من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
يحيى بن نوفل اليمانى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو من حمير، ويكنى أبا معمر. ويقال إنّه كان أوّلا ينتمى إلى ثقيف، فلمّا ولّى الحجّاج خالد بن عبد الله القسرىّ العراق ادّعى أنّه من حمير.
وكان أبان بن الوليد البجلىّ فى زمن الحجّاج (بن يوسف) فى كتّاب ديوان الضّياع، يجرى عليه الرزق، فلمّا ولّى الحجّاج خالدا ولّى أبانا ما وراء بابه من حرب السّواد وخراجه، فدخل يحيى بن نوفل من حسده ما لم يملكه، فقالت له امرأته (هشيمة): ما لى أراك لا تدخل إلا عابسا، وأرى الناس قد أصابوا من خالد، غيرك، وأنت شاعر مصرك؟ فقال:
تقول هشيمة فيما تقول:مللت الحياة أبا معمر
وما لى ألّا أملّ الحياةوهذا بلال على المنبر
وهذا أخوه يقود الجيوشعظيم السّرادق والعسكر
وأمّا ابن سلمى فشبه الفتاةبكور على الكحل والمجمر
دبوب العشاء إذا أطعمتحليلة كلّ فتى معور
وأمّا ابن أشعث ذو التّرهّاتوذو الكذب والزّور والمنكر
فلو قيل: عبد شرته التّجارسبىّ من الرّوم، لم ينكر
وأمّا ابن ماهان بعد الشّقاءوبعد الخياطة فى كسكر
يروح يسامى ملوك العراقوقد عاش حينا ولم يذكر
يروح إذا راح فى المعسرينوإن أيسر الناس لم يوسر
وأمّا المكحّل وهب الهناةفلو دهق الدّهر لم يصبر
عن الصّنج والزّفن والمسمعاتوقرع القواقيز والمزهر
ولا عن هنات له لو ظهرنفمات عليهنّ لم يقبر
وهذا ابن زيد له جبّةتفوح من المسك والعنبر
وهذا أبان بنىّ الوليدخطيب إذا قام لم يحصر
أبعد الدّواة وبعد الطّروسوبعد انكباب على الدّفتر
ولو حلّ ضيف به لم يزدهعلى الأبيضين مع الصّعتر
وكان يحيى بن نوفل كثير الهجاء ولا يكاد يمدح أحدا.
وهو القائل لبلال بن أبى بردة:
فلو كنت ممتدحا للنّوالفتى لامتدحت عليه بلالا
ولكنّنى لست ممّن يريدبمدح الرّجال الكرام السّؤالا
سيكفى الكريم إخاء الكريمويقنع بالودّ منه نوالا
ودخل على ابن شبرمة القاضى، وهو عليل من سقطة سقطها عن دابّته، فوثئت رجله، فقال:
أقول غداة أتانا الخبيريدسّ أحاديثه هينمه
لك الويل من مخبر ما تقولأبن لى وعدّ عن الجمجمه
فقال خرجت وقاضى القضاة منفكّة رجله مؤلمه
فقلت وضاقت علىّ البلادوخفت المجلّلة المعظمه
فغزوان حرّ وأمّ الوليدإن الله عافى أبا شبرمه
جزاء لمعروفه عندناوما عتق عبد له أو أمه
فقال ابن شبرمة: جزاك الله خيرا يا أبا معمر! وكان فى المجلس جار له، فلمّا خرج قال له: يا أبا معمر، أنا جارك منذ ثلاثين سنة، وما أعرف غزوان ولا أمّ الوليد؟! فقال: (رحمك الله)، هما سنّوران عندى فى البيت.
وهو القائل فى بلال بن أبى بردة:
أبلال إنّى رابنى من شأنكمقول تزيّنه وفعل منكر
ما لى أراك إذا أردت خيانةجعل السّجود بحرّ وجهك يظهر
متخشّعا طبنا لكلّ عظيمةتتلو القرآن وأنت ذئب أغبر
وممّا يسأل عنه من شعره قوله فى سالم بن المسيّب:
فتى قد كان يعمل إصبعيهبنافذة من البيض القصار
يعنى الإبرة، يريد أنه خيّاط.
وقال ليزيد بن خالد بن عبد الله القسرىّ:
فما تسعون تحفزها تحفزها ثلاثيضمّ حسابها رجل شديد
بكفّ حزقّة جمعت لوجءبأنكد من عطائك يا يزيد
نحوه قول الخليل:
فكفّ عن الخير مقبوضةكما نقصت مائة سبعه
ويروى:
كما حطّ عن مائة سيعه
وأخرى ثلاثة آلافهاوتسع مئيها لها شرعه
قال لزياد بن عمران البهرانىّ:
أترى أنت يا ابن عمران أجدادك كانوا يدرون ما بهراء
لو سئلوا: ما كان بهراء؟ قالوا:هو إمّا بقل وإما دواء!
وقال لسعيد بن راشد:
بكى الخرّ من إبطى سعيد بن راشدومن استه تبكى بغال المواكب
فوا عجبا حتّى سعيد بن راشدله حاجب بالباب من دون حاجب
وقال لبلال (بن أبى بردة)، وكان مجذوما:
فأمّا بلال فإنّ الجذام جلّل ما جاز منه الوريدا
فأنقع فى السّمن أوصالهكما أنقع الآدمون الثّريدا
فأكسد سمن تجار العراقعلينا فأصبح فينا كسيدا
وقال:
إن يك عمر فصيح اللّسانخطيبا فإنّ استه تلحن
عليك بسكّ ورمّانةوملح يدقّ ولا يطحن
وحلتيت كرمان والنّانخاةوموم يسخّن فى مدهن
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع