من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما تأكيد المدح بما يشبه الذمّ
- فهو ضربان: أفضلهما أن يستثنى من صفة ذمّ منفيّة عن الشىء صفة مدح بتقدير دخولها فيها، نحو قوله تعالى:
(لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً)
فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشىء ببيّنة، وأن الأصل فى الاستثناء الاتصال، فذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراج الشىء ممّا قبلها، فإذا وليها صفة مدح جاء التأكيد.
والثانى: أن يثبت لشىء صفة مدح ويعقّب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى له، كقوله ﷺ: «أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش» وأصل الاستثناء فى هذا الضرب أيضا أن يكون منقطعا، لكنه باق على حاله لم يقدّر
متصلا فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثانى من الوجهين المذكورين، ولهذا كان الأوّل أفضل.
ومن أمثلة الأوّل قول النابغة الذّبيانى:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهنّ فلول من قراع الكتائب
ومن أحسن ما قيل فى ذلك قول حاتم الطائىّ:
ولا تشتكينى جارتى غير أننىإذا غاب عنها بعلها لا أزورها
ومن الثانى قول النابغة الجعدىّ:
فتى كملت أخلاقه غير أنهجواد فما يبقى من المال باقيا
ومن أحسن ما ورد فى هذا الباب قول بعضهم:
ولا عيب فينا غير أنّ سماحناأضرّ بنا والبأس من كلّ جانب
فأفنى الردى أعمارنا غير ظالموأفنى الندى أموالنا غير عاتب
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع