تجاوز إلى المحتوى

من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)

أبو المحاسن الشواء

ديوان أبو المحاسن الشواء

ماذا روى «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» عن أبو المحاسن الشواء؟

أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن علي بن أحمد بن الحسين بن إبراهيم المعروف بالشواء، الملقب شهاب الدين، الكوفي الأصل الحلبي المولد والمنشأ والوفاة؛ كان أديباً فاضلاً متقناً لعلم العروض والقوافي شاعراً، يقع له في النظم معان بديعة في البيتين والثلاثة، وله ديوان شعر كبير يدخل في أربع مجلدات، وكان زيه على زي الحلبيين الأوائل في اللباس والعمامة المشقوقة. وكان كثير الملازمة لحلقة الشيخ تاج الدين أبي القاسم أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد بن سعد بن مقلد المعروف بابن الجبراني الحلبي النحوي

اللغوي الفاضل، وأكثر ما أخذ الأدب عنه وبصحبته انتفع، وعاشر التاج أبا الفتح مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي الشاعر المشهور زماناً، وتخرج عليه في عمل الشعر.

وكان بيني وبين الشهاب الشواء مودة اكيده ومؤانسة كثيرة، ولنا اجتماعات في مجالس نتذاكر فيها الأدب، وأنشدني كثيراً من شعره، وما زال صاحبي منذ أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة إلى حين وفاته، وقبل ذلك كنت أراه قاعداً عند ابن الجبراني المذكور في موضع تصدره بجامع حلب، وكان يكثر التمشي في الجامع أيضاً على جاري عادتهم في ذلك كما يعملون في جامع دمشق، ولم يكن بيننا إذ ذاك معرفة. وكان حسن المحاورة مليح الإيراد مع السكون والتاني وجميل التأتي، وأول شيء أنشدني من شعره قوله:

هاتيك يا صاح ربا لعلعناشدتك الله فعرج معي
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هاتيك يا صاح ربا لعلع»

وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع حتى نطيل اليوم وقفاً على الساكن أو عطفاً على الموضع ...

وأنشدني لنفسه أيضاً:

ومهفهف عني الزمان بخدهفكساه ثوبي ليله ونهاره
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «ومهفهف عني الزمان بخده»

لا مهدت عذري محاسن وجهه ... إن غض عندي منه غض عذاره وأنشدته يوماً في أثناء مناشدة جرت بيننا قول شرف الدين أبي المحاسن محمد المعروف بابن عنين الدمشقي - المقدم ذكره - في صدر جهان المعروف بابن مازه البخاري وقيل السرخسي:

مال ابن مازه دونه لعفاتهخرط القتادة أو منال الفرقد
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «مال ابن مازة دونه لعفاته»

مالٌ لزوم الجمع يمنع صرفه ... في راحةٍ مثل المنادى المفرد فقال: هذا ليس بجيد، فقلت له: ولم ذاك فقال: ليس من شرط المنادى المفرد أن يكون مضموماً، ولابد، فقد يكون المنادى مفرداً ولا يكون مضموماً بأن يكون نكرة غير معين كما تقول: يا رجلاً، ولكن أنا أعمل في هذا شيئاً. ثم إننا اجتمعنا بعد ذلك في الجامع فقال: قد عملت في ذلك المعنى شيئاً فاسمعه، ثم أنشد:

لنا خليل له خلالتعرب عن أصله الأخس
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «لنا خليل له خلال»

أضحت له مثل حيث كف ... وددت لو أنها كأمس فقلت له: وهذا أيضاً فيه كلام، فقال: وما هو فقلت: حيث فيها لغات، فمن العرب من يبنيها على الضم، ومنهم من يبنيها على الفتح، ومنهم من بينيها على الكسر، وفيها لغات أخر غير هذه، وأما أمس فمنهم من بينيها على الكسر، ومنهم من يقول: إنها اسم معرب لكنه لا ينصرف، وأنشدوا على هذه اللغة:

لقد رأيت عجباً مذ أمساعجائزاً مثل السعالي خمساً

هذا إذا كانت معرفة، فأما إذا كانت نكرة فإنها معربة قولاً واحداً، فسكت.

وكان كثيراً ما يستعمل العربية في شعره، فمن ذلك قوله، ولا أدري هل أنشدنيه أم لا، فإنه أنشدني شيئاً كثيراً من شعره وما ضبطت كل ما أنشدني، وكذلك كل شيء أذكره بعد هذا لا أتحقق الحال في سماعي منه، فأورد مهملاً فمنه:

وكنا خمس عشرة في التئامٍعلى رغم الحسود بغير آفه
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «وكنا خمس عشرة في التئام»

فقد أصبحت تنويناً وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافه وله أيضاً في غلام أرسل أحد صدغيه وعقد الآخر:

أرسل صدغاً ولوى قاتليصدغاً فأعيا بهما واصفه
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «أرسل صدغاً ولوى قاتلي»
فخلت ذا في خده حيةًتسعى وهذا عقرباً واقفه
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «أرسل صدغاً ولوى قاتلي»

ذا ألفٌ ليس لوصلٍ، وذا ... واوٌ ولكن ليس العاطفه ومن هذا النمط ما أنشدنيه بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب - المقدم ذكره - رحمه الله تعالى، لنفسه من جملة أبيات وهو:

عسى عطفة بالوصل يا واو صدغهعلي فإني أعرف الواو تعطف ولأبي المحاسن الشواء أيضاً قوله:
ناديت وهو الشمس في شهرةوالجسم للخفية كالفيء
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «ناديت وهو الشمس في شهرة»
يا زاهياً أعرف من مضمرٍصل واهياً أنكر من شيء وله في المديح:
فتىً فاق الورى كرماً وبأساًعزيز الجار مخضر الجناب
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «فتى فاق الورى كرماً وبأساً»
ترى في السلم منه غيث جودوفي يوم الكريهة ليث غاب
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «فتى فاق الورى كرماً وبأساً»
إذا ما سل صارمه لحربٍأراك البرق في كف السحاب وله أيضاً في شخص لا يكتم السر:
لي صديقٌ غدا وإن كان لاينطق إلا بغيبةٍ أو محال
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «لي صديق غدا وإن كان لاينطق»
أشبه الناس بالصدى إنتحدثه حديثاً أعاده في الحال وله أيضاً:
قالوا حبيبك قد تضوع نشرهحتى غدا منه الفضاء معطرا
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «قالوا حبيبك قد تضوع نشره»

فأجبتهم والخال يعلو خده ... أو ما ترون النار تحرق عنبرا قلت: وقد تقدم في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي عدة مقاطيع من شعر العماد المحلي وغيره وفيها إلمام بهذا المعنى. ولأبي المحاسن أيضاً:

هواك يا من له اختيالما لي على مثله احتيال
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هواك يا من له اختيال»
قسمة أفعاله لحينيثلاثةُ ما لها انتقال
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هواك يا من له اختيال»
وعدك مستقبل، وصبريماضٍ، وشوقي إليك حال وله أيضاً:
فديت بنفسي رأس عينٍ ومن فيهاوبيض السواقي حول زرق سواقيها
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «فديت بنفسي رأس عين ومن فيها»
إذا راقني منها جواري عيونهاأراتق دمي منها عيون جواريها وله أيضاً:
إن كان قد حجبوه عني غيرةًمنهم عليه فقد قنعت بذكره
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «إن كان قد حجبوه عني غيرة»
كالمسك ضاع لنا وضاع مكانهعنا فأغنى نشره عن نشره وله في غلام قد ختن:
هنأت من أهواه عند ختانهفرحاً وقلبي قد عراه وجوم
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هنأت من أهواه عند ختانه»
يفديك من ألم ألمّ بك امرؤيخشى عليك إذا ثناك نسيم
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هنأت من أهواه عند ختانه»
أمعذبي كيف استطعت على الأذىجلداً، وأجزع ما يكون الريم
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هنأت من أهواه عند ختانه»
لو لم تكن هذي الطهارة سنةًقد سنها من قبل إبراهيم
للشاعر أبو المحاسن الشواء، من قصيدة «هنأت من أهواه عند ختانه»

لفتكت جهدي بالمزين إذ غدا ... في كفه موسى وأنت كليم ومعظم شعره على هذا الأسلوب، وقد أوردت منه أنموذجاً فيه كفاية. وكان من المغالين في التشيع.

وأكثر أهل حلب ما كانوا يعرفونه إلا بمحاسن الشواء. والصواب فيه هو الذي ذكرته هاهنا، وأن اسمه يوسف، وكنيته أبو المحاسن. وبعد هذا رأيت في كتاب " عقود الجمان " الذي وضعه صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي، وقد بنى ترجمة المذكور على يوسف، وكنيته أبو المحاسن، وكان صاحبه وأخذ عنه كثيراً من شعره، وهو من أخبر الناس بحاله وأعلم ذلك في وقته.

وكان مولده تقديراً في سنة اثنتين وستين وخمسمائة، فإنه كان لا يحقق مولده. وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة، بحلب، ودفن ظاهرها بمقبرة باب إنطاكية غربي البلد، ولم أحضر الصلاة عليه لعذر عرض لي في ذلك الوقت، رحمه الله تعالى، فلقد كان نعم الصاحب.

وأما شيخه ابن الجبراني المذكور: فهو طائي بحتري، وكان من قرية من أعمال عزاز، يقال لها جبرين قورسطايا. نسب إليها، هكذا أخبر عن نفسه، وكان متضلعاً من علم الأدب، خصوصاً اللغة فإنها كانت غالبة عليه، وكان متبحراً فيها، وكان له تصدر في جامع حلب في المقصورة الشرقية على صحن الجامع قبالة المقصورة التي يصلي فيها قضاة حلب يوم الجمعة. ولقد كنت يوماً قاعداً في هذه المقصورة، عند الدرابزين الذي إلى جهة الصحن، وإذا به قد حضر ومعه جماعة من أصحابه، وفيهم الشهاب أبو المحاسن الشواء المذكور، وجلس إلى المحراب الصغير الذي في هذه المقصورة، وهو موضع تصدره، فجعلت بالي من كلامه، وأنا في ذلك الوقت مشتغل بالأدب، فسمعته يتكلم في قاعدة الأفعال الثلاثية التي أولها واو، وهي على فعل، بكسر العين، مثل وجل وغيره، وأن مضارعه فيه أربع لغات: يوجل، ويَيجل، وياجل، ويِيجل، إلا ما شذ من الأفعال الثمانية التي هي: ورم، وورث، وورع، ووري، وومق، ووثق، ووفق، وولي، فإن مضارعها أيضاً بالكسر كماضيها، وشذ من ذلك قولهم: وسع يسع، ووطئ يطأ، وإنما انفتح هذان الفعلان في المضارع لآجل حرفي الحلق، وأطال الكلام في ذلك بما لم أقدر على حفظه في ذلك الوقت، ولم أسمع منه غير هذا الفصل.

وكان مولده يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شوال سنة إحدى وستين وخمسمائة، وتوفي يوم الاثنين سابع رجب من سنة ثمان وعشرين وستمائة بحلب، ودفن في سفح جبل جوشن، رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حَرفُ اليَاء (٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.