من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه عبد المجيد
عبد المجيد بن الحسن بن الخطَّاب بن بدلٍ، أبو الحسن المراغي.
من فضلاء أذربيجان، وأفراد أدبائها، كان غزير الحفظ، عالماً بالأدب، مبرزاً في اللغة والشعر، ولم يكن أحد في زمانه يضاهيه، فيما يتعاطاه من الفنون الأدبية، وصنعة النظم والنثر والتصنيف.
وكان أوحد وقته في معرفة شعر أبي الطيب المتنبي، وعلمه بمعانيه وتفسيره، وشرح عدَّة كتب منها شرح اللمع، وشرح ألفاظ عبد الرمحن، وشرح سقط الزند، وشرح الأنموذج لأبي القاسم الزمخشري، وشرح ب/ كتاب أفكار الأبكار للرسيد وطواط، وشرح كتاب لأبي النضر العتبي.
وشرع في شرح سر الأدب لأبي منصور الثعالبي، لم يتممه. استشهد في شوال سنة سبع وعشرين وستمائة، بقية من قرى أربل -رحمه الله تعالى-.
أنشدني الفقيه زين الدين محمد بن أشكري بن محمد بن أشكري المراغي؛ قال: أنشدني عبد المجيد بن الحسن المراغي لنفسه، من قصيدة طويلة يذكر فيها خراب مراغة حين قدمها التتار -خدلهم الله تعالى- وتغلبوا عليها وخرَّبوها، وانتهبوا أموالها، وسبوا الذراري، وقتلوا عالماً عظيمًا:
حرمت جفوني من هدوِّ غراريوصميم قلبي من نعيم قرار
ونفاد دمعي من بكائى دائمًابمدامع حال البكاء غزار
وعقود عمري اليوم تمًّت خمسةًوبها تناهى أكثر الأعمار
والشَّيب شامل عارضي ومفارقيلطليعة طلعت بجيش بوار
مار صار لولا تلك رأسي أغبراًفالجيش يقدمه مثار غبار
أوما رأيتم أنَّ طوفان الرَّدىأخذ المراغة من هجوم تتار
/ أ/ جيش لهامٌ مشرقيٌّ أقبلوامتموِّجين تموُّج الأبحار
ان المراغة كالسفينة أغرقتفي لجُّة من عسكر جرَّار
في النِّصف من يومين قد ظفروا بهاقهرا بحكًم الواحد القهّار
فظهيرة الأحد ابتداء حصارهموالأخذ في الإثنين شرُّ نهار
هجموا وقد أخذوا أعالى سورهابمجانق يمطرون بالأحجار
نصبوا المجانق تحت برجٍ واحدليلاً ويوفي شغلهم بحصار
أحجارها رقًت وشفَّت حرمةًكالثَّوب تحت مدقَّة القصَّار
والنَّقب يأخذ من حجارة أسِّهفانهار في بدن كجرف هار
بسقوطه ارتفع الغبار وراع اهــل الحق فانحدوا إلى الأسوار
لمَّا رأى الكفَّار سوراً خاليًاوهويَّ برجٍ ساق منهار
صعدوا إليه رافعين لواءهمقصَّاد قتل الزُّمرة الأبرار
لجات إلى دار الهمام إمام ديــن الله آلافٌ من الأخيار
فأجارهم ووقاهم في دارهقاض لحقِّ إجارة وجوار
وأطاب قلبهم بطيب وعدهإذ قال احميم أنا في داري
فحماهم يومًا وليلاً كاملاًعن ناب قوم كالكلاب ضواري
/ ب/ وغدا الثلاثة إستداروا حولهاكأحاطة الهالات بالأقمار
فسماء غيث الَّهم تمطر دراهمطر السما بالصَّيِّب الممطار
وعلا ليمنعهم أعالي دارهفلهم تيسَّر فتح باب الدَّار
دخلوا وقد ظفروا به في دارهفلهم تيسر فتح باب الدَّار
قتلوا جميعهم بأدنى لحظةٍما من مجير عندهم ومجار
وقال أيضًا:
رحل الشباب وما اعتبرت من العبروأتى المشيب وما انتبهت على الكبر
وأخو الصِّبا تصفو مشارب عيشهوإذا تزعزع شانها شوب الكدر
أين الطَّراوة والطَّلاوة والصِّباهيهات منك أعارها جيش القدر
أوما رأيت الغصن عند ربيعهيحلو بزينة زهره فوق الشَّجر
حتى يغيَّره خريف خريفهعن حاله بيد الحوادث والغير
وإذا تولَّى الأربعون وقد دنا الــخمسون صاحبها يقول على غرر:
يا أيها الوُّفقاء حان رحيلنافتأهبوا فالآن ميقات السَّفر
دنياكم ليس المناخ لراكبما حلَّ حتى فيه أشعر بالخطر
عزم الرحيل بناظر متزوِّدنظر المودِّع والمفارق للحضر
/ أ/ ها نحن سفرٌ نحو أبعد غايةً في كنهها حارت عيون ذوي النَّظر
سارت قوافلنا إليها قبلنامنهم إلينا قطُّ ما رجع الخبر
بقيت لدينا بعدهم آثارهموكذاك يبقى بعدنا منَّا الأثر
وقال أيضا:
إعلم بأنك لا أبا لك في الَّذيأصبحت تملكه لغيرك خازن
يا عامر الدنيا أتعمر منزلاًلم يبق فيه مع المنيَّة ساكن
إنَّ المنميَّة لا تؤامر من أتتفي نفسه يوماً ولا تستأذن
والموت شيءٌ أنت تعلم أنَّهحقٌ وأنت بذكره تتهاون
والمرء يسكنها ويعلم أنَّهعنها إلى وطن سواها ظاعن
ولقد رأيت معاشر وعهدتهمفمضوا وأنت معاينٌ ما عاينوا
ورأيت سَّان القصور ومالهمبعد القصور سوى القبور مساكن
جمعوا فما انتفعوا بذاك وأصبحواوهم بما اكتسبوا بذاك رهائن
عبد المجيد بن محمد بن منكديم بن عبد العزيز، أبو المعالي بن أبي الفرج الرزودباري الهمذاني.
/ ب/ كان فقيهًا شافعيّ المذهب، مناظراً فاضلًا، أخذ بأطراف من العلوم الدينية؛ كعلم الأصول والخلاف والفقه وغير ذلك.
وله شعر كثير؛ أنشدني بإربل في شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة:
أحنُّ هوًى إلى أرض العراقحنين المستهام إلى العراق
إذا حمل التراب الرِّيح منهامرت نار الأسى ماءً الماقي
رعى الله الأحبَّة ثمَّ جلَّىنهار وصالهم ليل الفراق
بهم تخلو الحياة وفي نواهممماتٌ عيشنا مرُّ المذاق
تناسوا سالمين لهم سليمًاسواهم ماله في الناس راقي
ألفت على الصِّبا حبَّ التَّصابيفقد فني الصِّبا والحبُّ باقي
سقيت مدامة الأشواق حتىبفيض مدامعي جرت السَّواقي
أضام على النَّوى ظلمًا صريحًاواحمل في الهوى غير المطاق
فما وجد اكتئاب كاكتئابيولا عهد اشتياق كاشتياقي
فلا قاسى الأ باعًد ما أقاسيولا لاقى الأقارب ما ألاقي
سيرجع غاربًا نجم التَّنائيوتطلع شارقًا شمس التَّلاقي
/ أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه:
يجرِّعني دهري سموم همومهوقلبي سقيمٌ من أليم سمومه
سأفطئ إن عمِّرت نيران ظلمه....... من دماء كرومه
وأنشدني لنفسه:
هذا العقيق وهذه غدرانهيروى بعذب زلالها حوذانه
يرعاه سربٌ من ظباء تهامةتصطاد آساد الشرى غزلانه
يحميه حي نازلون بروضهيحكي رشاق قدودهم أفنانه
وقد استعار من الوجوه نضارةًتحكي رشاق قدودهم أفنانه
من كلِّ وضَّاح الجبين كأنَّماعقدت على شمس الضُّحة تيجانه
طلق المحيَّا واليدين تخالهتجري شآبيب الغمام بنانه
ليل العجاج إذا دجا يوم الوغىتجلوه غرِّة وجهه وسنانه
وبملتقى الهضبات منهم شادنٌأصمى لأفئدة البرايا شأنه
ريَّان من ماء الملاحة فائقفي حسنه ثمل الصِّبا نشوانه
يختال في حلل البهاء وقدُّهكالبان ماس بسحرة أغصانه
تملي وقد سحر القلوب بطرفهوحيًا على عشًّاقه أجفانه
/ ب/ درِّى ثغر لو تكشَّف موهنًاللعاشقين محا الدُّى لمعانه
عسلي ريق بارد يشفى بهدنف الهوى ظمآنه
ابت مساحب ذيله وتأرجتبالمسك من أصداغه أردانه
سكنوا العذيب فقلت من شغل بهمنعم العذيب [و] حبَّذا سكَّانه
أخفي هواه غير أنَّ لمدمعيعهداً يذيع سرائري هطلانه
أبغي وليس سوى الحبيب طبيبهتسكين قلب دائم خفقانه
يارب ليل بتُّ مطرود الكرىشوقًا تساهر ناظري شهبانه
والصبح ورديُّ النِّقاب كأنَّماشبَّب على قلل الرُّبى نيرانه
وأنشدني لنفسه من أبيات قصيدة:
ولكم رشفت رضابها ومدامهمن شغرها وكلامها لم يمزج
فرج الهموم بها وبي منها الأسىملأ الحشا ناراً ولمّا يفرج
يا مورد الماء الزُّلال حرمتهمهما جرى ذكراهم تتأجج
خطرت بنا والليل داج نفحةٌأرجت كنفح العنبر المتأرِّج
فغمت خياشيم الرِّفاق ونبِّهت طرب الحليِّ ومقلة الصَّب الشَّجي
/ أ/ شغف الفؤاد بها لعلمي أنهالو لم تمرَّ بصدغها لم تأرج
ولربَّ ليل جبت ستر ظلامهبعزيمة تحكي ضياء تبلُّج
ضاهت كواكبه بنادق عسجدنثرت على صحن من الفيروزج
أو زهر أزهار العرار تفتَّقتفي وسط روضٍ من رياض بنفسج
والبدر ينفج في الُّرى فكأنَّهصبٌّ يروم الحبَّ بين الأبرج
واللَّيل مسدود عليه طريقهيحبو حسيراً كالوليد الأعرج
والشُّهب حيرى في السماء كأنَّهاوفدٌ يضلُّهم الصَّدى عن منهج
والبرق يلمع في خبايا مزنةكالسيف صمِّم في دلاص مدجَّج
حتى بدا ضوء الصباح كأنَّهنار على شرف تشبُّ لمدلج
وأنشدني أيضًا لنفسه:
لد أبرزوا أسرار عيني وأحرزواغزالاً عظيمًا في الملاخة شانه
فهم حلَّلوا بالبين حيني وحرَّمواعليَّ عناقًا كان يدنو أوانه
كما أوقدوا بالهجر بين جوانحيسعيراً بدا في عارضيه دخانه
فمن ذا رأى مثلي من الناس هائماإذا ذكر الخلَّان يدمع شانه
/ ب/ ومن أين مثلي في هواكم متيَّمإذا مسح الآماق تدمى بنانه
وأنشدني من شعره من أبيات:
سقيًا لأيَّام الربيع فإنَّهزان البسيط بحلَّه خضراء
وشَّى الحيا قطع الرياض كأنَّماأهدى له الحبرات من صنعاء
حكت البروق وميض بيضٍ فارقتأجفانها في بهرة الظَّلماء
ومنها يقول:
وترى هزيم الرَّعد في جنباتهكالطَّبل يشرب غدوة الهيجاء
والقطر في وسط الشَّقيق كعبرةٍتجري خلال المقلة الرَّمداء
ومنها قوله:
تترنَّح الأغصان من نفس الصَّباكترنُّح النَّشوان من صهباء
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع