تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى الحجاب

قال خالد بن عبد الله القسرىّ أمير العراق لحاجبه: إذا أخذت مجلسى فلا تحجبنّ عنى أحدا، فإنّ الوالى يحتجب عن الرعيّة لإحدى ثلاث: إمّا لعىّ يكره أن يطّلع عليه، وإما لبخل يكره أن يسأل شيئا، وإما لريبة لا يحبّ أن تظهر منه.

وقال زياد لحاجبه: ولّيتك حجابتى وعزلتك عن أربع: المنادى إلى الصلاة والفلاح، [لا تفرّجنّه عنّى فلا سلطان لك عليه]، وطارق الليل [لا تحجبه فشرّ ما جاء به، ولو كان خيرا ما جاء به تلك الساعة]، ورسول الثّغر فإنّه إن أبطأ ساعة فسد عمل سنة فأدخله علىّ وإن كنت فى لحافى، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.

وقف أبو سفيان بباب عثمان بن عفّان رضى الله عنه وقد اشتغل بمصلحة للمسلمين فحجبه؛ فقال له رجل وأراد إغراءه: يا أبا سفيان، ما كنت أرى أن تقف بباب مضرىّ فيحجبك! فقال أبو سفيان: لا عدمت من قومى من أقف ببابه فيحجبنى.

واستأذن أبو الدّرداء على معاوية بن أبى سفيان فحجبه؛ فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد بابا مغلقا يجد إلى جانبه بابا مفتوحا إن دعا أجيب وإن سأل أعطى. قال محمود الورّاق:

شاد الملوك قصورهم فتحصّنوامن كل طالب حاجة أو راغب
غالوا بأبواب الحديد لعزّهاوتنوّقوا فى قبح وجه الحاجب
فإذا تلطّف فى الدخول إليهمراج تلقّوه بوعد كاذب
فاطلب إلى ملك الملوك ولا تكنيا ذا الضّراعة طالبا من طالب

قال أبو مسهر: أتيت إلى باب أبى جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان، فحجبنى فكتبت إليه:

إنى أتيتك للتسليم أمس فلمتأذن عليك لى الأستار والحجب
وقد علمت بأنى لم أردّ ولاوالله ما ردّ إلّا العلم والأدب

فأجابه ابن عبدكان:

لو كنت كافأت بالحسنى لقلت كماقال ابن أوس وفيما قاله أدب
ليس الحجاب بمقص عنك لى أملاإنّ السماء ترجّى حين تحتجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «صبرا على المطل ما لم يتله الكذب»

وقف إلى باب محمد بن منصور رجل من خاصّته فحجب عنه، فكتب إليه:

على أىّ باب أطلب الإذن بعد ماحجبت عن الباب الذى أنا حاجبه
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

وقف أبو العتاهية إلى باب بعض الهاشمييّن، فطلب الإذن؛ فقيل له: تكون لك عودة؛ فقال:

لئن عدت بعد اليوم إنّى لظالمسأصرف وجهى حين تبغى المكارم
متى يظفر الغادى إليك بحاجةونصفك محجوب ونصفك نائم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «لئن عدت بعد اليوم إني لظالم»

ونظيره قول العمانىّ:

قد أتيناك للسلام مراراغير منّ بنا بتلك المرار
للشاعر العماني الراجز، اقرأ القصيدة
فإذا أنت فى استتارك بالليل [على] مثل حالنا بالنّهار
للشاعر العماني الراجز، اقرأ القصيدة

وقال أبو تمّام:

سأترك هذا الباب مادام إذنهعلى ما أرى حتّى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّداولا فاز من قد نال منه وصولا
ولا جعلت أرزاقنا بيد امرئحمى بابه من أن ينال دخولا
إذا لم أجد للإذن عندك موضعاوجدت إلى ترك المجىء سبيلا

وقال آخر:

أتيتك للتسليم لا أننى امرؤأردت بإتيانيك أسباب نائلك
فألفيت بوّابا ببابك مغرمابهدم الذى وطّدته من فضائلك

وقال العمانىّ:

إذا ما أتيناه فى حاجةرفعنا الرّقاع له بالقصب
للشاعر العماني الراجز، اقرأ القصيدة
له حاجب دونه حاجبوحاجب حاجبه محتجب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لنقل الرمال وقطع الجبال»

وقال آخر:

يا أبا موسى وأنت فتىماجد حلو ضرائبه
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
كن على منهاج معرفةإنّ وجه المرء حاجبه
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فبه تبدو محاسنهوبه تبدو معايبه

وقف عبد الله بن العباس بن الحسين العلوىّ على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق؛ فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، فأمّا الفترة بعد النّظرة، والتوقّف بعد التعرّف، فلا أفهمه، ثم تمثّل:

وما عن رضا كان الحمار مطيّتىولكنّ من يمشى سيرضى بما ركب

وانصرف؛ فبلغ المأمون كلامه، فصرف الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دوابّ. وحجب بعض الهاشميّين فرجع مغضبا فردّ فلم يرجع، وقال: ليس بعد الحجاب إلا العذاب، لأن الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.