من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الكميت
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو الكميت بن زيد، من بنى أسد، ويكنى أبا المستهلّ، وكان معلّما.
وحدثنا سهل عن الأصمعىّ عن خلف الأحمر قال: رأيت الكميت بالكوفة فى مسجد يعلّم الصبيان.
وكان أصمّ أصلخ لا يسمع شيئا.
وكان بينه وبين الطّرمّاح من المودّة والمخالطة ما لم يكن بين اثنين، على تباعد ما بينهما فى الدّين والرأى، لأن الكميت كان رافضيّا، وكان الطرمّاح خارجيّا صفريّا، وكان الكميت عدنانيّا عصبيّا، وكان الطرمّاح قحطانيا عصبيا، وكان الكميت متعصبا لأهل الكوفة، وكان الطرمّاح يتعصّب لأهل الشأم.
وكان الكميت شديد التكلّف فى الشعر، كثير السرقة، قال امرؤ القيس بن عابس الكندىّ، وكانت له صحبة.
قف بالدّيار وقوف حابسوتأىّ إنّك غير آيس
ماذا عليك من الوقوف بهامد الطّللين دارس
لعبت بهنّ العاصفات الرائحات من الرّوامس
أخذه الكميت كلّه غير القافية فقال:
قف بالدّيار وقوف زائروتأىّ إنّك غير صاغر
ماذا عليك من الوقوف بهامد الطّللين داثر
درجت عليه الغاديات الرائحات من الأعاصر
وكذلك سائر الأبيات بعد هذا، إلا القليل، أخذه غير القافية.
وقد قدّمت فى أخبار الشعراء ما أخذه من أشعارهم.
ووقف الكميت على الفرزدق وهو ينشد، والكميت يومئذ صبىّ، فقال له الفرزدق: يا غلام! أيسرّك أنى أبوك! فقال الكميت. أمّا أبى فلا أريد به بدلا، ولكن يسرّنى أن تكون أمّى! فحصر الفرزدق يومئذ، وقال:
ما مرّ بى مثلها (قطّ).
ويستجاد قوله فى ذكر النبىّ ﷺ:
يقولون لم يورث ولولا تراثهلقد شركت فيه بكيل وأرحب
ولانتشلت عضوين منها يحابروكان لعبد القيس عضو مؤرّب
فإن هى لم تصلح لحىّ سواهمإذن فذوو القربى أحقّ وأقرب
فيالك أمرا قد أشتّت وجوههودارا ترى أسبابها تتقضّب
تبدّلت الأشرار بعد خيارهاوجدّ بها من أمّة وهى تلعب
وقد قايس فى هذا الشعر وذهب مذهبا لو لم يكن النبىّ ﷺ جعل الأيمّة من قريش.
وقال يصف هشام بن عبد الملك:
مصيب على الأعواد يوم ركوبهلما قال فيها مخطىء حين ينزل
ومن جيّد شعره قوله:
ألا لا أرى الأيّام يقضى عجيبهالطول، ولا الأحداث تفنى خطوبها
ولا عبر الأيّام يعرف بعضهاببعض من الأقوام إلّا لبيبها
ولم أر قول المرء إلّا كنبلهله وبه محرومها ومصيبها
وما غيّب الأقوام عن مثل خطّةتغيّب عنها يوم قيلت أريبها
وأجهل جهل القوم ما فى عدوّهموأردأ أحلام الرّجال غريبها
وما غبن الأقوام مثل عقولهمولا مثلها كسبا أفاد كسوبها
وهل يعدون بين الحبيب فراقه؟نعم، داء نفس أن يبين حبيبها
ولكنّ صبرا عن أخ عنك صابرعزاء إذا ما النّفس حنّ طروبها
رأيت عذاب الماء إن حيل دونهاكفاك لما لا بدّ منه شروبها
وإن لم يكن إلا الأسنّة مركبفلا رأى للمضطرّ إلا ركوبها
وابنه المستهلّ هو القائل لبنى العبّاس:
إذا نحن خفنا فى زمان عدوّكموخفناكم إنّ البلاء لراكد
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع