من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
طرفة بن العبد
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو طرفة بن العبد بن سفيان، وهو أجودهم طويلة.
وهو القائل:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
وله بعدها شعر حسن، وليس عند الرّواة من شعره وشعر عبيد إلّا القليل.
وكان فى حسب من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم.
وكانت أخته عند عمرو بن بشر بن مرثد، وكان عبد عمرو سيّد أهل زمانه، فشكت أخت طرفة شيئا من أمر زوجها إليه، فقال:
ولا عيب فيه غير أنّ له غنىوأنّ له كشحا، إذا قام، أهضما
وأنّ نساء الحىّ يعكفن حولهيقلن: عسيب من سرارة ملهما
فبلغ عمرو بن هند الشعر، فخرج يتصيّد ومعه عبد عمرو، فأصاب حمارا فعقره، وقال لعبد عمرو: انزل إليه، فنزل إليه فأعياه، فضحك عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: «ولا عيب» البيت! وكان عمرو بن هند شريرا، وكان طرفة قال له قبل ذلك:
ليت لنا مكان الملك عمرورغوثا حول قبّتنا تخور
فقال عبد عمرو: أبيت اللعن، الذى قال فيك أشدّ مما قال فىّ، قال:
وقد بلغ من أمره هذه؟ قال: نعم، فأرسل إليه، وكتب له إلى عامله بالبحرين فقتله. وقد بيّنت خبره فى «كتاب الشراب». ويقال إنّ الذى قتله المعلّى بن حنش العبدىّ، والذى تولّى قتله بيده معاوية بن مرّة الأيفلىّ، حىّ من طسم وجديس.
ومن جيّد شعره قوله:
أرى قبر نحّام بخيل بمالهكقبر غوىّ فى البطالة مفسد
أرى الموت يعتام الكريم ويصطفىعقيلة مال الفاحش المتشدّد
أرى الدّهر كنزا ناقصا كلّ ليلةوما تنقص الأيّام والدّهر ينفذ
لعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتىلكالطول المرخى وثنياه فى اليد
وكان أبو طرفة مات وطرفة صغير، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله، فقال:
ما تنظرون بمال وردة فيكمصغر البنون ورهط وردة غيّب
قد يبعث الأمر العظيم صغيرهحتى تظلّ له الدّماء تصبّب
والظّلم فرّق بين حيّى وائلبكر تساقيها المنايا تغلب
والصّدق يألفه الكريم المرتجىوالكذب يألفه الدّنىّ الأخيب
ويتمثّل من شعره بقوله:
وتردّ عنك مخيلة الرّجل العرّيض موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك، والكلم الأصيل كأرغب الكلم
وبقوله:
لنا يوم وللكروان يومتطير البائسات ولا نطير
الكروان: جمع كروان، مثل شقذان وشقذان، وهى دويبة.
ويقال إن أوّل شعر قاله طرفة أنّه خرج مع عمّه فى سفر، فنصب فخّا، فلمّا أراد الرحيل قال:
يالك من قبّرة بمعمرخلا لك الجوّ فبيضى واصفرى
ونقّرى ما شئت أن تنقّرىقد رفع الفخّ فماذا تحذرى
لا بدّ يوما أن تصادى فاصبرى
قال أبو محمد: هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك ابن عباد بن صعصعة بن قيس بن ثعلبة. ويقال إنّ اسمه عمرو، وسمّى طرفة ببيت قاله. وأمّه وردة من رهط أبيه، وفيها يقول لأخواله وقد ظلموها حقّها ما تنظرون بحقّ البيت.
وكان أحدث الشعراء سنّا وأقلّهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة، فيقال له «ابن العشرين» وكان ينادم عمرو بن هند، فأشرفت ذات يوم أخته، فرأى طرفة ظلّها فى الجام الذى فى يده، فقال:
ألا يا بأبى الظّبى الّذى يبرق شنفاه
ولولا الملك القاعد قد ألثمنى فاه
فحقد ذلك عليه، وكان قال أيضا:
وليت لنا مكان الملك عمرورغوثا حول قبّتنا تدور
لعمرك إنّ قابوس بن هندليخلط ملكه نوك كثير
وقابوس: هو أخو عمرو بن هند، وكان فيه لين، ويسمّى قينة العرس.
فكتب له عمرو بن هند إلى الرّبيع بن حوثرة عامله على البحرين كتابا أو همه فيه أنّه أمر له بجائزة، وكتب للمتلمّس بمثل ذلك.
قال أبو محمد: وأما المتلمس فقد ذكرت قصّته. وأمّا طرفة فمضى بالكتاب، فأخذه الربيع فسقاه الخمر حتّى أثمله، ثم فصد أكحله، فقبره بالبحرين. وكان لطرفة أخ يقال له معبد بن العبد، فطلب بديته، فأخذها من الحواثر.
قال أبو عبيدة: مرّ لبيد بمجلس لنهد بالكوفة، وهو يتوكّأ على عصا، فلمّا جاوز أمروا فتى منهم أن يلحقه فيسأله: من أشعر العرب؟ ففعل، فقال له لبيد: الملك الضلّيل، يعنى أمرأ القيس، فرجع فأخبرهم، قالوا: ألّا سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: ابن العشرين، يعنى طرفة، فلما رجع قالوا: ليتك كنت سألته: ثم من؟ فرجع فسأله، فقال: صاحب المحجن، يعنى نفسه.
قال أبو عبيدة: طرفة أجودهم واحدة، ولا يلحق بالبحور، يعنى امرأ القيس وزهيرا والنابغة، ولكنّه يوضع مع أصحابه، الحارث بن حلّزة وعمرو ابن كلثوم وسويد بن أبى كاهل.
وممّا سبق إليه طرفة فأخذ منه قوله يذكر السفينة:
يشقّ حباب الماء حيزومها بهاكما قسم التّرب المفايل باليد
أخذه لبيد فقال:
تشقّ خمائل الدّهنا يداهكما لعب المقامر بالفيال
وأخذه الطّرمّاح فقال:
وغدا تشقّ يداه أوساط الرّباقسم الفيال تشقّ أوسطه اليد
ومن ذلك قوله:
ومكان زعل ظلمانهكالمخاض الجرب فى اليوم
قد تبطّنت وتحتى سرحالخدر تتّقى الأرض بملثوم معر
أخذه عدىّ بن زيد ولبيد، فقال عدىّ:
ومكان زعل ظلمانهكرجال الحبش تمشى بالعمد
قد تبطّنت وتحتى جسرةعبر أسفار كمخراق وحد
وقال لبيد:
ومكان زعل ظلمانهكحزيق الحبشيّين الزّجل
قد تبطّنت وتحتى جسرةحرج فى مرفقيها كالفتل
ومن ذلك قوله:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتىوجدّك لم أحفل متى قام عوّدى
فمنهنّ سبقى العاذلات بشربةكميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّى، إذا نادى المضاف، محنّباكسيد الغضا، نبّهته، المتورّد
وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجبببهكنة تحت الخباء المعمد
أخذه عبد الله بن نهيك بن إساف الأنصارىّ فقال:
فلولا ثلاث هنّ من عيشة الفتىوجدّك لم أحفل متى قام رامس
فمنهنّ سبقى العاذلات بشربةكأنّ أخاها مطلع الشّمس ناعس
ومنهنّ تجريد الكواعب كالدّمىإذا ابتزّ عن أكفالهنّ الملابس
ومنهنّ تقريط الجواد عنانهإذا استبق الشّخص الخفىّ الفوارس
ومما سبق إليه قوله:
ستبدى لك الأيّام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لّم تزود
وقال غيره:
ويأتيك بالأنباء من لم تبع لهبتاتا ولم تضرب له وقت موعد
ومن جيد شعره:
ألا أيّها اللّاحىّ أن أحضر الوغىوأن أشهد اللّذّات: هل أنت مخلدى
فإن كنت لا تستطيع دفع منيّتىفذرنى أبادرها بما ملكت يدى
أرى قبر نحّام بخيل بماله
... البيت أرى الدّهر كنزا... البيتين ومن جيّد شعره:
ولا غرو إلّا جارتى وسؤالهاألا هل لّنا أهل؟ سئلت كذلك
دعا عليها بأن تغترب حتّى تسأل كما سألته.
ومن حسن الدعاء قول النابغة الذبيانىّ:
أغيرك معقلا أبغى وحصنافأعيتنى المعاقل والحصون
وجئتك عاريا خلقا ثيابىعلى خوف تظنّ بى الظّنون
العارى: من «عراك يعروك» إذا أتاك يطلب ما عندك، ونحوه العافى.
ومن جيّد شعر طرفة:
وأعلم علما ليس بالظّنّ أنّهإذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل
وإنّ لسان المرء، مالم تكن لهحصاة، على عوراته لدليل
وإنّ امرءا لم يعف يوما فكاهةلمن لم يرد سوءا بها لجهول
وقال وهو صبىّ:
كلّ خليل كنت خاللتهلا ترك الله له واضحه
كلّهم أروغ من ثعلبما أشبه الليلة بالبارحه
وممّا يعاب من شعره قوله يمدح قوما:
أسد غيل فإذا ما شربواوهبوا كلّ أمون وطمر
ثمّ راحوا عبق المسك بهميلحفون الأرض هدّاب الأزر
ذكر أنّهم يعطون إذا سكروا، ولم يشرط لهم ذلك فى صحوهم كما قال عنترة:
وإذا شربت فإنّنى مستهلكمالى، وعرضى وافر لم يكّلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندىوكما علمت شمائلى وتكرّمى
قالوا: والجيّد قول زهير:
أخو ثقة لا تتلف الخمر مالهولكنّه قد يتلف المال نائله
وقال بعض المحدثين:
فتى لا تلوك الخمر شحمة مالهولكن عطايا عوّد وبوادى
وطرفة أوّل من ذكر الأدرة فى شعره، فقال:
فما ذنبنا فى أن أداءت خصاكموأن كنتم فى قومكم معشرا أدرا
إذا جلسوا خيّلت تحت ثيابهمخرانق توفى بالضّغيب لها نذرا
وذكرها النابغة الجعدىّ فقال:
كذى داء بإحدى خصيتيهوأخرى لم توجّع من سقام
فضمّ ثيابه من غير برءعلى شعراء تنقض بالبهام
وطرفة أوّل من طرد الخيال، فقال:
فقل لخيال الحنظليّة ينقلبإليها، فإنى واصل حبل من وصل
وقال جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذاوقت الزّيارة فارجعى بسلام
قال الأصمعىّ: قلت لشيخ مسنّ من المدنييّن: أرأيت قول كثيّر:
قد أروع الخليل بالصّرم منّىلم يخفه، وقلّة التّكليم
أىّ شىء هذا من السّباب؟
فقال: يا ابن أمّ، أىّ شىء يصنع؟ أحرقته!!
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع