من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أبو كبير الهذلى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عامر بن الحليس، وهو جاهلى.
وله أربع قصائد، أوّلها كلّها شىء واحد، ولا نعرف أحدا من الشعراء فعل ذلك.
إحداهنّ:
أزهير هل عن شيبة من معدلأم لا سبيل إلى الشّباب الأوّل
والثانية:
أزهير هل عن شيبة من مقصرأم لا سبيل إلى الشّباب المدبر
والثالثة:
أزهير هل عن شيبة من مصرفأم لا خلود لباذل متكلّف
والرابعة:
أزهير هل عن شيبة من معكمأم لا خلود لباذل متكرّم
وممّا يستجاد له قوله:
ولقد سريت على الظّلام بمغشمجلد من الفتيان غير مهبّل
ممّن حملن به وهنّ عواقدحبك النّطاق، فعاش غير مثقّل
حملت به فى ليلة مزؤودةكرها وعقد نطاقها لم يحلل
فأتت به حوش الجنان مبطّناسهدا إذا ما نام ليل الهوجل
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضةورضاع مغيلة وداء معضل
فإذا نظرت إلى أسرّة وجههبرقت كبرق العارض المتهلّل
وإذا قذفت له الحصاة رأيتهينزو لوقعتها طمور الأخيل
وإذا رميت به الفجاج رأيتهيهوى مخارمها هوىّ الأجدل
وإذا يهبّ من المنام رأيتهكرتوب كعب الساق ليس بزمّل
ما إن يمسّ الأرض إلا منكبمنه، وحرف الساق طىّ المحمل
صعب الكريهة لا ينال جنابهماضى العزيمة كالحسام المقصل
يعطى الصّحاب إذا تكون كريهةوإذا هم نزلوا فمأوى العيّل
فإذا وذلك ليس إلا ذكرهوإذا مضى شىء كأن لم يفعل
وقوم من الرّواة ينحلون الشعر تأبّط شرّا، ويذكرون أنّه كان يتبع امرأة من فهم وكان لها ابن من هذيل، وكان يدخل عليها رحلا، فلمّا قارب الغلام الحلم قال لها: من هذا الرجل الداخل عليك؟ قالت: صاحب كان لأبيك! قال: والله لئن رأيته عندك لأقتلنّك، فلمّا رجع إليها تأبط شرّا أخبرته الخبر، وقالت: إنّ هذا الغلام مفرّق بينى وبينك، فاقتله! قال: سأفعل ذلك، فمرّ به وهو يلعب مع الصبيان، فقال له: هلمّ أهب لك نبلا، فمضى معه، فتذمّم من قتله، ووهب له نبلا، فلمّا رجع تأبّط شرا أخبرها، فقالت: إنه (والله) شيطان (من الشياطين»، والله ما رأيته قطّ مستثقلا نوما، ولا ممتلئا ضحكا، ولا همّ بشىء منذ كان صغيرا إلا فعله، ولقد حملته فما رأيت عليه دما حتّى وضعته، ولقد وقع علىّ أبوه وإنّى لمتوسّدة سرجا فى ليلة هرب، وإنّ نطاقى لمشدود، وإنّ على أبيه لدرعا؛ فاقتله، فأنت والله أحبّ إلّى منه، فقال لها: سأغزو به فأقتله، (فمرّ)، فقال له: هل لك فى الغزو؟ قال: نعم، فخرج معه غازيا، فلم يجد له غرّة، حتّى مرّ فى بعض الليالى بنار لابنى قترة الفزاريّين، وكانا فى نجعة فلمّا رأى تأبّط النار عرف أهلها، فأكبّ على رجله وصاح: نهشت نهشت! النار! النار! فخرج الغلام يهوى نحو النار، فصادف عندها الرجلين، فواثباه، فقتلهما جميعا، ثم أخذ جذوة من النار، واطّرد إبل القوم وأقبل نحوه، فلمّا رأى (تأبّط) النار (تهوى نحوه) ظنّ أن الغلام قد قتل، وأنّ القوم اتّبعوا أثره، فمضى، يسعى، قال: فما نشبت أن أدركنى ومعه جذوة من النار، وهو يطّرد إبل القوم، فقال: ويلك! قد أتعبتنى منذ الليلة، ثم رمى بالرأسين! فقلت: ما هذا؟ قال: كلبان هارّانى على النار فقتلتهما! قال: قلت: إنّى والله ظننت أنّك قد قتلت، قال: بل قتلت الرجلين عاديت بينهما، فقلت له: الهرب الآن؛ فالطّلب والله فى أثرك، ثم أخذت به على غير الطريق، فما سرنا إلا قليلا حتّى قال: أخطأت والله الطريق، وما تستقيم الريح فيه، ثم نظر، فما لبث أن استقبل الطريق، وما كان (والله) سلكها قطّ، قال: وسرنا إلى الصباح، فقلت له: انزل، فقد أمنت، فأنخنا الإبل، ثم انتبذ فنام فى طرفها، ونمت فى طرفها الآخر، ورمقته، حتى إذا أدّى إلىّ نفسه وانحطّ طرفاه نوما، فنمت رويدا، فإذا هو قد استوى قائما! فقال: شأنك؟
فقلت: سمعت حسّا فى الإبل، فطاف معى بينها. فقال: والله ما أرى شيئا فنم، فنمت، فنام، وقلت: عجلت قبل أن يستثقل، فأمهلته حتى إذا تملأ نوما قمت رويدا فإذا هو قد استوى قائما! وقال: ما شأنك؟ قلت: سمعت حسّا، فطفت وطاف معى، ثم قال: أتخاف شيئا؟ قلت: لا، قال: فنم ولا تعد، فإنّى قد ارتبت منك! فأمهلته، حتى إذا استثقل قذفت بحصاة إلى رأسه، فوثب، وتناومت فأقبل نحوى فركضنى برجله، وقال: أنائم أنت؟
قلت: نعم، قال: أسمعت ما سمعت؟ قلت: وما (الذى) سمعت؟ قال:
إنّى سمعت عند رأسى مثل بركة الجزور! قلت: فذلك (الذى) أحذر، فطاف بالإبل فطفت (معه) فلم نر شيئا، فأقبل علىّ مغضبا تتوقّد عيناه، فقال لى قد علمت ما تصنع (منذ الليلة) والله لئن عدت ليموتنّ أحدنا، ثم أمّ مضجعه، قال: فو الله لبتّ أكلؤه مخافة أن يوقظه شىء فيقتلنى، وتأمّلته مضطجعا، فإذا هو على حرف، ما إن يمسّ الأرض إلا منكبه وحرف ساقه، وسائره ناشز منه، فلمّا استيقظ قال: ألا ننحر جزورا فنأكل؟ قلت: بلى، فنحرنا جزورا، فاشتوى، ثم حلب ناقة فشب، ثم خرج يريد المذهب وأبعد وراث علىّ جدّا قال: فاتّبعت أثره، فأجده مضطجعا على مذهبه، وإذا يده داخلة فى جحر، وإذا رجله منتفخة، فأنتزع يده من الجحر، فإذا هو قابض على رأس أسود وقد قتله، وإذا هما ميّتان جميعا، ففى ذلك يقول أبو كبير، ويقال تأبّط شرّا:
ولقد سريت على الظلام
البيت
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع