من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
المتلمس
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو جرير بن عبد المسيح، من بنى ضبيعة، وأخواله بنو يشكر، وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة، وهو الذى كان كتب له إلى عامل البحرين مع طرفة بقتله، وكان دفع كتابه إلى غلام بالحيرة ليقرأه، فقال له:
أنت المتلمّس؟ قال: نعم، قال: فالنجاء، فقد أمر بقتلك، فنبذ الصحيفة فى نهر الحيرة وقال:
ألقيتها بالثّنى من جنب كافركذلك أفنى كلّ قطّ مضلّل
رضيت لها بالماء لمّا رأيتهايجول بها التّيّار فى كلّ جدول
وكان أشار على طرفة بالرجوع، فأبى عليه، فهرب إلى الشأم، فقال:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهمخبرا، فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذى علق الصّحيفة منهماونجا، حذار حبائه، المتلمّس
ألق الصّحيفة، لا أبا لك، إنّهيخشى عليك من الحباء النّقرس
ومن جيّد شعره قوله:
وما كنت إلا مثل قاطع كفّهبكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذهفلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجدله دركا فى أن تبينا فأحجما
فأطرق إطراق الشّجاع ولو رأىمساغا لناباه الشّجاع لصمّما
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاوما علّم الإنسان إلّا ليعلما
ومن إفراطه قوله:
أحارث إنّا لو تساط دماؤناتزايلن حتّى لا يمسّ دم دما
يقول: إن دماءهم تنماز من دماء غيرهم، وهذا ما لا يكون.
وسمّى المتلمّس بقوله:
وذاك أوان العرض جنّ ذبابهزنابيره والأزرق المتلمّس
العرض: الوادى. ويروى «حىّ ذبابه».
هو المتلمّس بن عبد العزّى، ويقال: ابن عبد المسيح، من بنى ضبيعة بن ربيعة، ثم من بنى دوفن، وأخواله بنو يشكر، واسمه جرير، وسمّى المتلمّس بقوله:
فهذا أوان العرض حيّا ذبابهزنابيره والأزرق المتلمّس
وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة هو وطرفد بن العبد، فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين، أوهمهما أنّه أمر لهما فيهما بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما! فخرجا حتّى إذا كانا بالنّجف، إذا هما بشيخ على يسار الطريق، يحدث، ويأكل من خبز فى يده، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه! فقال المتلمّس: ما رأيت كاليوم شيخا أحمق! فقال الشيخ: وما رأيت من حمقى؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، أحمق منّى والله من حامل حتفه بيده!! فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال له: المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففكّ صحيفته ودفعها إليه، فإذا فيها: أمّا بعد، فإذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا، فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، ففيها والله ما فى صحيفتى، فقال طرفة: كلّا، لم يكن ليجترئ علىّ! فقذف المتلمّس بصحيفته فى نهر الحيرة وقال: قذفت بها البيت، وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين، فضرب المثل بصحيفة المتلمّس.
وحرّم عمرو بن هند على المتلمّس حبّ العراق، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر آكلهوالحبّ يأكله فى القرية السّوس
وأتى بصرى فهلك بها. وكان له ابن يقال له عبد المدان، أدرك الإسلام، وكان شاعرا، وهلك ببصرى ولا عقب له.
قال أبو عبيدة: واتّفقوا على أن أشعر المقلّين فى الجاهليّة ثلاثة:
المتلمّس، والمسيّب بن علس، وحصين بن الحمام المرّىّ.
وممّا يعاب من شعره قوله:
وقد أتانسى الهمّ عند احتضارهبناج عليه الصّيعريّة مكدم
والصّيعريّة سمة للنّوق لا للفحول، فجعلها لفحل. وسمعه طرفة وهو صبىّ ينشد هذا، فقال: «استنوق الجمل»! فضحك الناس وسارت مثلا.
وأتاه المتلمّس فقال له: أخرج لسانك، فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا يريد: ويل لرأسه من لسانه.
ويعاب قوله: أحارث إنّا لو تشاط البيت. وهذا من الكذب والإفراط.
ومثله قول رجل من بنى شيبان: كنت أسيرا مع بنى عمّ لى، وفينا جماعة من موالينا، فى أيدى التغالبة، فضربوا أعناق بنى عمّى وأعناق الموالى على وهدة من الأرض، فكنت والله أرى دم العربىّ ينماز من دم المولى حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا قام فوقه ولم يعتزل عنه!! ويتمثّل من شعره بقوله:
وأعلم علم حقّ غير ظنّوتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاهوضرب فى البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيهولا يبقى الكثير على الفساد
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع