تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما قيل فى النهى عن شدّة الحجاب

قيل: لا شىء أضيع للمملكة وأهلك للرعيّة من شدّة الحجاب، لأنّ الرعيّة إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم.

وهذا مخالف لوصيّة زياد لابنه: عليك بالحجاب، فإنّما تجرّأت الرّعاة على السّباع لكثرة نظرها إليها. قال سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه! وعن علىّ رضى الله عنه: إنما أمهل فرعون مع دعواه ما ادّعاه لسهولة إذنه وبذل طعامه. وقال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لابنه: من بالباب؟ فقال:

رجل أناخ الآن يزعم أنه ابن بلال مؤذّن رسول الله ﷺ يقول: من ولى شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله يوم القيامة؛ فقال لحاجبه:

الزم بيتك. فما رئى على بابه بعده حاجب.

وقال عمرو بن العاص لابنه وقد ولّى ولاية: انظر حاجبك فإنّه لحمك ودمك، ولقد رأيتنا بصفّين وقد أشرع قوم رماحهم فى وجوهنا يريدون نفوسنا مالنا ذنب إليهم إلا الحجاب.

وقيل: ولّى المنصور حجابته الخصيب فقال: إنّك بولايتى عظيم القدر، وبحجابتى عظيم الجاه، فبقّها على نفسك، ابسط وجهك للمستأذنين، وصن عرضك عن تناول المحجوبين، فما شىء أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن وطلاقة الوجه.

قال سليمان بن زيد النابلسىّ:

سأهجركم حتى يلين حجابكمعلى أنّه لا بدّ أن سيلين
خذوا حذركم من نبوة الدّهر إنّهاوإن لم تكن حانت فسوف تحين

وقال آخر:

كم من فتى تحمد أخلاقهوتسكن الأحرار فى ذمّته
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
قد كثّر الحاجب أعداءهوسلّط الذمّ على نعمته

وقال أعرابىّ:

لعمرى إن حجبتنى العبيدببابك ما تحجب القافيه
سأرمى بها من وراء الحجابفتعدو عليك بها داهيه
تصمّ السميع وتعمى البصيروتسأل من مثلها العافيه
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «لعمري لئن حجبتني العبيد»

وقال جعفر المصرىّ:

[و] تفضّل علىّ بالإذن إن جئت فإنّى مخفّف فى اللقاء
ليس لى حاجة سوى الحمد والشّكر فدعنى أقريك حسن الثناء

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.