تجاوز إلى المحتوى

من «تحفة القادم» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

ابن عميرة المخزومي

أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عَميرة المخزومي القاضي: من أهل جزيرة شُقر وسكن بلنسية. فائدة هذه المائة، والواحد يفي بالفئة، الَّذي اعترف بأمجاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يوصف به البديع، ومعاذ الله أن أُحابيه بالتقديم، لما له من حق التعليم، كيف وسَبْقُهُ الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلَّت به الصحائف والمهارق، وما تخلَّت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثمَّ أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره، وتناوب المنثور والمنظوم على شكره.

فمن نسيب قصيدة مدح بها قوله:

يا والياً أمرَ الجمالِ بسيرةٍقلَّ الحديث بمثلها عن والِ
حتَّى متى قلبي عليك متيّمٌوإذا سألتُ يُقال قلبُكَ سالِ
أرضى رضاك عن الوشاة وأنت لاترضيك موجدتي على العذالِ
وبيانُ حبّك لم أؤخره وفيجدواه عندكَ غايةُ الإجمالِ
قد حرت في حالٍ لديك ولستُ منأهلِ الكلام أحارُ في الأحوالِ
وأجلتُ فكري في وشاحك فانثنىشوقاً إليك يجول في جوَّالِ
أنصفْتَ غصنَ البانِ إذ لم تدعُهُلَتأَوّدٍ مع عطفكَ الميَّالِ
ورحمْتَ دُرَّ العقدِ حين وضعتهمتوارياً عن ثغركَ المتلالي
كيف اللقاء وفِعلُ وعدكَ سينهُأبداً تخلِّصهُ للاستقبالِ
وكُماةُ قومكَ نارهُمْ ووقودهاللطَّارقينَ أسِنَّةٌ وعَوالِ

وقال من قصيدة أنشدنيها بإشبيلية، إثر نُزهة جمعتنا بخارجها، صدر سنة سبع عشرة وستمائة، وأنا اقترحت وصفها عليه، وأولها:

لو غيرُ طرفِكَ مَوْهِناً يأتينيما كانَ في عَقب الصِّبا يُصبيني
وافَى وقد هجعَ الخليطُ فبات فيثَوب الدُّجى أُدْنيه أو يُدنيني

ومنها في الوصف المقترح:

يا حِمصُ إنك في البلاد فريدةٌببديعِ حسنٍ جلَّ عن تحسينِ
أحبِب بنهرِك حينَ يزخَر مدُّهفيروقُ منه تحرُّكٌ كسُكونِ
ويعودُهُ الجَزر الَّذي يُبقي علىشطَّيه حِجراً دونه للطِّينِ
مثل الخريدةِ إن تقلَّص ثوبهاخجِلت لشيءٍ تحته مَدْفونِ
فكأنَّما هو عاشقٌ ذو زَفْرةتعتاده في الحِين بعد الحينِ
أو مثل مُمتلئِ الجوانح والحشاغيظاً طواه الحلمُ بالتَّسكينِ
وتخالُ ما نثرتْ به أيدي الصَّباحَلَقَ المُضاعفِ نسجُهُ المَوْضونِ
تجري به أسرابُ طيرٍ آثَروافيها المجازَ فسُمِّيت بسَفينِ
يا حسنَها من ذاتِ أجنحةٍ لهاعملٌ يَبَذُّ جناحَيِ الشَّاهينِ
تَثني الجَموحَ فلا يَريمُ مكانَهمنها وتَرجعُ صوتَ كلِّ حَرونِ
من كُل دهماءِ الأديم ترى بهامنها بنفسَجَةً على نَسْرينِ
عُطفتْ وأُرهفَ جسمُها فكأنَّهاقمرٌ إذا ما عاد كالعُرْجونِ
جُلنا بها في النَّهرِ نَرتع للمُنىما بين أصنافٍ لها وفُنونِ
ولربما رُعنا بنيه بغارةٍتركتْ مَصونَ حِماه غيرَ مَصونِ
تَحكي إذا ما أبرزت حركاتِهافعلَ النَّزيف يَنوء دون مُعينِ
قد قَوَّستها مِيتةٌ لا كبرةٌفانظُر إلى ألِفٍ تعودُ كنونِ
حتَّى بلغنا شَنْتبوس ويا لهمن مشهدٍ بهوَى النفوسِ قَمينِ
حيثُ القصورُ البيضُ يُرمقُ حُسنهافيكونُ قيدَ نواظرٍ وعُيونِ
بَهرتْ جمالاً في الدُّجى حتَّى ترىمعها عمودَ الصُّبح غيرَ مُبينِ
فهي النجومُ بل البدورُ لأنَّهاتزدادُ حُسناً في اللَّيالي الجُونِ
قد أُلِّفَتْ أجزاؤها فتناسبتْكتناسبِ النَّغماتِ في التَّلحينِ
طابَ الزمانُ بها فما نيسانهاأندَى ندًى من آبَ أو كانونِ
فسقَى العروسَ مع الخليج حيالَهُصوبٌ بريّ رُبوعها يُرضيني
فلقد مضتْ لي ثَمَّ ساعةُ لذَّةٍعن ذكر لذَّات الأُلى تُسليني
وجنيتُ من ثَمر المُنى ما شئتُهوأخذتُ منه فوق ما يكفيني
في فتيةٍ ظفرتْ يدايَ بقُرْبهمبأجلِّ عِلقٍ في الزَّمان ثَمين
ما منهمُ إلاَّ صَريحُ مَودَّةٍأُصْفيه منها مثلَ ما يُصفيني
أخذُوا بأطرافِ الحديثِ فَشَعْشَعوامنها كُؤوساً حَثُّها يُحييني
وتذاكروا أخبارَ سيِّدنا فقُلْجَلبوا فَتِيق المسكِ من دَارينِ

وقال يصف مثلها بنهر جزيرة شُقر، وأنشدنيه:

خذْ في حَديثك إنَّ وصفك يُطربُعن يومِ أُنسٍ ذكرُهُ مُستعذبُ
واطلبْ إعادته منَ الأيَّامِ إنْسمحتْ بذا وأظُنُّ ذلك يَصْعب
يومٌ أرانا الحسنَ في النَّهر الَّذيقد طاب منه موردٌ أو مَشْرب
يمشي ويُزجي موجَه فكأنَّهلما انتهبنا ما يُواري مُقصِب
وقد امتطينا زَوْرقاً فيه فقُلْصُبحٌ تمشَّى في سناهُ غَيْهب
فتراه طَوْراً طائراً ولربماضُمَّتْ جَناحاه إليه فيُجْنِب
ولنا شِباكٌ قد تجاذبَ غَزْلهاضدَّانِ يطفُو ذا وهذا يَرْسُب
نُسجتْ كنَسج الدِّرعِ لكنَّ الرَّدىلم يعدُ لابسَها إذا ما يُطْلَب
تُبدي لنا سَمَكاً أرادتْ أن يُرىحسَناً بها فلأجله تتقلَّبُ
فكأنَّها جَمدتْ من الماءِ الَّذيحصباؤُهُ من صَفْوه لا تُحجبُ
يا نهرَ شُقرٍ فيكَ أدركتُ المُنىفلأنتَ من نَهر إليَّ مُحبَّبُ
يَهنيك إذ حُزْتَ المحاسنَ كلَّهاأنِّي سأشعرُ في حُلاك وأخطبُ

وله:

انظُرْ إلى الوادي غَدا كدراًوصفاؤُهُ قد عاد كالعَلَقِ
فكأنَّهُ لمَّا بدَا أُفقٌسالتْ عليهِ حُمرةُ الشَّفقِ

وله ممَّا يُكتب على قوس:

ما انآد مُعتَقَلُ القَنا إلاَّ لأنْيحكي تأطُّرَ قامتي العوجاءِ
تَحنو الضُّلوعُ على القلوبِ وإنَّنيضِلَعٌ توافيها بأعضلِ داءِ

وله وقد أهدى ورداً:

خذها إليكَ أبا عبد الإلهِ فقدجاءتكَ مثلَ خدودٍ زانها الخفرُ
أتتك تحكي سجايا منك قد عذبَتْلكنْ تغيُّر هذا دونَهُ الغيرُ
إنْ شمتَ منها بروقَ الغيثِ لامعةًفسوفَ يأتيكَ من ماءٍ لها مطرُ

وكتب إليَّ مع تحفةٍ أهداها مكافئاً عن مثلها:

يا واحدَ الأدبِ الَّذي قدْ زانَهُبمناقبٍ جعلتهُ فارسَ مِقْنِبهْ
بالفضلِ بالهبةِ ابتدأتَ فإنْ تُعِرْطَرَفَ القبولِ لما وهبت ختمتَ بهْ

وله ارتجالاً من قصر الإمارة من بلنسية، وأنا حاضرٌ في صبيحة بعض الجمع، وقد حُجم صاحبٌ لنا من أهل النظم والنثر وأُحسن إلى الحجام المخصوص:

أرى منْ جاءَ بالموسى مواسىوراحةُ ذي القريضِ تعودُ صفرا
فهذا مخفقٌ إنْ قَصَّ شِعْراًوهذا مُنجحٌ إن قصَّ شَعرا

وله أيضاً:

هو ما علمتَ من الأميرِ فما الَّذيتزدادُ منهُ وفيهِ لا ترتابُ
لا يتَّقي الأجنادُ في أيَّامِهِفقراً ولا يرجو الغنى الكتَّابُ

وله بعد انفصاله من بلنسية عن وحشةٍ في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة:

أسيرُ بأرجاءِ الرجاءِ وإنَّماحديثُ طريقي طارقُ الحدثانِ
وأُحضرُ نفسي إن تقدمتُ خيفةًلغضِّ عنانٍ أو لعضِّ زمانِ
أينزلُ حظِّي للحضيضِ وقد سرىلإمكانِهِ فوق الذُّرى جبلانِ
وأخبطُ في ليلِ الحوادثِ بعدماأضاءَ لعيني منهما القمرانِ
فيحيى لآمالي حياةً معادةًوإنَّ عزيزاً عِزَّةٌ لمكاني
وقالوا اقترح إنَّ الأمانيَّ منهماوإن كنَّ فوق النَّجم تحت ضمانِ
فقلت إذا ناجاهما بقَضيَّتيضميريَ لم أحفلْ بشرح لساني

وله أيضاً:

سلب الكرى من مقلتيَّ فلم يجئمنه على نأيٍ خيالٌ يَطرقُ
أهفو ارتياحاً للنَّسيم إذا سرىإنَّ الغريقَ بما يرى يتعلَّقُ

وله يخاطب العراقيّ، وقد بعث إليه في جزء من كتاب " الجدل " يقتضيه، إثر ما ولي شغل الخزانة بمراكش:

تقلَّدتَ من شُغل الخزانةِ خُطّةًتقلُّدُها بالفضلِ والعلم لائقُ
وأرسلتَ عن جُزء كحرفٍ بمُهْرَقٍوقد جُمعتْ في راحتيكَ المَهارقُ
فيا مَن له تسعٌ وتسعون نَعجةًأفي سَخلةٍ عَجفاءَ أنت تُضايقُ

ومن قصيدة أيضاً في تغلُّب الروم على بلنسية:

ما بال دمعك لا يني مدرارهُأم ما لقلبك لا يقرُّ قرارهُ
أللوعةٍ بين الضلوع لظاعنٍسارت ركائبهُ وشطَّتْ دارهُ
أم للشبابِ تقاذفَتْ أوطانهُبعد الدنوّ وأخفقتْ أوطارهُ
أم للزمانِ أتى بخطبٍ فادحٍمن مثل حادثة خَلَتْ أعصاِرهُ
بحرٌ من الأحزانِ عبَّ عبابُهُوارتجَّ ما بين الحشا زخَّارهُ
في كلِّ قلبٍ منه وجدٌ عندهأسفٌ طويلٌ ليس تخبو نارهُ
أمَّا بلَنْسيةٌ فمَثْوى كافرٍحَفَّت به في عُقرها كُفَّارهُ
زرعٌ من المَكروهِ حلَّ حصادُهُبيدِ العدوِّ غداةَ لجَّ حِصارهُ
وعزيمةٌ للشِّرك جَعْجَع بالهُدىأنصارُها إذ خانه أنصارهُ
قلْ كيف تثبتُ بعد تمزيق العِداآثارُهُ أو كيف يُدرَك ثارهُ
ما كانَ ذاك المِصْر إلاَّ جنَّةًللحسنِ تَجري تحتها أنهارهُ
طابتْ بطِيبِ نهارِهِ آصالُهُوتعطَّرتْ بنَسيمه أسحارهُ
وتألقتْ أوقاتُهُ وتفيَّحتْأرجاؤُهُ وتفتَّحتْ أنوارهُ
أمَّا السّرار فقد عَراه وهل سوىقَمرِ السَّماء يَزول عنه سرارهُ
قد كانَ يُشرقُ بالهِداية ليلُهُفالآن أظلم بالضَّلال نهارُهُ
ودَجا به ليلُ الخُطوبِ فصُبْحهأعيا على أبصارنا إسفارهُ

وقال:

نَكِّب عن الدُّنيا ولا تلْقَهاإلاَّ بوُدٍّ مثلها زائلِ
إذا تحلَّيتَ بما زَخْرفتْفأنت في التَّحقيق كالعاطلِ
حلَّتْ لمن أمَّلها بُرهةًلكنَّه لم يَحْلَ بالطَّائلِ
مَن مُنْصفي من زمنٍ جائرٍيُغلَبُ فيه الحقُّ بالباطلِ
لو كانَ سَحبانٌ بهِ مُفْصِحاًلم يأمنِ الإسكاتَ من باقلِ
حسبكَ أنَّ الوغدَ يحتاجُهُمَن ارتدَى بالخُلُقِ الفاضلِ
يَفتقرُ الضِّدّ إلى ضدِّهمثلَ افتقار الفِعل للفاعلِ

ومن رسالة له كتب بها معزِّياً إلى بَطَلْيَوْس:

ولم أرَ مثل الحقِّ أمَّا طريقُهُفأَمْنٌ وأمَّا جارُهُ فعزيزُ
إذا ما امرؤٌ آوى إليه فحصنُهُحصينٌ ومأواه المُباحُ حَريزُ
فكُن معه تظفرْ بما شئتَ من مُنًىمُصادفُها بالصالحاتِ يفوزُ
ومن خير ما حازَ الفتَى الصبرُ إنَّهأداةٌ لمَوْفور الثَّوابِ تَحوزُ
رأينا التُّقى كنزاً يدومُ الغِنى بهإذا فنيتْ للمُوسرين كُنوزُ
وكائن رأينا من حوادثَ أقبلتْفللخلقِ تصريحٌ بها ورموزُ
تُقابَل بالتَّسليمِ للهِ وحدَهُفتَمضي ولم يُشعَرْ بها وتجوزُ

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٠٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحفة القادم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.