من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأما التجريد
-
فهو أن ينتزع الشاعر أو المتكلّم من أمر ذى صفة أمرا آخر مثله فى تلك الصفة مبالغة فى كمالها فيه؛ وهو أقسام: منها نحو قولهم: لى [من] فلان صديق حميم، أى بلغ من الصداقة حدّا صحّ معه أن يستخلص منه صديق آخر؛ ومنها نحو قولهم: لئن سألت لتسألنّ به البحر، ومنه قول الشاعر:
وشوهاء تعدو بى إلى صارخ الوغىبمستلئم مثل الفنيق المرحّل
أى تعدو بى ومعى من استعدادى للحرب لابس لأمة؛ ومنها نحو قوله تعالى: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ
لأن جهنم- أعاذنا الله منها- هى دار الخلد، لكن انتزع منها مثلها وجعل فيها معدّا للكفار تهويا لأمرها؛ ومنها نحو قول الحماسىّ:
فلئن بقيت لأرحلنّ بغزوةنحو الغنائم أو يموت كريم
وعليه قراءة من قرأ: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
بالرفع، بمعنى فحصلت سماء وردة، وقيل: تقدير الأوّل أو يموت منّى كريم، والثانى: فكانت منها وردة، وقيل: تقدير الأوّل أو يموت منّى كريم، والثانى: فكانت منها وردة كالدّهان، وفيه نظر؛ ومنها نحو قوله:
يا خير من يركب المطىّ ولايشرب كأسا بكف من بخلا
ونحو قول الآخر:
إن تلقنى- لا ترى غيرى يناظره-تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد
ومنها مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه، كقول الأعشى:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحلوهل تطيق وداعا أيها الرجل
وقول المتنبىّ:
لا خيل عندك تهديها ولا مالفليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
ومنه قول الحيص بيص:
إلام يراك المجد فى زىّ شاعروقد نحلت شوقا فروع المنابر
كتمت بصيت الشّعر علما وحكمةببعضهما ينقاد صعب المفاخر
أما وأبيك الخير إنك فارس الكلام ومحيى الدّراسات الغوابر
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع