من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
أبو الرَّبيع ابن سالم
أبو الرَّبيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسّان الحميري الكلاعي الخطيب من أهل بلنسية، علم الأعلام، واللعوب في جدّه بأطراف الكلام، الَّذي فاز بالجنّة يوم فاد، وأفاد علوم السنة في ما أفاد. ولد في شهر رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة، واستشهد ﵀ مقبلاً غير مدبر في وقعة أنيشة على ثلاثة فراسخ من بلنسية ضحى يوم الخميس الموفي عشرين لذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان بقيّة أعلام الحديث ببلنسيّة، عني أتمّ عناية بالتقييد والرواية، وكان إماماً في صناعة الحديث بصيراً به حافظاً حافلاً عارفاً بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، يتقدّم أهل زمانه في ذلك وفي حفظ أسماء الرجال خصوصاً من تأخر من زمانه وعاصره. وكتب الكثير، وكان الخطّ الَّذي يكتبه لا نظير له في الإتقان والضبط، مع الاستبحار في الأدب والاشتهار بالبلاغة، فرداً في إنشاء الرسائل مجيداً في النظم. وكان هو المتكلّم عن الملوك في مجالسهم والمبين عنهم لما يريدونه في المحافل على المنبر. ولي خطابة بلنسيّة. وله تصانيف مفيدة في عدّة فنون: ألّف " الاكتفاء في مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء " في أربعة
مجلّدات، وله كتاب حافل في معرفة الصحابة والتابعين لم يكمله، وكتاب " مصباح الظلم " يشبه " الشهاب " و " كتاب في أخبار البخاري وسيرته " و " كتاب الأربعين " سوى ما صنّف في الحديث والأدب والخطب. ومن شعره يرثي أبا بحر من كلمة:
أما وأبي بحرٍ لقد راع خاطريمُصابُ القوافي والعُلا بأبي بحرِ
ليبكِ عليه المجدُ ملءَ جفونهِويبكِ عليه رائقُ النظمِ والنثرِ
ويا دوحَ روضٍ كان زهرُ كِمامهِعزاءك في الرَّوضِ الأنيقِ من الزهرِ
ومنها:
ويأسكَ عن رَوْحٍ من الطيبِ بعدهسوى ما تؤدِّي الرِّيحُ عنه من الذكر
أحقاً أبا بحرٍ تجهزتَ غادياًإلى غايةٍ ناءٍ مداها على السَّفْرِ
فإن قصَّرَ المقدارُ عمرك إنَّ فينفائسِ ما خلَّدتَ عمراً إلى عمرِ
وله:
أشجاه ما فعل العِذارُ بخدِّهقلبي شجا وهواي فيه هيّجا
ما رابه والحسنُ يمزجُ وردَهآساً ويخلط بالشَّقيق بَنَفْسجا
ولقد علمتُ بأنَّ قلبي صائرٌكُرَةً لصدغيه غَداةَ تَصَوْلجا
ومنه:
ولمّا تحلَّى خدُّه بِعِذارهتسلَّوا وقالوا ذَنبُه غيرُ مغفورِ
وهل تنكر العينُ اللجينَ مُنَيَّلاًأو المسك مذروراً على صحن كافورِ
وحسبيَ منه لو تغيَّرَ خدُّهتَمايلُ غُصْنٍ والتفاتةُ يعفورِ
ومنه:
قالوا اكتَسَتْ بالعِذارِ وجنتُههل في الَّذي قلتموه من باسِ
أكْلَفُ بالورد وهو منفردٌفكيف أسلو إذ شيبَ بالآسِ
ومنه:
قالوا التحى واشتكى عينيه قلتُ لهمنعم صدقتم وهل في ذاك من عارِ
بنفسجٌ عيضَ من وردٍ ونرجسةٌتحَوَّلتْ وردةً زينت بأشفارِ
ما مرَّ من حسنه شيءٌ بلا عِوَضٍحُسْنٌ بحسنٍ وأزهارٌ بأزهارِ
ومنه:
رياضٌ كالعروسِ إذا تجَلَّتْوقَلَّ لها مُشابهةُ العَروسِ
فمن زهرٍ ضحوكِ السنِّ طَلْقٍبجهمٍ من سحائِبه عبوسِ
وقضبٍ تحسبُ الأرواح سقَّتْمعاطفها سلافة خندريسِ
ونهرٍ مثل هنديٍّ صقيلٍتجرَّدَ فوقَ مَوْشيٍّ نفيسِ
توَلَّت نَسجَه السُّحبُ الغواديوحاكتْ وَشْيَه أيدي الشُّموسِ
ومنه وهو جناس:
بنفسَ من أخلاَّئي خليلٌسريٌّ لا يرَى كالحمدِ مالا
متى يعدمْ مُمالأةَ اللَّياليعلى ما يبتغي منهنَّ مالا
وأكثر ما يكونُ إليك ميلاًإذا الزمنُ المساعد عنك مالا
نَعَمْ وقفٌ عليه لسائليهكأنْ لم يدرِ في الألفاظ ما لا
وقال:
يا غزالاً غزْوَ أرض الرُّوم يَبغي ويَرومُ
ما يَفي أجرُك بالغَزوِ بقتلي يا ظَلومُ
وقال:
أوصيكُمُ بالقلب خيراً فإنَّهأبَى يومَ بِنتُم أن يُصاحب جُثماني
فقلتُ له أين المُقام فقال ليبكفِّي أبيٌّ ذو حِفاظٍ وإحسانِ
أيحسنُ في شَرع الصَّبابة تركُ منتكنَّفني إحسانُهُ منذُ أزمانِ
أيحسُن أن أُصغي لداعية النَّوىإذاً فرماني الله منه بهجرانِ
فقلتُ له أُكرمتَ يا قلبُ فاغتبطْولو أن لي أمري لكنتُ لك الثاني
وله في طريقة أبي الفتح البُستي:
تعجَّبوا لفُؤادي الشَّهمِ أن آسىما لي وقد جَدَّ جِدُّ العمرِ لا آسَى
لو لم تَعِظْنيَ نفسي لاتَّعظتُ بأنْأرى مثالَ نعيمِ الدَّهرِ إبئاسا
هاتيك أربُعُ صَحبي بعد ساكنهالم تُبقِ فيها النَّوى نُؤياً ولا آسا
فارجعْ إلى الله يا قلباً عتا صَلَفاًفذو النَّدى في الورى إن يُستَعنْ آسَى
ولا يروقُكَ توريدُ الخدودِ فماتُبقي لياليك ورداً لا ولا آسا
تجرَّعِ الصابَ في الدُّنيا عساك تُرىمعوَّضاً منه في دار الرِّضا آسا
وله ورسم على مشط فِضَّة:
تهوى محلِّي النجومُيا بُعدَ ما قد ترومُ
كم لمَّةٍ لكَعابٍبها النفوسُ تهيمُ
سرَيْتُ فيها شهاباًحَواه ليلٌ بهيمُ
ما صاغني من لُجَيْنٍإلاَّ ظريفٌ كريمُ
مَشْطُ الحِسان بعَظْمٍظُلمٌ لعمري عظيمُ
وكتبتُ إليه معمّياً بأسماء الطير وكان يُعنى بذلك:
إنْ شئتَ يا دهرُ حارِبْأو شئتَ يا دهرُ سالِمْ
فصارمي ومِجَنّيأبو الرَّبيع ابن سالمْ
فراجعني بعد أن فكَّها بقوله:
نعم فحارب وسالمْوصلْ مُعاناً وصارمْ
أنا المِجَنُّ الَّذي لاتحيكُ فيه الصوارمْ
أنا الحُسامُ الَّذي لايزالُ للضَّيْم حاسمْ
فاحكمْ بما شئتَ إنِّيبعَضْدِ صحبيَ حاكمْ
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع