من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
العباس بن مرداس السلمى
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كان العباس يهاجى خفاف بن ندبة السّلمىّ، ثمّ تمادى الأمر بينهما إلى أن احتربا، وكثرت القتلى بينهما، فقال الضحّاك بن عبد الله السلمىّ، وهو صاحب أمر بنى سليم: يا هؤلاء، إنّى أرى الحليم يعصى، والسفيه يطاع، وأرى أقرب القوم إليكما من لقيكما بهواكما، وقد علمتم ما هاج الحرب على العرب حتّى تفانت، فهذه وائل فى ضرع ناب، وعبس وذبيان فى لطمة فرس، وأهل يثرب فى كسعة رجل، ومراد وهمدان فى رمية نسر، وأمركما أقبح الأمور بدءا، وأخوفها عاقبة، فحطّا رحل هذه المطيّة النّكداء، وانحرفا عن هذا الرأى الأعوج. فلجّا وأبيا إلّا السفاهة، فخلعتهما بنو سليم، وأتاهما دريد بن الصّمّة ومالك بن عوف النّصرىّ رأس هوازن، فقال دريد: يا بنى سليم إنّه أعملنى إليكم صدر وادّ، ورأى جامع، وقد قطعتم بحربكم هذه يدا من أيدى هوازن، وصرتم بين صيد بنى الحارث وصهب بنى زبيد وجمار خثعم، وقد ركبتما شرّ مطيّة، وأوضعتما إلى شرّ غاية، فالآن قبل أن يندم الغالب، ويذلّ المغلوب، ثم سكت. فقال مالك بن عوف: كم حىّ عزيز الجار، مخوف الصبّاح. أولع بما أولعتم به، فأصبح ذليل الجار، مأمون الصبّاح، فانتهوا ولكم كفّ طويلة وقرن ناطح، قبل أن تلقوا عدوّكم بكفّ جذماء وقرن أعضب.
فندم العبّاس، وقال: جزى الله خفافا والرّحم عنّى شرّا، كنت أخفّ سليم من دمائها ظهرا، وأخمصها من أموالها بطنا، فأصبحت ثقيل الظهر من دمائها، منفضج البطن من أموالها، وأصبحت العرب تعيّرنى بما كنت أعيّرها به من لجاج الحرب، وايم الله لوددت أنى كنت أصمّ عن جوابه، أخرس عن هجائه، ولم أبلغ من قومى ما بلغت. فلما أمسى تغنّى:
ألم تر أنّى كرهت الحروبوأنّى ندمت على ما مضى
ندامة زار على نفسهلتلك التّى عارها يتّقى
وأيقنت أنّى لما جئتهمن الأمر لابس ثوبى خزى
حياء، ومثلى حقيق بهولم يلبس القوم مثل الحيا
وكانت سليم إذا قدّمتفتى للحوادث كنت الفتى
وكنت أفىء عليها النّهابوأنكى عداها وأحمى الحمى
فلم أوقد الحرب حتى رمىخفاف بأسهمه من رمى
فألهب حربا بأصبارهافلم أك فيها ضعيف القوى
فإن تعطف القوم أحلامهاويرجع من ودّهم ما نأى
فلست فقيرا إلى حربهمولا بى عن سلمهم من غنى
فأجابه خفاف:
أعبّاس إمّا كرهت الحروبفقد ذقت من عضّها ما كفى
أألقحت حربا لها درّةزبونا تسعّرها باللّظى
فلما ترقّيت فى غيّهادحضت وزلّ بك المرتقى
فأصبحت تبكى على زلّةوماذا يردّ عليك البكى
فإن كنت أخطأت فى حربنافلسنا مقيليك ذاك الخطا
وإن كنت تطمع فى سلمنافزاول ثبيرا وركنى حرى
وأسلم العبّاس قبل فتح مكة، وحضر مع النبى ﷺ يوم الفتح، فى تسع مائة ونيّف من سليم، بالقنا والدروع على الخيل، وكان يرجع إلى بلاد قومه، ولا يسكن مكة ولا المدينة.
وله ابن يقال له جاهمة، يروى عن النبى ﷺ أحاديث.
وكان للعباس فرس يقال له: العبيد. وقد ذكره حين قصّر به رسول الله ﷺ عمّا أعطاه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس؛ فقال:
أتجعل نهبى ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
وكانت نهابا تلافيتهابكرى على المهر فى الأجرع
وما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس فى مجمع
وقد كنت فى الحرب ذا تدرإفلم أعط شيئا ولم أمنع
وكانت أفائل أعطيتهاعديد قوائمه الأربع
فقال رسول الله ﷺ: «اقطعوا عنا لسانه». فزادوه.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع