنفسه:

في حلب أصبحت مستضعفًالا مال لي فيها ولا جاه
يستنصر الأ بعد مستصرخًاسفاهةً والنَّاصر الله

عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام، أبو القاسم بن أبي الفضل الطوسيُّ الموصليُّ الخطيب.

وقد مرَّت أشعار أخيه وولديه متقدما.

كان اسلافه خطباء الموصل، وكذلك أولاده، وهو من بيت العلم والخير

/ ب/ والخطابة.

وأبو القاسم كان شيخًا بهيًا لطيفًا، حسن المنظر، متواضعًا للناس، من صلحاء أمة محمد ﷺ سمع حديثًا كثيراً من ابيه وعمِّه وغيرهما، وحدث بالموصل، وحمل عنه الحديث.

وكان له قبول عند الناس وقدر جليل، وحرمة وافرة، ولي منه إجاوة كتبها بخطِّه، وله أشعار حسنة.

وان مولده بالموصل ليلة الثلاثاء ليلة عاشر رجب سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي بها ضاحي نهار يوم الخميس منتصف شهر بيع الأول سنة اثنتين وعشرين وستمائه –رضى الله عنه -.

أنشدني الخطيب أبو الفضل عبد الله؛ قال: أنشدني والدي من شعره ما قاله على لسان أتابك نور الدين أرسلان شاه تبن مسعود بن مودود، وقد جاءته سفينة من أمير المؤمنين الناصر لدين الله –رضى الله عنهما -:

إن كان أتحفني الإمام سفينةًتنجي من البحر الخضمِّ الزَّاخر
فتمسُّكي بعرى الولاء لبيتهسفن النَّجاة من العذاب الآخر

/ أ/ وقال يهنِّي القاضي حجَّة الدين أبا منصور المظفَّر بن عبد القاهر الشهرزوري

بمجلس الحكم:

تهنَّه مجلسًا لمَّا قعدت بهقامت صروف الليالي عنك ترتحل
به من العدل أبواٌب قد أفتتحتكما به سدَّ خرق الدِّين والخلل
من كان يبسط آمالًا ويقبضهافأنت لازلت مبسوطًا لك الأمل

وقال يهنيه بالعيد:

تهنَّ بالعيد يا جوادما مثله قطُّ من جواد
عادت عليك الأعياد حتىتنال ما شئت من مراد
ودمت في نعمة وخفضٍرغمًا على آنف الأعادي

وقال يهنِّي بمولد:

لك الهناء بميمون نقيبتهمبشَّر بسعادات وإقبال
ولي هناءٌ بما بلِّغت من أمللا خيَّب الله فيك الدَّهر آمالي

وقال يمدح:

وكلُّ بني مجد لمجدهم بمابنت لهم الآباء من شرف الذِّكر
/ ب/ وأنت بنيت المجد حتى سمت بهجدود هذا غاية المجد والفخر

وقال أيضًا:

مدَّة الورد مدَّةٌ ليس نبقىفاغتنمها فعن قليل تفوت
واطَّرح ما يكون من فضل عيشواقتنع بالكفاف يكفك قوت
وانتهز فرصة التواصل في الدنــيا فكلٌ عمَّا قليل يموت

وله إلى ولده أبي أحمد يستوحش له عند انتقاله إلى المدرسة:

لقد ملكتني من فراقك وحشةٌيكاد لها نور العزالة يظلم
تنكَّر في عيني لها كلُّ ما أرىويجهل قلبي كلَّ ما كان يعلم
فلا كانت الدُّنيا ولا أنت حاضرٌولا ساغ إلَّا وإيَّاك مطعم

وقال أيضًا:

عيشنا طيِّبٌ لكنَّ بعد الــدَّار عنم لا عيش فيه يطيب
أنتم جنَّتي إذا أعظل الخطــب وأنتم بكلِّ داء طبيب

وله إلى أتابك نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وقد شرف أرباب الدولة، ولم يشرِّفه:

/ أ/ ماذا الَّذي أوجب نسيانييا ملكًا ليس له ثاني؟
أخدمتي توجب لي ميزتيأم تقتضي منعي وحرماني؟
اعيذ بحراً زاخراً منك أنتجعلني منه بطوقان
إن كان سلطان الورى مانعيفأنت في العالم سلطاني
كلُّ البرايا رفلوا لابسيتشريف نور الدِّين رسلان
فلم أنا وحدى حرمت المنىمبدِّلاً ربحي بخسران
لا زلت في أوج العلا صاعداًبرغم أنف الحاسد الشَّاني

وقال أيضًا:

كيف ادَّعى الحقَّ قومأم كيف ذاك استجازوا؟
ما حاز ملكك قومٌبل دون ملكك حازوا!
أنت الخليفة حقَّاًوما سواك مجاز
كلُّ الخلائق ثوبٌوأنت فيه الطِّراز
خليفة الله وعديقد حان منه انتجاز
في البعث أنت إمامٌوفي يديك الجواز
وفي يديك يراعٌحكاه عضبٌ جراز

/ ب/ وقال أيضًا:

أشاقك برقٌ بالحجاز لموعففاضت على الخدَّين منك دموع
وهيهات ليس الدَّمع في الربع مقفراًبشافِ إذا لم يجر فيه نجيع

وقال أيضًا:

مجلسنا قد حوى من النُّجبكلَّ مليح ومنظر عجب
خيمتنا هذه لها شرفٌعلى خيام الأعجام والعرب
بها أناسٌ أولو حجى وندًىورتبةِ قد علت على الرُّتب

وقال أيضًا:

يا سائق الأطغان أيــن سارت الأطغان
رفقا ففي آثاركممدلَّهٌ حيران
ينشدهم قلبي وهمفي وسطه سكَّان
والعين ترجو قربهموهم لها إنسان
هذا غرامي بهموهم لنا جيران
فكيف بي إن شطَّت الــدَّار بهم أو بانوا
يا دارهم أين هم الــحلَّال والقطَّان
/ أ/ مذ ظعنوا أقامت الــأحزان والأشجان
وأضرمت لبينهمفي كبدي نيران
هذي أثيلات النَّقاوهذه الكثبان
وذاك رمل عالجٍورنده والبان
وهذه آثارهموهذه الأوطان
وجدي بهم مشتهرٌسارت به الرُّكبان
إن أعوز الماء لهمفأدمعي غدران
أو كان وجدي خافيًافهي له عنوان
هذا الحمى والبانوهذه نعمان
وهذه أطيارهأين هم السُّكَّان
هل عائد ولن يعود ذلك الزَّمان
قد استوى في حبِّهمسرِّي والإعلان
هل عائدٌ ولن يعوذلك الزَّمان
مرابعٌ كانت بها الــارام والغزلان
/ ب/ لكنَّما يقصدهعن ذلك الحرمان

وله إلى قاضي القضاة أبي الفضائل في إيوان استجدَّه:

إن كان إيوان سرى عاليًا فلقدعلاه بالعدل والإنصاف إيوانك
أو عمَّ إحسان بانيه الورى فلقدشأوته واسترقَّ الناس إحسانك
اشبهت بدر الدُّجى لمَّا جلست بهفي الدَّست والثاَّقبات الشُّهب أعوانك
فدم لشمل الهدى والدِّين تجمعهفجمع شمل المعالي والهدى شانك

وقال أيضًا:

أنتم سرور القلب والخاطروأنتم النُّزهة للنَّاظر
لا تكمل النزهة إلا بكمفبادروا في حالنا الحاضر
كلُّ المسرَّات إذا ما خلتمنكم فلا هنِّي بها ناظري
والأرض قفرٌ ما خلت منكممغبرةٌ مع روضها النَّاضر

وقال يمدح شاعراً:

أيا ناثراً دراً وناظم عقدهومستخرج المعنى ومورى زنده
شأوت الأولى فاقوا الأنام فصاحةًبما حال منك الفكر موشيَّ برده
/ أ/ فته كيف ما شاءت قوافيك مصعداًفويق السُّها أو جائزاً فوق خدَّه
معان تروق السَّامعين كانَّماسقوا قرقفا كالسلسبيل وبرده
لها أرجٌ في الحيِّ إن هي أنشدتتفوق على بان الأراك ورنده
فصاحبها ينيبك قسًا وجرولًاوإيراده يغنيك عن عبد ودِّه
يريك إذا ما فاه بالنَّظم ناطقًالبيداً بعقد النًّظم أو نظم عقده

وله في شمس الدين على بن أبي غالب السَّلاميّ:

قال فرات الشام لمَّا جرىبحر النَّدى في موجه الغالب:
من ذا الَّذي يعلو على صهوتيقلت: علي بن أبي غالب
وقد علا من فوق حرَّاقةأكرم به من جالس راكب
ذاك الَّذي إن نقص البحر فينقص الزمان الغابر الذاهب
فجوده لا يألي زائداًللقانع المعترِّ والطالب
وكيف لا يعلوك من جودههامٌ على السَّالب والواهب
تجود بالماء وتختفي الَّذيفي القعر من جوهرك الثَّاقب
وجود شمس الدَّين من كلِّ مايحويه في الشاهد والغائب

وقال في صبيِّ: / ب/ صعد المنبر تجاه الكعبة الشريفة وأذن العشاء:

تبدَّى بين زمزم والمقاملنا بدرٌ حكى بدر التَّمام
بدا والليل قد أرخى سدولًاحكت صدغيه من نون ولام
لعا فوق الحطيم لحسن لفظحكى الُّرَّ المنضَّد في النِّظام
فعاد الليل حينئذ بهاراًبوجهك إذ سفرت عن اللِّثام
وأغنانا جبينك إذ تبدَّىعن المصباح في جنح الظَّلام
تصيد قلوبنا والشَّرع يأبىجواز الصَّيد في البلد الحرام
وتشهر سيف لحظك في مقامنهينا فيه عن سلِّ الحسام
بأية جرأة وبأي أيدٍتحلِّل حرمه البيت الحرام
وتفتن بالقوام اللَّدن قومًاغدوا يتحرَّجون عن الأثام
وتنهر سائليك وقد نهاك الــإله عن انتهار المستضام
أفي شرط المحبَّة أن تجازيمحبَّك بانقطاع وانصرام
ملكت الحسن أجمعه فهلَّاعدلت مع التَّحكُّم في الأنام
نجود بأنفس منّا غوالوتبخل أنت حتَّى بالسَّلام
/ أ/ رميت الجمر لا جمرات حجٍّفأصبحت القلوب بها دوامي
وتكرع من حياض الحسن ريَّاًونجرع فيك اسات الملام
فلا تلم الحجيج إذا اشرأبواإليك مسابقين بالازدحام
وظنُّوا أنَّه رٌكنٌ فمالوابتقبيل إليه واستلام

وله عند وداع والده إلى الحج:

جرَّعني الدَّهر من فراقكمكأساً كرير الحمام أعذبها
وددت أنَّ الحمام عالجنيمن قبل يقضي عليَّ أشربها
قد كانت الأرض قبل واسعةًفضاق بي مذبان أرجبها
وابتهجت من منى مرابعهاوخيفها وأزدهى محصَّبها

وله إلى ولده بمكة –حرسها الله تعالى-

إذا ما سرت ريح الصَّبا من دياركموجدت لمسراها على كبدي بردا
أناشدها إن زرت أرض أحبتيفقولي لهم والله ما نقص العهدا

وله إليه أيضا من أبيات:

بعدت فلا عيشٌ يسرُّ ولا حشًاتقرُّ ولا مرأى يروق لناظري
/ ب/ وخلَّفتنى فرداً أنيسي وحدتيإذا ما دجا ليلي وفري مسامري
فإن كنت أوحشت الدِّيار وأهلهالقد أنست أرجاء تلك المشاعر
وإن كنتم غيِّبتم عن نواظريعف رسمها من دمعي المتحادر

ومنها قوله:

ولله ذاك الشَّعب لمّا حللتهوماذا حواه من علا ومآثر

وله إلى من عاتبه على أكل القطائف:

ما تفرَّدت بالقطائف عنكمحاش لله كيف ذاك وأنَّى؟
لا تظمُّوا أنِّي يطيب لي العيــش إذا كنتم بعيدين عنَّا
أو إذا ما سقيت من دونكم ماءً زلالًا أنِّي به أتهنَّا

وله إلى القاضي بهاء الدين بن شداد:

لم يخطني دهري بخلوة ساعةحتى أبث إليكم أشجاني
فتأمَّلوا ما في ضميري تدركواًبصفاء ذهن سرَّ ذا الإدهان
بين القلوب تفاوتٌ وتناسبٌلا تعبأوا بتبًاعد الأبدان

وله في غرض:

/ أ/ أكتم الحبَّ ولكن أدمعيكلَّما نمَّت عليه ظهرا
يا هلالًا لو تجلَّى في ضحىًأخجل الشمس فولَّت قهقرا
يا خليَّ البال فلبي ممتلمنك والعين تعاني السَّهرا
نم هنيئاً فرقادي نافرٌمذ هجرتم لجفوني هجرا

وله على وزن ما ذكرت:

لا يبعد الله لييلات مضتفيها كرعنا العيش صفواً ريِّقا
إذ حادثات الدَّهر عنَّا نوَّمٌوشملنا المجموع ما تفرَّقا
يا حادي الأظعان رفقاً إنَّمامناسم العيش يطأن الحدقا
تمشي الهوينى في السُّرى فإن بدتكنت الحمى لها تسير العنقا
لا تحسبوا أنَّا نقضنا عهدكمبعد الفراق أو حللنا موثقا
أشفقت إذ ساروا على ركابهممن حرِّ أنفاسي أن تحترقا
منُّوا بوصل فليالي هجركملم تبق من روحي إلَّا رمقا
أكابد الهم نهاري كلَّهحرنًا وفي الليل أعاني الأرقا
كأن ما كان من اجتماعناحلمٌ تقضَّى أو خيالٌ طرقا
/ ب/ إن غربوا كان الهوى مغرِّباأو شرَّقوا كان الهوى مشرقا
إن كنت أضمرت لم غدر فلامنيت بعد البين منكم باللِّقا
وفقت في الأطلال من بعدهمأسال جرعاء الحمى والأبرقا
الجيرة الغادون ما ضرهملو وعدوا أو ودَّعوا بالملتقى
نحن على العهد مقيمون فهللعهدكم من بعد تفريق بقا
تحزَّب الواشون أحزابا بناوافترق العالم فينا فرقا

ومنها:

حتى رأيت الحادثات أحدقتبشملنا وسهمها قد رشقا
يا راكبا يقطع أجواز الفلاخالطها طيف جنون طرقا

وقال من أبيات:

ما كان ضرَّك لو مننت بزورةوشفيت قلبًا بالصَّبابة مكلما
أعرضت حتى قيل إنَّك هاجرٌوبخلت حتى بالجواب مسلِّما
أصبوا إذا برقٌ تألَّق باللِّوىوهنًا وهاج على الرُّبى متسنِّما

وقال في قدوم صديق له:

/ أ/ ضاءت بك الحدباء حين قدمتهامن بعد ما كانت كليل عاتم
وتضوَّعت أرجاؤها فكأنماعبقت نواحيها بنشر لطائم

وقال أيضًا:

سل الأطلال لم سعدىنوت عن أرضنا بعدا
ولم مالت عن العهدوكانت تحفظ العهدا
أصدَّت عن ملال أمرفرعا كان مسودَّا
حكيت الرِّيم ألحاظًاوبانات اللِّوى قدَّا
وغصن البان أعطافًاوورداً قانيا خدَّا
وأصبحت على حسنــك مثلي في الهوى فردا
ألا لله يوم البيــن كم من عاشق أردى
وكم من مدمعٍ إجرىوكم مشن كامنٍ أبدى
تزوَّد من صبا نجدفهيهات ترى نجدا
ورح رائحة الضَّالوجدِّد باللِّوى عهدا
فلن تنشق بعد اليوم لا ضالًا ولا رندا

/ ب/ أبا سعد عداك الذَّمُّ إن جرت على سعدى

فسفَّ إذن ترابً الرَّبــع حتى تلثم الصلدا
وبلِّغ بعض اشواقيعساك اليوم أن تهدا

وقال أيضًا:

والله مالي أنيسٌ بعد فرقتكمإلَّا البكاء وقرعي السِّنَّ من ندمي
ولا ذكرت ليالينا التي سلفتإلَّا جرت أدمعي ممزوجة بدم

وقال من أبيات:

أيُّها العاذل رفقاكفَّ عنِّي لا تلمني

عدِّ عن عذلي فيكفيني تباريحي وحزني

انت خلوٌ من سهاديوغرامي المستكنِّ
انت ذو قلب خليِّوفوؤاد مطمئنِّ
ليت تصغي يا عذوليلملام فيه أدلي
لو شهدت العيش لمَّاثوَّروها لم تلمني
إنَّ يوما فيه سارواونهاري بالتَّمنِّي
/ أ/ يوسفي الحسن والأعًــطاف غصنيُّ التَّثنِّي
إن بدت أطلال سعدىسفَّ ترب الرَّبع عِّني

وقال أيضًا:

شوقي إليكم يفوق الحضر والعددالا أستطيع أبث الوجد والكمدا
وجفن عيني غضيضٌ منذ فارقكمآليت أن لا أرى من بعدك أحدا
لله أيَّا منا والدار جامعةٌونحن فيها نقضِّي عيشةً رغدا
ما كنت أحسب أنَّ الدَّهر يبعدنيعنكم فلا كتبًا منكم ولا صددا

هلَّا الدِّيار بنا تدنو فينتظم الشَمل الشَّتيت بكم فيها كما عهدا

أم هل أراكم وعبد الله يقدمكمعندي فيرجع قلبٌ كان قد فقدا
إذا تذكَّرتكم وهنا وضعت يديعلى حرارة قلبٍ كلَّما بردا
أراقب النَّجم لا طيفٌ فيطرقنيغضَّا رطيبًا فإنَّ الصَّبر قد نفدا

عبد المحسن بن حمود؛ هو أبو الفضل عبد المحسن بن حمود بن المحسن بن علىٍّ/ ب/ بن يوسف التَّنوخيُّ.

من إنشاء حلب، كانت ولادته بها في سنة سبعين وخمسمائة.

يعرف والده بالحجّار، كان عاميًا يقطع الحجارة، ويبيعها ويرتزق بها، ومنها كانت معيشته، وكذلك أخوه ولم يكن من بيت فضل ونشأ أبو الفضل هذا محبًا للعلم، راغبًا في تحصيله، استظهر أولًا الكتاب العزيز، وقرأهً للسبعة، وجوَّد قراءته ثم إلى غيره من الكتب الأدبية والشعرية، كالمقامات الحريرية وحماسة أبي تمام، ودرس الأدب والنحو، واطلع على كثير من أخبار الناس وأيامهم، وسمع الحديث النبوي كثيراً، ولقي المشايخ وأخذ عنهم بحلب، وتولَّع بقول الشعر فبلغ فيه مبلغًا لم يبلغه أحد من أبناء زمانه، وتقدَّم على عامة معاصريه فيه.

ثم تعاطى الكتابة الإنشائية، وصناعة الترسل، فبرز في ذلك، وأجاد وفتح مكتبًا بحلب، يعلِّم فيه الصبيان، فبقي مدة في التعليم ثم عزله ...... والسفر عن الوطن، فتوجه إلى دمشق طالبًا لخدمة / أ/ الملوك، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فاستقرَّ مقماه بدمشق، وتردَّد إلى الإمام تاج الدين الكندي، فقرأ عليه جملة، وصحبه مدة واستفاد منه أدبًا وفضلًا كثيراً، فنبغ بدمشق واشتهر أمره، فحينئذ استكتبه الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب لدولته، فلم يزل يكتب له الإنشاء إلى أن توفي المعظم، فخدم بعده مولاه الأمير عز الدين إيبك المعظمي واستوزره.

ثم طلبه الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب، فصار غليه، فأكرمه وقرَّبه وصحبه إلى الديار المصرية، ثم انفصل عن خدمته، وانضاف إلى الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود بن أبي بكر بن أيوب، ثم فارقه، واتصل بخدمة الملك المنصور ناصر الدين أبي طاهر إبراهيم بن شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي – صاحب حمص- وهو الآن في خدمته، وكاتب الإنشاء لدولته.

واجتمعت به بحلب، يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة من سنة ثمان وثلاثين وستمائة.

/ ب/ وأنشدني جملة وافرة من أشعاره، أنا أذكرها بعد ذلك – إن شاء الله تعالى- وسمعت عليه جزءاً من الحديث النبوى، وأجازني جميع رواياته ومقولاته، وكان قدومه صحبة مخدومه الملك المنصور حين وردها معاونًا ومساعداً، ومجداً للسلطان صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازي – صاحب حلب- لمّا تغلب الخوارزمية- لعنهم الله تعالى- على أكثر البلاد الشامية والفراتية، ونبهوا ..... واستباحوا حريمها، وكذلك ..... وجملة من القرى وأفسدوا وعاثوا فيها، فنصره الله عليهم، وبدد شملهم، وأكثر منهم القتل والأسر؛ فكان الله له ناصراً ومعيناً بمحمد وآله أجمعين.

وذكر لي أنه؛ اعتنى بتأليف كتاب عجيب في فنِّه، حسن الترتيب، لم يسبقه أحد من الأوائل الذين عنوا بهذا الشأن إلى ما وضع؛ وهو عشرون كتابًا؛ كل كتاب يشتمل على أغراض وفصول وأبواب، ويكون مجموع ذلك الكتاب ستين مجلداً، سمَّاه:

أخاير الذخائر من جواهر الجماهر".

/ أ/ وذكر لي أنه ألَّف كتبًا غير ذلك منها كتاب "الروضة الممرعة في فضائل الأئمة الأربعة" وكتاب "مفتاح الأفراح في امتداح الراح" قصره على شعره، ورتَّبه على توالي الحروف، وديوانا أشعاره ورسائله مدخلات في عشرة أجلاد.

وهو رجل قد حاز فضيلتي الكلام؛ نظمًا ونثراً، وبرز في صناعتهما، مناكتب الناس في وقته، وأعملهم بقوانين الترسل، وأساليب الكتابة، وأجود الكتَّاب شعراً، نقي في نفسه، يميل إلى أهل الصلاح والدين؛ حسن الطباع كريم الاخلاق.

انشدني عبد المحسن بن حمّود لنفسه:

عدِّ عن زينب وعن أسماءوأسقني من سلافة صهباء
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
خندريس كالشمس قد نثر المزج عليها كواكب الجوزاء
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
نالها الطَّرف في الزُّجاجة لكنفاتها الكفُّ قد جمِّدت من هواء
وكأن الحباب حين علاهاعرقٌ فوق وجنة حمراء
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
من يدي شادن إذا ما تجلَّىغار من وجهه هلال السَّماء
/ ب/ خضَّبت كفَّه المدامة فاستغــنى بلألائها عن الحنَّاء
بنت كرم إذا اللئيم احتساهاعلَّمته خلائق الكرماء
للشاعر أمين الدين الحلبي، اقرأ القصيدة
واتل من وصفها على الشُّرب ذكراًنفحته قرائح الشُّعراء
كلُّ معنى يكاد يضحك بالَّصهــباء فعل الصَّهباء بالنُّدماء
إنًّما لدَّة الحياة شبابٌوشرابٌ على غنًّى وغناء

وأنشدني لنفسه:

لا تطع في المداد قول مداجيوأدرها صرفًا بغير مزاج
قهوة تصرف الهموم عن الشُّرب إذا أشرقت وراء الزُّجاج
ومتى ما دجا الظلام كفانانورها في الزُّجاج نور السِّراج
تبرز الشمس حين تبرز في الكايات والليل مظلم الجنح داجي
توَّجتها يد المزاج بتاجٍمن حباب يا حبَّذا من تاج
عالج الهمَّ حين يعرض للأرواح بالرَّاح فهي خير علاج
تفتح الرَّاح حين تجلى إلى الأفــراح للشاربين كلَّ رتاج
إن تكن أفسدت صلاح الدِّيانات فقد أصلحت فساد المزاج
وأسقنيها من كف ظبي غريرأكحل الطَّرف أغيد مغناج
/ أ/ دبَّ من فوق وجنتيه عذاراًهـ كنمل بدت من فوق غاج

كلَّما ماس قدُّه كاد ينقدُّ بردف موفَّر رجراج

وإذا الراح هزَّ عفيه سكراًجادلي بالذي أنا منه راجي

وقال أيضًا وأنشدنيه:

يا مدير السُّلافة الصَّهباءلا تكدِّر صفاءها بالماء
وأدرها صفراء صرفًا إذا... .... تجلى حنادس الظَّلماء
قهوةٌ إن يصبك من شربها داء خمار فداوه بالدَّاء
يقبل الكأس حين يقبل منهما تولَّى عنَّا من السَّراء
كلَّما أطلع السُّقاة شموسًامن مدام غربن في النُّدماء
ما الحيا بالزُّبى بأنفع منهابعد محل في الروح والأعضاء
فإذا ما شربت منها ثلاثًاوثلاثًاً يأتين غير بطاء
فعلت في لباب لبِّك ما يفعــل بالطَّرف أوَّل الإعفاء

لذَّة العيش المدام وما اللَّذَّة إلَّا في ساعة الإنتشاء

فاسقنيها حتى تراني لا أفــرق بين الإصباح والإمساء

وقال أيضًا وأنشدنيه:

/ ب/ وافى وجنح الظلام قد جنحاوطائر الدَّوح فيه قد صدحا
وللنَّسيم العليل طيب شذاًعطَّر جوَّ السماء إذ نفحا
وبلَّل القطر ذيله فلو الــمخمور أعفا في برده لصحا
والدِّيك يدعو من فوق منبرههبُّوا فرجه الصباح قد وضحا
فبادروا الصبح بالصَّبوح فقدأفلح من راح فيه مصطبحا
أهيف كالغصن آده كفلٌكالِّعص أعيى في وصفه الفصحا
لولا ظلامٌ في ليل طرَّتهيستره عن وشاته أفتضحا
ابن ثمان وأربع غنجٌلغير ذاك الفعال ما صلحا
فقمت من سكر خرمة وكرىأرفل في بردة الصِّبا مرحا
أخططب بنت الكروم... ..... الفرحا
فقال: هات اسقني فقلت لهخذها مداماً كالبرق إذ لمحا
حمراء تحكي دم الغزال إذاما باخل القوم ذاقها سمحا
تريك في حال مزجها شرراًتومي به كالزِّناد إذ قدحا
فعبَّ منها فقلت بدر دجىيلثم منها في الكأس شمس ضحى
أشرب من سؤره فينفحنيمنه نسيم يعطِّر القدحا
/ أ/ حتىغذا ما المدام رنَّحهوراض بالسُّكر منه ما جمحا
غنَّى بييت ابن هانئ ولقدكنت له قبل ذاك مقترحا
يا صاح لا أترك المدام ولاأقبل في الحبِّ قول من نصحا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لست أرى لذة ولا فرحا»

وقال أيضًا وأنشدنيه:

لا تطع قول النصوحوأجب داعي الصَّبوح
ما ترى نجم الثُّريَّاقد تولَّى للجنوح
وبدا الصبح كرهبان تبدَّت في المسوح
فكؤوس الراح تجلىفي يدي ساق مليح
بدر تمَّ قام يسعىبستى البرق اللَّموح
قهوةً عتَّقها منقبل نوح قوم نوح
فهي في اساتها تحــكي دم الظَّبي الذَّبيح
فأشربنها واسقينهااو يواريني ضريحي

وقال أيضًا وأنشدنيه:

/ ب/ أدر يا منيه النَّفسعلينا قهوة القسِّ
وصرِّف ليلنا بالصِّرف حتى مطلع الشمس
ولا تمزج بها ماءبربِّ الرُّوح والقدس
فإن الراح عند النَّفــس أحلى من منى النًّفس
مدامًا صانها كسرىأنوشروان للفرس
فأفنى الدَّهر جدَّتهاوطهَّرها من الرِّجس

ولطَّفها إلى أن دقَّ معناها عن الحسَّ

تراها حيثما حلَّتنظام اللَّهو والأنس
فإنَّ الكأس قد صحَّتلول المكث والحبس
وطير السَّعد قد وافىوولَّى طائر النَّحس

وقال أيضًا، وأنشدنيه:

ألافي الراح قد جئت بالإفك ... وإني لفي شغل بلذَّتها عنك
اتنهين من لم يقبل... من الله عنها كيف يقبله من
تقولين لي اتركها وتب وهي تجتلىبكفَّ غلام أهيف من بني الترك
أفديه من ساق إذا ما رمقتهيمازج تقطيباتهً لي بالضِّحك
/ أ/ حكى أسها خدَّاً وثغراً ومقلةًوسورتها أفعال مقلته تحكي
إّا فضَّ بين الشَّرب عنها ختامهاأتت بنسيم الرَّوض أو نفحة المسك
وإن مزجت أبدت بصفحة كأسهاحبابًا كدرٍّ قد تبدَّد من سلك
ولو تبت من شربي لها وتركتهاوعاينت ذا أو بعضه تبت من نسكي

وقا أيضًا، وأنشدنيه:

نديمي قم إلى شرب الحميّافقد جنحت إلى الغرب الثريّا
وقد أهدت صبا نجد إلينابطيب نسيمها مسًا ذكيّا
وغنَّت في فروع الأيك عجمٌتروح بها عن الفصحى غنيّا
وحيَّتنا بها خودٌ رداحٌنرى بدر الدُّجى منها حييَّا
إذا هزَّت معاطفها أرتناقومًا يخجل الغصن الرَّويّا
تميت الحيَّ من سكر وتشدوبتلحين يعيد الميت حيَّا
وتبدي من ثناياها أقحوانًاومن وجناتها ورداً جنيّا
مجاجة ثغرها الوضَّاح أحلىوأعذب من معااة الحميّا
جلتها في الزُّجاج لنا عروسًاونظًّمت الحباب لها حليًا
يري مديرها في الكأس... وقد غسق الدجى
/ ب/ كأن الشمس قد حلَّت عليهارجاءً من .... بهيّا
إذا نسمت حسبت الريح هبَّتعلى روضٍ فأهدت منه ريَّا

وقال أيضًا، وأنشدنيه:

بالله هل يا ملولإلى الوصال وصول
ام هل إلى سلسبيلمن ريق فيك سبيل
صلني فماذا التَّجافي؟من ذا الجمال جميل
ساءت لبعد حاليولست عنك أحول
قضى اعتدالك فيناأن ليس عنك عدول
يميل كل فؤادإليك حين تميل

فهل ثنى قدَّك اللَّدن شمال أم شمول

مولاي ها أنا من خصــرك النَّحيل نحيل
وها فؤادي من طرف العليل عليل
إن كنت تنكر أنِّيبمقلتيك قتيل

فها دمي كاد من خدِّك الأسيل يسيل

وذا الدَّلال على مابي من هواه دليل
/ أ/ لكن يهون على الغمتـر الهوى ما يهول

وله من أبيات:

وأهيف كقضيب البان ميَّاسرقيق جسم ولكن قلبه قاسي
ناديت لمَّا بدا والكأس في يدهكأنه قمرٌ وافى بنبراس

وأنشدني لنفسه، بحلب المحروسة تاسع عشر جمادى الآخرة، سنة ثمان ....

وستمائة من قصيدة مولة، امتدح بها النبي –ﷺ يقول فيها – في وصف الناقة بع أبيات كثبرة-:

حتى إذا بلغت قبر النبيِّ فلارحلٌ على ظهرها من بعد محمول
وكيف يبلغ [من] هذا المقام مطًاويغتدي وهو للتَّرحال مرحول
يا طيب طبت بقبر فيك ساكنهله على كلِّ خلق الله تفضيل
قبر تلقى بيتًا حلَّ فيه رضامن الإله وتكريم وتبجيل
فيه النبي الَّذي لولا نبوتهلما اقتفى الرُّشد قابيلٌ وهابيل
/ ب/ فيه النبي الَّذي لولا هدايتهلما انجلى عن ذوي التَّضليل تضليل
فيه النبىُّ الَّذي لولا شفاعتهما فكَّ من ربقه العصيان مغلول
هو الوليُّ فمن والاه منتصرٌعلى العداة ومن عاداه مخذول
ذو الحشر يورده في الحشر أمتهوذو الشفاعة ما في ذين تأويل
أباد أهل التَّماثيل الذين بهاضلُّوا فذلوا ولم تغن التماثيل
لقد هدانا إلى دين له شهدتبالصِّدق والحقِّ توراةٌ وإنجيل
وجاءنا بكلام لا تبدِّلهخلقٌ وهل لكلام الله تبديل
فيه بيانٌ وأمثالٌ ومرحمةٌوحكمةٌ ومواعيظٌ وتفصيل
تلا على الناس وحيًا جلَّ قائلهكما تلاه أمين الله جبريل
كلامه الصدق لا ريبٌ يخالطهلأنه عن إله العرش منقول
إليك جئت رسول الله من بلدناء تخبُّ بي القود المراسيل
وليس شاغر تسليمي عليك وتقــبيلي الضَّريح الَّذي يحيوك تأميل
لعلَّ وزري إذا ما زرت قبرك أنيروح وهو بعفو الله مشمول
عساك تسأل ربَّ الخلق في فمايخيب من فيه رب الخلق مسؤول
فقد تدنَّس عرضي بالذنوب عسىأن يغتدي وهو بالغفران مغسول
/ أ/ يا صفوة الله من هذا الأنام ومنمريره في سبيل الله مجدول
أوضحت سبل الهدى والدِّين فاتَّضحتوبان للناس تحريم وتحليل
فالحقُّ متبعٌ والصدق مستمعٌوالعدل متسعٌ والنُّصح مبذول
طابت خلائقك اللاَّتي حبيت بهاوفي الخلائق ممرورٌ ومعسول
ورضت باللُّطف أخلاقًا جمحن علىان راضها لك أصحابٌ وتذليل
لو كنت فظَّاً غليظ القول ما اتَّبع الــقول الَّذي قلت جيلٌ بعده جيل
وانفضَّ من حولك الأقوام وارتجع الــولي عنك وولًّى وهو إجفيل
دانت لدينك أحبار اليهود ورهــبان النَّصارى وأقيالٌ بهاليل
وليس فيه على أربابه حرجٌبل فيه رفقٌ وتيسيرٌ وتسهيل
انار شرعك فينا كلَّ داجيةٍكما أنار دجى الظَّلماء قنديل
ما ينكر البعث والإرسال غير عممنافق قلبه بالغشِّ مدخول
وليس يجحد آيات اتيت بهاإلا امرؤ كافر بالله ضلِّيل
وكل ناقض أمر أنت مبرمهفإنِّما دينه شكٌ وتعطيل
يا طيب طوبى لمن أدناه فيك إلىتراب قبر نبي الله تقبيل
قولي لليلى بأني حيثما برزتعنها بمدح رسول الله مشغول
/ ب/ ما حب ف\قلبي له دعوى أنمِّقهاولا مديح لساني فيه منحول
مديحه اليوم تفضيلٌ لقائلهوفي غد هو في الميزان تثقيل
به أرجي إيابي سالمًا وخطيــآتي مكفَّرةٌ والحجُّ مقبول
جاء الرسول بآيات مبيَّنةللجاحدين لها ويلٌ وتنكيل
من ذا يكذِّب ما جاء النبيُّ بهوقوله من عبير الصدق مجبول
هو الَّذي ختمت رسل الإله بهعن شرح جملته تعيا التَّفاصيل
من معشر قد وقى أعراضهم كرمٌما تقيهم لدى الهيجا السَّرابيل
إذا احتبوا فهم الأطواد راسيةوإن حبوا فهم الدأماء والنِّيل
وهم غيوثٌ لهم أحوالهم مطرٌوهم ليوثٌ لهم سمر القنا غيل
قوم إذا فوضلوا ان الأفاضل مافيهم وإن أطنب الحسَّاد مفضول
ذوو عمائم قد ذلأَت لعزتهاذوو الأكاليل قسراً والأكاليل
هم أيَّدوه على تأييد ملَّتهلمَّا استطالت على الحقِّ الأباطيل
ومهَّدوا الدِّين والإسلام وانحسمتبحدِّ سيفهم عنه الأضاليل
ودوَّخوا كلَّ ملك لم يدن لهمفملكهم آيلٌ والعرش مثلول
من كلِّ قرمٍ إذا ما القرن بارزهلم ينثن القرن إلا وهو مغلول
/ أ/ أمضى سلاح معاديهم إذا اعتقلوا الــرماح للطَّعن تسليمٌ وتخذيل
مناذا أقول وإن أسهبت في ملأقد جاء في مدحهم وحيٌ وتنزيل
لولاهم هدم البيت العتيق وقدوافاه قومٌ عصاةٌ فيهم الفيل
عادوا وقد عاد في التَّضليل كيدهموأرسلت فوقهم طيرٌ أبابيل
ترمي بأحجار سجِّيل تغادرهمإذا رمتهم كعصف وهو مأكول
هل مثل مجدكم آل النبيِّ لهفي الجاهليَّة والإسلام تأثيل
مجدٌ مشيدٌ قريشٌ شيَّدته لكمما شان شاهده جبنٌ وتبخيل
فخراً بذلكم آل النبيِّ فقدأدركتم ما ونت عنه البهاليل
أدركتم من ذرى العلياء منزلةًتنمى فيعجز عن إدراكها القيل
إذا صفاتكم أثنى القران بهافما الَّذي بعده تثني الأقاويل
صلَّى الإله عليكم ما بدا قمرٌيسري ومنزله قلبٌ وإكليل
ثمَّ الصلاة على أصحابه فبهمقد كان للدِّين تتميمٌ وتكميل
وعنهم رضي الرحمن إنهمأرضوه والأجر عند الله مكفول
هم الألى بايعوه تحت أيكتهوللملائك تكبيرٌ وتهليل
أنصار دين الهدى ما فيهم كشفٌولا معازيل في الهيجا ولا ميل
/ بشدَّهم شيد بع الدِّين وهو إلىيوم القيامة معمورٌ ومأهول
هم الغياث إذا ما استنجدوا وهو الــغيوث سائلة بالجود إن سيلوا
شوشٌ مغاوير خوَّاضون في لجج الــحروب لدٌّ مقاويلٌ مفاضيل
صيد صناديد أنجادٌ جحاجحةٌغرٌّ ميامين أمجاد مباجيل
إذا ينالون لا يزهاهم فرحٌولا ينالهم حزنٌ إذا نيلوا
خوف الإطالة ما استوعبت مدحهمفربما شان بعض القول تطويل
أرجو من الله إسعافي لحبِّهمفإنَّ حبهم اجرٌ وتنويل
وأسال الله تزويدي التُّقى بهمفإنهم نعم يوم الفاقة السُّول

وأنشدني أيضًا:

إذا ما سفيه القوم أوسعني شتمًاكظمت له غيظي وأوسعني حلما
وما الفرق عند الناس بيني وبينهإذا قال لي شتما فقلت له شتما

وله وأنشدنيه:

لا تعتب الدَّهر حملافما على الدَّهر عتب
وإنَّما الناس ساءواوليس للدَّهر ذنب

وأنشدني له:

/ أ/ تجنَّب ما استطعت عن الخلائقفهجر الخلق من كرم الخلائق
فأعوز ما ترى في الناس شخصًاخليَّ القلب أو خلاًّ موافق

وأنشدني لنفسه:

حيَّاه محبوبه بنرجسةمن بعد طول الجفا فأحياه
كأن مضفرَّها خدود محبِّــيه ومبيضَّها ثناياه

وقال أيضًا:

لا تطلع الناس على سركايومًا ولا تخرجه عن صدركا
إن تفثه كنت أسيراً لهوإن تصنه كان في أسركا

وقال وأنشدنيه:

رشقت فؤداي عن قسيِّ حواجبففعلن فيه وفي غير الواجب
فكأنَّ حاجبها الأرجَّ وقد بدانونٌ أجادتها صناعة كاتب

وقال في غلام راكب أشهب، وأنشدنيه:

ولابس حلَّة الجماليميس في حلية الدَّلال
أغنت عن القوس حاجباهومقلتاه عن النِّبال
/ ب/ وافترس الناس منه ليثٌينظر عن مقلتي غزال
مرًّ على أشهب فقلناتبارك الله ذو الجلال
من أنبت الغصن في كثيبوسخَّر الصُّبح للهلال

وكتب وهو بدمشق، يتشوق حلب وأنشدنيه:

عرِّج على حلب وايأل مغانيهابم استحلَّت دمي ظلمًا غوانيها
سقى ربى حلبٍ سحبٌ روائحهانهمي إذا أقلعت عنها غواديها
من كلِّ وطفاء دان فضل هيدبهامنحلةٌ في نضواحيها عزاليها
كم قد نعمنا بلذات الشباب بهافي عيشة طاب مخليها لجانيها
أبدى لنا ملكٌ غاز محاسنهما يطرف الطَّرف منَّا عن مساويها
تدبرت دولة الإسلام واعتصمتبه العواصم واعتزَّت صياصيها
أعطاه قلعتها الشَّهباء خالصةًدون الملوك فأعطى القوس باريها
غلت على سائميها قلبه وعلتتبارك الله مغليها ومعليها
فليس يحكيه في خلق ولا خلقملكٌ ولا قلعةٌ في الأرض تحكيها
أبت على خابيها فهي شامخة الــعرنين باد
/ أ/بسماء الجوِّ واعتجرت ... بسحبها فهي أحمى من دراريها

عبد المحسن بن إسماعيل بن حمدان، أبو علي الجزري.

شاعر كاتب عند شيء من علم النحو والأدب، وهو يكتب الإنشاء لصاحب الجزيرة المعمورة، المل المعظم محمود بن سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي:

ومن شعره:

سيوفٌ بدت أم سحر بابل عيناهووردٌ زاهم ام ذي الشقائق خدَّاه
وصبحٌ تجلَّى أم ضياء جبينهوليل دجى أم قد تعقرب صدغاه
رشا قدُّه غصنٌ من البان ناضرٌنسيم الصَّبا في آخر الليل سكناه
رماني فأصماني بسهم لحاظهوكم عاشق مثلي رماه فأصماه
رمى ومماتي لحظةٌ من جفونهنأى وحياتي نظرةٌ من محياه
واستنجد العين القريحة للكرىلعلِّى أحظى في الرُّقاد برؤياه
واهوى نسيمًا هبَّ من نحو أرضهعساه راه أم تحمَّل ريَّاه
بروحي أفديه وما ملكت يديتناضل ...... الغداة وأهواه
/ ب/ بعثت إليه في النسيم تحيَّةًفمرَّ به في الليل وهنًا فحيًّاه
أراه بعين الحبِّ والبين بينناوأنظره حقَّاً على بعد مغناه
وما أتمناه لفحشٍ ولا خنًاولكنَّني أهوى ملاحة معناه
لقد كذب الواشون بي وتقولواوفاهوا بأنِّي بتُّ مرتشفًا فاه
لبسنا عفافًا وارتدينا بمثلهوعفنا الخنافي في حبِّنا وأنفناه
سألزم نفسي حمل ما لا تطيقهوأحمل في .... ما ليس أقواه
وأركب أهوالا تجوب بي الفلاإلى بلدٍ لا تعرف الريح مسراه

عبد المحسن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن جامع، أبو محمد بن أبي العباس العقري.

وقد مرَّ شعر والده؛ وهو موصلي المولد والمنشأ.

أخبرني أنه ولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنه ست وتسعين وخمسمائة، درس فقه الشافعي – رضى الله عنه- على جماعة بالموصل وبغداد، وقرأ الأصول والخلاف والفرائض والحساب، وتميَّز على أقرانه، وجلس بعد أبيه لتدريس / أ/ الفقه، وقام مقامه.

وله شعر؛ أنشدني لنفسه كا كتبه إلى الأمير الكبير امين الدين أبي الماكرم لؤلؤ بن عبد الله البدري:

امنت بوائق الزمن الخؤونونلت مناي بالمولى الأمين
وهل أخشى وقد علقت يمنيبحبل من مودَّته متين
فتىً حاز الفضائل والمعاليبجود سابغٍ وتقًى ودين
تفرَّد بالعلاء ولا نظيرٌله فيمن تقدَّم في القرون
فأصبح جامعًا لجميع فنِّتفرق في الأنام من الفنون
أمين الدِّين لا زلنا نهنِّيبك النَّيروز حينًا بعد حين

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.