تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر شىء مما قيل في وصف السحاب والمطر

قال أبو تمّام الطائى:

سحابة صادقة الأنواءتجرّ أهدابا على البطحاء
تجمع بين الضّحك والبكاء:بدت بنار وثنت بماء

وقال أبو عبادة البحترىّ عفا الله تعالى عنه:

ذات ارتجاس بحنين الرّعدمجرورة الذّيل صدوق الوعد،
مسفوحة الدّمع بغير وجدلها نسيم كنسيم الورد،
ورنّة مثل زئير الأسدولمع برق كسيوف الهند
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذات ارتجاز بحنين الرعد»
جاءت بها ريح الصّبا من نجدفانتثرت مثل انتثار العقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «ذات ارتجاز بحنين الرعد»
وراحت الأرض بعيش رغدمن وشى أنوار الثّرى فى برد
كأنما غدرانها فى الوهديلعبن ترحابا بها بالرّند

وقال أبو الحسن علىّ بن القاسم القاشانى من شعراء اليتيمة عفى عنه:

إذا الغيوم ارجحنّ باسقهاوحفّ أرجاءها بوارقها،
وعبّيت للثّرى كتائبهاوانتصبت وسطها عقائقها،
وجلجل الرعد بينها فحكىخفق طبول ألحّ خافقها،
وابتسمت فرحة لوامعهاواختلفت عبرة حمالقها،
وقيل: طوبى لبلدة نتجتبجوّ أكنافها بوارقها
أيّة نعماء لا تحلّ بها؟وأىّ بأساء لا تفارقها؟

وقال القاضى التّنوخىّ:

سحاب أتى كالأمن بعد تخوّفله فى الثّرى فعل الشّفاء بمدنف
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
أكبّ على الآفاق إكباب مطرقيفكّر أو كالنّادم المتلهف
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
ومدّ جناحيه على الأرض جانحافراح عليها كالغراب المرفرف
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
غدا البرّ بحرا زاخرا وانثنى الضّحىبظلمته فى ثوب ليل مسجّف
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
فعبّس عن برق به متبسّمعبوس بخيل فى تبسّم معتف
تحاول منه الشمس فى الجوّ مخرجاكما حاول المغلوب تجريد مرهف
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة

وقال ابن الرومىّ:

سحائب قيست بالبلاد فألفيتغطاء على أغوارها ونجودها
حدتها النّعامى مقبلات فأقبلتتهادى رويدا سيلها كركودها

وقال أبو هلال العسكرىّ:

وبرق سرى، واللّيل يمحى سوادهفقلت: سوار فى معاصم أسمرا!
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وقد سدّ عرض الأفق غيم تخالهيزرّ على الدّنيا قميصا معنبرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
تهادى على أيدى الحبائب والصّباكخرق من الفتيان نازع مسكرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
تخال به مسكا وبالقطر لؤلؤاوبالرّوض ياقوتا وبالوحل عنبرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
سواد غمام يبعث الماء أبيضاوغرّة أرض تنبت الزّهر أصفرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
أتتك به أنفاس ريح مريضةكمفظعة رعناء تستاق عسكرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
فألقى على الغدران درعا مسرّداوأهدى إلى القيعان بردا محبّرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
تخال الحيا فى الجوّ درّا منظّماوفى وجنات الرّوض درّا منثّرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
وأقبل نشر الأرض فى نفس الصّبافبات به ثوب الهواء معطّرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
إذا ما دعت فيه الرّعود فأسمعتأجاب حداة واستهلّ فأغزرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
ويبكى إذا ما أضحك البرق سنّهفيجعل نار البرق ماء مفجّرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كأنّ به رؤد الشّباب خريدةقد اتّخذت ثنى السّحابة معجرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
فثغر يرينا من بعيد تبلّجاودمع يرينا من بعيد تحدّرا
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة

وقال مؤيد الدين الطّغرائى:

سارية ذات عبوس برقهايضحك والأجفان منها تهمل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «سارية ذات عبوس برقها»
كحلّة دكناء فى حاشيةفيها طراز مذهب مسلسل
إذا دنت عشارها، صاح بهاقاصف رعد وحدتها الشمأل

وقال عبد الله بن المعتزّ:

ومزنة جاد من أجفانها المطر:فالرّوض منتظم والقطر منتثر
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ومزنة جاد من أجفانها المطر»
ترى مواقعه فى الأرض لائحةمثل الدراهم تبدو ثم تستتر

وقال أيضا:

ما ترى نعمة السّماء على الأرض وشكر الرّياض للأمطار؟
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أسقني الراح في شباب النهار»
وكأنّ الرّبيع يجلو عروساوكأنّا من قطره فى نثار!

وقال ابن عوف الكاتب فى إطباق الغيم وقربه:

فى مزنة أطبقت فكادتتصافح التّرب بالغمام

وقال آخر:

تبسّمت الرّيح، ريح الجنوب فيها هوى غالبا وادّكارا
وساقت سحابا كمثل الجبالإذا البرق أومض فيه، أنارا
إذا الرّعد جلجل فى جانبيهـ، روّى النّبات وأروى الصّحارى
تطالعنا الشّمس من دونهطلاع فتاة تخاف اشتهارا،
تخاف الرّقيب على نفسهاوتحذر من زوجها أن يغارا
فتستر غرّتها بالخمار طورا، وطورا تزيل الخمارا
فلمّا رآه هبوب الجنوب وانهمز الماء فيه انهمارا،
تبسّمت الأرض لمّا بكتعليها السّماء دموعا غزارا!

وقال الأسعد بن بليطة من شعراء الذخيرة:

لو كنت شاهدنا عشيّة أمسناوالمزن تبكينا بعينى مذنب،
والشمس قد مدّت أديم شعاعهافى الأرض تجنح غير أن لم تذهب
خلت الرّذاذ برادة من فضّةقد غربلت من فوق نطع مذهب!

وقال أبو عبد الله محمد بن الخياط من شعرائها:

راحت تذكّر بالنّسيم الرّاحاوطفاء تكسر للجنوح جناحا
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
أخفى مسالكها الظلام فأوقدتمن برقها
كى تهتدى، مصباحا.وكأنّ صوت الرّعد خلف سحابها
حاد إذا ونت السحائب، صاحا.جادت على التّلعات فاكتست الرّبا

حللا أقام لها الرّبيع وشاحا.

وقال ابن برد الأصغر الأندلسىّ من شعرائها:

وما زلت أحسب فيه السّحاب،ونار بوارقها تلتهب:
للشاعر الوزير أبو حفص بن برد الأصغر، اقرأ القصيدة
نجاتىّ توضع فى سيرهاوقد قرعت بسياط الذّهب

ومما ورد فى وصفها نثرا قال بعض الأندلسيّين من رسالة:

ثم أرسل الله الرياح من كنائنها، وأخرجها من خزائنها؛ قجرّت ذيولها، وأجرت خيولها؛ خافقة بنودها، متلاحقة جنودها؛ فأثارت الغمام، وقادته بغير زمام؛ وأنشأت بحريّة من السحاب، ذات أتراب وأصحاب؛ كثيرا عددها، غزيرا مددها،

فبشّرت بالقطر كلّ شائم، وأنذرت بالورد كلّ حائم، والريح تنثّها، والبرق يحثّها، كأنه قضيب من ذهب، أو لسان من لهب؛ وللسحاب من ضوء البرق هاد، ومن صوت الرعد حاد؛ والريح توسع بلحمتها سداها، وتسرع فى حياكتها يداها. فلما التحم فتقها، والتأم رتقها؛ وامتدّت أشطانها، واتسعت أعطانها؛ وانفسحت أجنابها، وانسدلت أطنابها؛ وتهدّل خملها، وتمخض حملها؛ ومدّت على آفاق السماء نطاقها، وزرّت على أعناق الجبال أطوافها، كأنها بناء على الجوّ مقبوب، أو طبق على الأرض مكبوب؛ تمشى من الثقل هونا، وتستدعى من الريح عونا؛ ومخايلها تقوى، وعارضها أحوى. فلما أذن الله لها بالأنحدار، وأنزل منه الودق بمقدار، أرسلت الريح خيوط القطر من رود السحائب، وأسبلتها إسبال الذوائب. فدرّت من خلف مصرور، ونثرت طلّها نثر الدرور. ثم انخرق جيبها، وانبثق سيبها؛ وصار الخيط حبلا، والطلّ وبلا. فالسحاب يتعلّق، والبرق يتألّق؛ والرعد يرتجس، والقطر ينبجس؛ والنّقط تترامى طباقا، وتتبارى اتساقا؛ فيردف السابق المصلّى، ويتصل التابع بالمولّى؛ كما يقع من المنخل البر، وينتثر من النظام الدّرّ؛ فجيوب السماء تسقطه، وأكفّ الغدران تلقّطه؛ والأرض قد فتحت أفواها، وجرعت أمواها. حتّى أخذت ريّها من المطر، وبلغت منه غاية الوطر، خفى من الرعد تسبيحه، وطفئت من البرق مصابيحه، وحسرت السماء نقابها، وولّت المطر أعقابها؛ وحكت فى ردّها طلق السابق، وهرب الآبق.

ومن رسالة لمحمد بن شرف القيروانى:

برئ عليل البرى، وأثرى فقير الثرى، وتاريخ ذلك انصرام ناجر، وقد بلغت القلوب

الحناجر، محمارّة احمرت لها خضرة السماء، واغبرّت مرآة الماء، حتّى انهلّ طالع وسمىّ، وتلاه تابع ولىّ، دنا فأسفّ، ووكف فما كفّ. فما فتئ مسكوبا قطره، محجوبا شمسه وبدره، وجليت عروس الشمس، معتذرة عن مغيبها بالأمس. فعندها مزّق عن الدقعاء صحيح إهابها، واختزن درّ البر فى أصداف ترابها. فما مرّت أيام إلا والقيعان مسندسه، والآكام مطوّسه.

ومن رسالة لأبى القاسم، محمد بن عبد الله بن أبى الجد فى وصف مطر بعد قحط:

قال: لله تعالى فى عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها الأوهام.

تختلف والعدل متّفق، وتفترق والفضل مجتمع متّسق. ففى منحها نفائس المأمول، وفى محنها مداوس العقول. وفى أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقه، وبين أرجاء سرائرها بوارق الإعذار والإنذار خافقه. وربما تفتحت كمائم النوائب، عن زهرات المواهب.

وانسكبت غمائم الرزايا، بنفحات العطايا. وصدع ليل اليأس صبح الرجاء، وخلع عامل البأس والى الرخاء. ذلك تقدير اللطيف الخبير، وتدبير العزيز القدير! ولما ساءت بتثبط الغيث الظّنون، وانقبض من تبسط الشك اليقين، واسترابت حياض الوهاد، بعهود العهاد، وتأهبت رياض النّجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت أجياد الأنوار، من حلى الديمة المدرار، أرسل الله بين يدى رحمته ريحا بليلة الجناح، مخيلة النّجاح، سريعة الإلقاح. فنظمت عقود السحاب، نظم السّخاب، وأحكمت برود الغمام، رائقة الأعلام. وحين ضربت تلك المخيلة فى الأفق قبابها، ومدّت على الأرض أطنابها، لم تلبث أن انهتك رواقها،

وانبتك وشيكا نطاقها، وانبرت مدامعها تبكى بأجفان المشتاق، غداة الفراق، وتحكى بنان الكرام، عند أريحيّة المدام، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها، واهتزّ رفات النبات طربا لتغريد مكّائها، واكتست ظهور الأرض من بيض إنائها، خضر ملائها. فكأنّ صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوّفا، وأهدت إليها من زخارف بزّها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا. وخيّل للعيون أن زواهر النجوم، قد طلعت من مواقع التّخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافترار الغيطان. فيا برد موقعها على القلوب والأكباد! ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصّواد! كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشّفت شنب الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال. أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. لقد تبين للصنع الجليل، من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر الجميل، من ظلال نعمها معرّس ومقيل. فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر؛ وتوقّد قبس، وتردّد نفس؛ وهو الكفيل تعالى بإتمام النعمى، وصلة أسباب الحياة والحيا بعزته! وقال الوزير أبو عمرو الباجىّ فى مثل ذلك:

إن لله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل؛ ونعما يبسطها إذا شاء إنعاما وترفيها، ويقبضها متى أراد إلهاما وتنبيها؛ ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا، ولآخرين فسادا وضيرا. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)

. وإنه كان من امتساك السّقيا، وتوقّف الحيا؛ ما ريع به الآمن، واستطير له الساكن؛ ورجفت الأكباد فزعا، وذهلت الألباب جزعا؛ وأذكت ذكاء حرّها، ومنعت السماء درّها؛ واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد نضرة؛ وكادت برود الرياض تطوى، ومدود نعم الله تزوى؛

ثم نشر الله تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منّته، وأزاح محنته. فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح؛ بماء يتدفّق، ورواء غدق، من سماء طبق. استهلّ جفنها فدمع، وسمح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع. فاستوفت الأرض ريّا، واستكملت من نباتها أثاثا وريّا؛ فزينة الأرض مشهوره، وحلّة الزهر منشوره، ومنّة الرب موفوره؛ والقلوب ناعمة بعد بوسها، والوجوه ضاحكة إثر عبوسها؛ وآثار الجزع ممحوّه، وسور الشكر متلوّه؛ ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه فى قضاء الحقوق إلى سواء الطريق؛ ونستعيذ به من المنّة أن تعود فتنه. والمنحة أن تصير محنه! والحمد لله رب العالمين!

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.