من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما ما وصفت به المنازل الخالية
فمن ذلك ما قاله البحترىّ يشير إلى «الكرمان» الذى بناه كسرى أنوشروان من أبيات:
فكأنّ الكرمان من عدم الأنس وإخلائه بنيّة رمس
لو تراه، علمت أنّ اللّيالىخلعت فيه مأتما بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم،لا يشاب البيان فيها بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطاكية، ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشروان يزجى الصّفوف تحت الدّرفس!
وقال أيضا من قصيدة يرثى فيها المتوكل، ويذكر قصره «الجعفرىّ»:
محلّ على القاطول أخلق داره،وعادت صروف الدّهر جيشا تعاوره
كأنّ الصّبا توفى نذورا، إذا انبرتتجرّ به أذيالها وتباكره
وربّ زمان ناعم تمّ عهده،ترقّ حواشيه ويونق ناظره
تغيّر حسن «الجعفرىّ» وأنسه،وقوّض بادى «الجعفرىّ» وحاضره
تحمّل عنه ساكنوه فجاءة،فعادت سواء دوره ومقابره
إذا نحن زرناه، أجدّ لنا الأسى؛وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
ولم أنس وحش القصر إذريع سربه،وإذ ذعرت أطلاؤه وجاذره
وإذ صيح فيه بالرّحيل فهتّكتعلى عجل أستاره وسرائره
وأوحشه حتّى كأن لم يكن بهأنيس، ولم تحسن لعين مناظره
كأن لم تبت فيه الخلافة طلقةبشاشتها، والملك يشرق زاهره
ولم تجمع الدّنيا إليه بهاءهاوبهجتها، والعيش غضّ مكاسره
فأين الحجاب الصّعب حيث تمنّعتبهيبتها أبوابه وستائره؟
وأين عمود الملك في كلّ نوبةتنوب، وناهى الدّهر فيه وآمره؟
وقال عمر بن أبى ربيعة:
يا دار، أمسى دارسا رسمهاوحشا قفارا ما بها آهل
قد جرّت الرّيح بها ذيلها،واستنّ في أطلالها الوابل
وقال شاعر أندلسىّ:
قلت يوما لدار قوم تفانوا:أين سكّانك الكرام لدينا؟
فأجابت: هنا أقاموا قليلاثم ساروا، ولست أعلم أينا!
وقال عبد الله بن الخياط الأندلسىّ:
يا دار علوة، قد هيّجت لى شجناوزدتنى حزنا! حيّيت من دار!
كم بتّ فيك على اللّذّات معتكفا،والليل مدّرع ثوبا من القار!
كانّه راهب في المسح ملتحف،شدّ المجرّ له وسطا بزنّار!
وقال أبو حامد أحمد الأنطاكىّ:
إنّ ربعا عرفته مألوفاكان للبيض مربعا ومصيفا
غيّرت آية صروف اللّيالى،وغدا عنه حسنه مصروفا
ما مررنا عليه، إلّا وقفناوأطلنا شوقا إليه الوقوفا
آلفا للبكاء فيه، كأنّىلم أكن فيه للغوانى أليفا
حاسدا للجفون لمّا أذالتفى مغانيه دمعها المذروفا!
وقال الشريف الرضىّ من أبيات:
ولقد رأيت بدير هند منزلاألما من الضّرّاء والحدثان!
بالى المعالم، أطرقت شرفاتهإطراق منجذب القرينة عانى
أمقاصر الغزلان، غيّرك البلىحتّى غدوت مراتع الغزلان!
وملاعب الأنس الجميع طوى الرّدىمنهم، فصرت ملاعب الجنّان!
وقال أبو الحسن علىّ القابوسىّ نثرا:
«قد كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف؛ ومنتجع الرّكب، ومقصد الوفد؛ فاستبدل بالأنس وحشه، وبالنّضارة غبره، وبالضّياء ظلمه؛ واعتاض من تزاحم المواكب، بالأدم النّوادب؛ ومن ضجيج النّداء والصّهيل، عجيج البكاء والعويل».
ومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزرىّ، جاء منها:
« ... دار لعبت بها أيدى الزمن، وفرّقت بين الساكن والسّكن. كانت مقاصير جنّة، فأضحت وهى ملاعب جنّه. ولقد عميت أخبار قطّانها، وعفّت آثارها آثار وطّانها، حتى شابهت إحداهما في الجفا، الأخرى في العفا. وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام؛ غير أن السحاب بكاهم وأجرى بها سوافح دموعه، والليل شقّ عليهم جيوبه فظهر الصّباح من خلال صدوعه».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع