تجاوز إلى المحتوى

من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)

ذكر من اسمه عبد الرازق

عبد الرازق بن أحمد بن الخضر بن أحمد بن صالحٍ، أبو محمدٍ العامريُّ الأطرابلسيُّ، المدعو بالبديع.

من شعراء الشام، غزير الشعر يكثر من قوله. رحل إلى الديار المصرية، قاصداً الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن شاذي -رحمه الله تعالى- ليمدحه، واتصل ببني أيوب فسيَّر فيهم مديحاً كثيراً.

ولعلَّ أ/ ديوان شعره يزيد على عشرة أجلاد، ومعظمة مرذول قليل العيون، إلاَّ أنه ما يخلو من فائدة ومعانٍ، وربما مرَّ له أبيات صالحة.

ولم يكن شهر بالشعر كشعراء عصره، وكان يأخذ نفسه بصناعة الترسل، والإنشاء الكتابي؛ صار إلى من نظمه كتاب سمّاه "در المدائح ودرُّ المنائح" وجعل في مقدمته خطبة ذكر فيها فضيلة الشعر ومدحه.

وخرج من مصر طالباً البلاد الجزريّة، إلى مدينة آمد، فانحاز في جملة مليكها الصالح أبي الفتح محمود بن محمد بن داود بن سليمان بن أرتق، فأكرمه وصيَّره أحد ندمائه وجلسائه، فولاه الإشراف على .... بالعربيه ولم يزل متوالياً إلى أن مات بذلك.

وأخبرني من شاهده بآمد، سنة خمس وستمائة؛ وقال: كان شيخاً ربعة يتزيّا بزيِّ الجند، ويلبس القلنسوة ذات القنجس.

وكان مشغوفاًَ بالخمر، مصرَّاً عليها، ذا نعمة واسعة، وحشمة وزي حسن وغلمان، وكان الصاحب ضيائ الدين أبو القاسم أحمد بن شيخ السلامية وزير صاحب

آمد،في حقَّه ويكرمه ويقرِّبه وينعم عليه

/ ب/ وكان أبو الحسن علي بن محمد الساعاتي الشاعر بمصر، فاقتضت أن عمل إبن الساعاتي دعوى، وجمع إليه جماعة من أصدقائه، من الديار المصرية، وغيرهم وفي جملتهم عبد الرازق الشاعر، وكان يومئذ مقيمًا بمصر، وكان مع ابن الساعاتي ألف دينار مصرية، فحار أين يخبّئها، فألقاها في حبَّ الماء، وفي ظنِّه أنَّ أحداً لا يفطن لذلك، فشرب من كان عنده كم أصدقائه الماء، واستعملوه، ولم يبق في الحّبِّ ماء، فقام بعض من كان عنده يستقي ماء، فوجد الألف دينار، فأخذها فلما أراد ابن الساعاتي يعينه:

يا عادم الألف من بعد التَّبذُّل فيتحصيلها في زمان عزَّ لقياه
قد كان مالك ماء الحبِّ أمَّلهكما عملت وماء الحبِّ أفناه
للشاعر بديع الدين العامري، اقرأ القصيدة

وأنشدني أسفنديار بن عثمان بن اسفنديار الديلمي البغدادي بحلب؛ قال أنشدني عبد الرازق له:

/ أ/ يا ظالماً لولاه ما كان ليعند إلهي في غد ذنب
كلَّفتني في الجبِّ ما لم أطقوبعض ما كلَّفتني صعب

وقال في الغزال:

آس العذار أسًى للهائم الدَّنفألفته مذ بدا في الخدِّ كالألف
تعانق الصُّبح والظلماء وائتلفاوما ائتلافهما إلاَّ على تلفي

وقال في مثله:

وشادن شدَّ فؤادي الأسىفي حبِّه شدَّ الزاة البغاث
لمَّا تردَّى الحسن ردَّ الرَّدىنحوي وجسمي فيه للسُّقم لاث
عذاره الآسي في خدِّه الــورديِّ في السَّلوة والصبر عاث
كالمسك في الجمر انتهى لبثهوالمسك في الجمر قليل اللّباث
أسرف في الصَّدِّ ولا ذنب ليوالصَّدُّ لا يحسن فوق الثلاث

وقال أيضاً:

سياج الورد أحسن كلَّ وقتبعين الصَّبَّ من ورد السَّياج
فهذا كالسياج على ظلامٍوهذا كالظلام على السِّراج

وقال في المعنى أيضاً:

/ ب/ تبدَّى فوق عارضه عذارٌبذلك عذري واحتجابي
فحار العاذلون له وقالوايواقيتٌ موشَّاةٌ بزاج
فقلت سياج آس فوق وردٍوهل وردٌ يكون بلا سياج

وقال أيضاً:

عديم الناس من من كان إلى ذي البخل محتاجاً

وما يغنيه ان يفتــح نحو الهجو منها منهاجاً
فدع عنط المهاجاة فلن يفلح من هاجى

وقال يستدعي صديقاً له إلى مجلس شراب:

يوم أنس وسرورٍ وفرحوكؤوس قد تغشت بالملح
وشموس كشموس أشرقتبرجها الكأس وطاسٌ وقدح
ومغنَّ ليس يعدولفظهفي التَّغنِّي كلَّ معنًى مقترح
وغلام يخجل البدر إذالاح فالَّلا حي عليه ما ألح
فأتنا لا فاتنا منك المنىفالمنى معتبقٌ أو مصطبح

وله في القناعة:

إربأ بنفسك أن تكون لكلِّ من تلقاه عبدا
/ أ/ إن السؤال مذلَّةٌوالقنع يولي المرء مجدا
مرٌّ لم يبلى بهوأمرُّ منه أن يردَّا

واقترح عليه حسام الدين دمرداش بن عز الدين الجاولي في مجلس شراب، أن يجيز له هذا البيت، وقد غني به بين يديه:

لي حبيبٌ فديتهمثله ما رأيته

والشعر للعماد الكاتب، فقال ارتجالاً:

يا من القلب بيتهأيُّ شيء جنيته
كلُّ ما ترتضيه ليمن بلائي ارتضيته
في فؤادي سرُّ العوىعن فؤادي خفيته
فلماذا أراك تنــشر ما قد طويته
ليت شعري وقلَّمانفع المرء ليته
لم غداً يؤثر القطيــعة من لي اصطفيته
/ ب/ بيعة الغبن باعنيمن بقلبي اشتريته
بان لي منه ما اشتهيــن وما لا اشتهيته
إن أقل قد سلوتهمنت فما ادعّيته
وإذا غيره ذكرت فإنِّي عنيته
أيُّ سهمٍ إلى فؤادي بكفِّي رميته
ما وقاني منه حسامٌ بمدحٍ إنتضيته
لسماحٍ عنه وعنحاتمٍ قد رويته
دام لي مضا شدا امرؤٌ:لي حبيبٌ فديته

وتلاه بقوله: يا من القلب بيته

عبد الرازق بن أبي الغنائم بن ياسين التيمي القرشي الضَّرير.

من أهل دقوقا؛ خرج عن بلده سنة خمس وثمانين وخمسمائة إلى إربل ونزل بقرية من قراها تدعى البشقرة، وحفظ القرآن بها على كثير بن عطية الباحباري.

ودخل إربل وأقام بها مدَّة، ورحل أ/ عنها إلى الموصل، ولزم الشيخ أبا الحرم، فجوَّد عليه قراءة القرآن تلقينا، وقرأ على العزّ عبد الكريم بن أحمد بن محمد بن حومية ..... تجويداً

وتوجه إلى بلاد الشام سنة ست وثلاثين، واستوطن دمشق، وتفقه على أبي القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين الدولعي الفقيه الشافعي، واشتغل على تاج الدين الكندي، وقرأ طرفًا من علم العربية، وسمع الحديث، وهو بهات مقيم له حلقة بالجامع يقرئ القرآن، وطرق القراءات وتعليلها.

سألته عن ولادته؛ فقال: تكون تقديراً سنة ثمان وستين وخمسمائة. ومع ذلك، اطبع في عمل الشعر، يقول منه القصائد والمقطعات.

أنشدتي لنفسه؛ بمدرسة الشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل ابن زيد بن ياسين الدولعي في أوائل المحرم سنة أربعين وستمائة في النوق:

وكريمة تحنو على أربابهافتقل أيديهم فويق المنكب
حتى إذا حملت به أهوى لهاضرباً وليست بالظلوم المذنب
فإذا العصيُّ تكنَّفت اكنافهاجاءت كمثل العارض المتحلِّب
/ ب/ تهي إذا ضُربت بشهد جامدٍوهنا وتحبسه إذا لم تُضرب

وأنشدني لنفسه:

سل الركبان هن أمة الرَّحيماباقيةٌ على العهد القديم
أم الأيام خلن دوين عهديوصيَّرن المودَّة كالرَّمسم
سقى الله الفراق بكلِّ كفٍّغداة البين شوباً من حميم
ولا برحت يد الأيّام صفراًمن البين المشتِّ بكلَّ ريم
رويدك حادي الأضغان رفقاًبضبٍّ هائمٍ قلقٍ سقيم
رهين صبابة واسير شوقٍمقيمٍ في جوانحه قديم
يعذبك البعاد وفي التَّدانيفما يينفعك من ألم اليم
ويذكره دقوقة كل وقتعلى سخطٍ النَّوى مر النسيم
فيشرق بالزُّلال العذب طورًاًويفهق تارةً بجوِّى مقيم
وما ينفكّ من ولهٍ وشوقٍإلى تلك المعالم والرٌّسوم

وأنشدني أيضاً لنفسه:

لا غرو ان صمّ يوم الدّين مسمعهوان جرى ساعة التّوديع مدمعه
واهاً المكتئب اودى الغرام بهما تاتلي زفرات الوجد تلدغه
/ أ/ تصرّع الأسد يوم الرّوع سطوتهلكن عيون المها في السّلم تصرعه

لو لم يلذ بالهوى ما ان من اسف وهناً ولا ذرفت فى الدَّار ادمعه

فى ذا الَّذي لم يذب في الحبّ من كلفإذا تلظت بنار الهجر اضلعه
يا حادي العيس لا ذقت الفراق ولاونت عهاد الحيا تسقيك
رفقاً بمن بات يرعى النّجم ارقهحرّ التفجّع لو يجدي تفجّعه
مولّه قلقٌ حيران اسلمهإلى الصّبابة والبلبال مطمعه
حليف شوقٍ اسأل البين عبرتهلم يدر أن صروف الدّهر توقعه
يخادع الحبًّ خوقاً أن يموت بهوما توهَّم انّ الحبّ يخدعه
يأوي إلى زفرات ليس يقكعهاإلَّا التّأوّه آناً أو تقطِّعه
هو الغريب الَّذي أودى بغربتهحرُّ الغرام وأرداه توجُّعه
إذا تذكر أيّاماً بكاظمةٍفاضت نجيعاً على ما فات ادمعه

وأنشدني لنفسه يتذكر وطنه:

إنَّ في قلبي من الشّوق حريقايتلظى عند ذكراي دقوقا
موطنٌ كنت به في نعمةٍلا أرى إلَّا ولياً أو صديقا
والغريب الدّار لا يصغو إلىّشرب يوماً ولو كان رحيقا

/ ب/ وأنشدني لنفسه:

إنّ داعي الهوى إليه دعانبفدعاني من الملام دعاني
يا خليلي خلّياني وقلبيواتركاني شأن الغرام وساني
ضقتُ ذارعاً بذي الملامة في الحبّإن كنتما تنصاحني
وادعواني إلى الصبابة إنّيساجيب الدّاعي بغير تواني
وعداني بوصل من شفني سقــم بحبّيه ساعةً فعداني
وانظراني حتى أعلّل قلبيبالأمانيّ ريثما تنظراني
لا يغرّنكما انيني ولوعات فؤداي وفيض دمعي القاني
وبكائي خلف الرّكائب ذياك سروري وعيشتي وأماني

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.