من «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» لابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
البياسي صاحب الحماسة
أبو الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البياسي، أحد فضلاء الأندلس وحفاظها المتقنين؛ كان أديباً بارعاً فاضلاً، مطلعاً على أقسام كلام العرب من النظم والنثر، وراوياً لوقائعها وحروبها وأيامها، بلغني أنه كان يحفظ كتاب " الحماسة " تأليف أبي تمام الطائي، والأشعار الستة، وديوان أبي تمام المذكور، وديوان أبي الطيب المتنبي، و " سقط الزند " ديوان أبي العلاء المعري، إلى غير ذلك من الأشعار من شعراء الجاهلية والإسلام.
وتنقل في بلاد الأندلس وطاف بأكثرها. ولما قدم من جزيرة الأندلس إلى مدينة تونس، جمع للأمير أبي زكريا يحيى بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر، صاحب إفريقية، ﵏ أجمعين، كتاباً سماه " الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام " ابتدأ فيه بمقتل عمر بن الخطاب ﵁، وختمه بخروج الوليد بن طريف الشاري على هارون الرشيد ببلاد الجزيرة الفراتية - وقد ذكرت ترجمة الوليد المذكور وخبره وما جرى له ومقتله على يد يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني وذكرت يزيد المذكور في ترجمة مستقلة أيضاً قبل هذا، واستوفيت القصة في الترجمتين - ورأيت هذا الكتاب وطالعته، وهو في مجلدين، أجاد في تصنيفه وكلامه فيه كلام عارف بهذا الفن.
ورأيت له أيضاً كتاب " الحماسة " في مجلدين، وقد قرئت النسخة عليه وعليها خطه، كتبه في أواخر شهر ربيع الآخر سنة خمسين وستمائة، وقال في آخر الكتاب: وكان الفراغ من تأليفه وترتيبه بمدينة تونس، حرسها الله تعالى، في شوال سنة ست وأربعين وستمائة؛ ونقلت من أوله بعد الحمدلة ما مثاله: أما بعد فإني قد كنت في أوان حداثتي وزمان شبيبتي، ذا ولوع بالأدب ومحبة في كلام العرب، ولم أزل متتبعاً لمعانيه، ومفتشاً عن قواعده ومبانيه، إلى أن حصلت لي جملة منه لا يسع الطالب المجتهد جهلها، ولا يصلح بالناظر في هذا العلم إلا أن يكون عنده مثلها، وحملتني المحبة في ذلك العلم والولوع به على أن جمعت مما اخترته واستحسنته من أشعار العرب: جاهليها ومخضرميها وإسلاميها ومولدها، ومن أشعار المحدثين من أهل المشرق والأندلس وغيرهم، ما تحسن به المحاضرة وتجمل عليه المناظرة. ثم إني رأيت أن بقاءها دون أن تدخل تحت قانون يجمعها، وديوان يؤلفها، مؤذن بذهابها ومؤدٍ إلى فسادها، فرأيت أن أضم مختارها وأجمع مستحسنها، تحت أبواب تقيد نافرها وتضم نادرها، ونظرت في ذلك، فلم أجد أقرب تبويبٍ، ولا أحسن ترتيبٍ، مما بوبه ورتبه أبو تمام حبيب بن أوس رحمه الله تعالى في كتابه المعروف بكتاب " الحماسة " وحسن الإقتداء به والتوخي لمذهبه، لتقدمه في هذه الصناعة، وانفراده منها بأوفر حظ وأنفس بضاعة، فاتبعت في ذلك مذهبه ونزعت منزعه، وقرنت الشعر بما يجانسه، ووصلته بما يناسبه ونقحت ذلك، واخترته على قدر استطاعتي، وبلوغ جهدي وطاقتي.
قلت: وأطال القول بعد هذا بما لا حاجة بنا إلى ذكره. ونقلت منه شيئاً، فمن ذلك ما ذكره في باب المراثي: قال أبو علي القالي البغدادي، أنشدنا أبو بكر بن دريد قال: أنشدنا أبو حاتم السجستاني:
ألا في سبيل الله ماذا تضمنتبطون الثرى واستودع البلد القفر
بدور إذا الدنيا دجت أشرقت بهموإن أجدبت يوماً فأيديهم القطر
فيا شامتاً بالموت لا تشتمن بهمحياتهم فخرٌ وموتهم ذكر
حياتهم كانت لأعدائهم عمىوموتهم للفاخرين بهم فخر
أقاموا بظهر الأرض فاخضر عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الطهر ونقلت من باب النسيب قول العباس بن الأحنف - المقدم ذكره -:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبهوإن كنت مظلوماً فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم وقول الوأواء الدمشقي، هكذا قال، وغالب ظني أنها لأبي فراس بن حمدان، والله أعلم:
بالله ربكما عوجا على سكنيوعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضا بي وقولا في حديثكماما بال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولاً في ملاطفةٍما ضر لو بوصالٍ منك تسعفه
وإن بدا لكما من سيدي غضبٌفغالطاه وقولا ليس نعرفه وقول المجنون:
تعلقت ليلى وهي بكرٌ صغيرةولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم البهم: الصغار من أولاد الضأن، الواحدة بهمة، بفتح الباء الموحدة
وسكون الهاء، وهذان البيتان يستدل بهما النجاة على انتصاب الحال من الفاعل والمفعول به معاً بلفظ واحد، فإن " صغيرين " انتصب على الحال من التاء في قوله " تعلقت " وهي فاعلة، ومن ليلى، وهي مفعولة، ومثله قول عنترة العبسي:
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا نصب " فردين " على الحال من ضمير الفاعل والمفعول في " تلقني "، ذكره ابن الأنباري في كتاب " أسرار العربية " في باب الحال.
وقال الوأواء الدمشقي أيضاً، ذكره في حماسته البياسي المذكور أيضاً:
وزائرٍ راع كل الناس منظرهأحلى من الأمن عند الخائف الوجل
ألقى على الليل ليلاً من ذوائبهفهابه الصبح أن يبدو من الخجل
أراد بالقتل هجري فاستجرت بهفاستل بالوصل روحي من يدي أجلي
فصرت فيه أمير العاشقين فقد ... صارت ولاية أهل العشق من قبلي وقال علي بن عطية البلنسي ابن الزقاق:
ومرتجة الأعطاف أما قوامهافلدنٌ وأما ردفها فرداح
ألمت فبات الليل من قصرٍ بهايطير وما غير السرور جناح
وبت وقد زارت بأنعم ليلةٍتعانقني حتى الصباح صباح
على عاتقي من ساعديها حمائلٌ ... وفي خصرها من ساعديَّ وشاح وقال أحمد بن الحسين بن خلف المعروف بابن البني اليعمري - قلت:
هو المقدم ذكره في ترجمة يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب - وكان قد أخرجه صاحب ميورقة، وسير في البحر، فساروا يومهم، فهبت عليهم الريح فردتهم فقال:
أحبتنا الأولى عتبوا علينافأقصونا وقد أزف الوداع
لقد كنتم لنا جذلاً وأنساًفهل في العيش بعدكم انتفاع
أقول وقد صدرنا بعد يومٍأشوقٌ بالسفينة أم نزاع
إذا طارت لنا حامت عليكمكأن قلوبنا فيها شراع وقال الواثق بالله وله فيه غناء:
ما كنت أعرف ما في البين من حزنحتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن
قامت تودعني والدمع يغلبهافجمجمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت علي تفديني وترشفنيكما يميل نسيم الريح بالغصن
فأعرضت ثم قالت وهي باكية: ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن وأورد في باب القرى والأضياف والفخر والمديح قول أبي الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي:
عجباً لمن طلب المحامد وهو يمنع ما لديه
ولباسطٍ آمالهللمجد لم يبسط يديه
لم لا أحب الضيف أوأرتاح من طرب إليه
والضيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه ومما ينسب إلى عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال حين كف بصره:
إن يأخذ الله من عيني نورهماففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وذهني غير ذي دخلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسيف مطرور وذكر في باب الهجاء والعتاب وما يتعلق بهما لأبي العالية أحمد بن مالك الشامي:
أذم بغداد والمقام بهامن بعد ما خبرةٍ وتجريب
ما عند أملاكها لمرتقبٍرفد ولا فرجةٌ لمكروب
خلوا سبيل العلى لغيرهمونازعوا في الفسوق والحوب
يحتاج راجي النجاح عندهمإلى ثلاثٍ من بعد تقريب
كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيوب وأنشد أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأبي العطاف الكوفي صالح بن عبد الرحمن بن نشيط:
يا ابن الوليد أبن لناإن البيان له حدود
مالي أراك مسيباًأين السلاسل والقيود
أغلا الحديد بأرضكم ... أم ليس يضبطك الحديد قلت: إلى هنا نقلت من كتاب " الحماسة " المذكور، وفيه كفاية، إذ كان الغرض إيراد شيء من أخبار هذا الرجل ليستدل به على معرفته بالشعر.
وكان مولده يوم الخميس الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وتوفي يوم الأحد الرابع من ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وستمائة، بمدينة تونس، رحمه الله تعالى.
والبياسي: بفتح الباء الموحدة والياء المشددة المثناة من تحتها، هذه النسبة
إلى بياسة، وهي مدينة كبيرة بالأندلس معدودة في كورة جيان، هكذا قاله ياقوت الحموي في كتابه " المشترك وضعا ".
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع