من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
أما ما جاء فيها على سبيل المدح
قال أبو العيناء لبعض سماسرة الحمير: اشتر لى حمارا لا بالطويل اللّاحق، ولا بالقصير اللاصق؛ إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزّحام ترفّق؛ لا يصادم بى السّوارى، ولا يدخل تحت البوارى؛ إن كثّرت علفه شكر، وإن قلّلته صبر؛ وإن ركبته هام، وإن ركبه غيرى قام. فقال له السمسار: إن مسخ الله بعض قضاتنا حمارا أصبت حاجتك، وإلّا فليست موجودة.
قيل للفضل الرّقاشىّ: إنك لتؤثر الحمير على جميع الدوابّ؛ قال: لأنها أرفق وأوفق؛ قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنها لا تستبدل بالمكان، على طول الزمان؛ ثم قال:
هى أقلّ داء، وأيسر دواء، وأخفض مهوى، وأسلم صرعا؛ وأقلّ جماحا، وأشهر فرها، وأقلّ بطرا؛ يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه؛ ويعدّ مقتصدا وقد أسرف فى ثمنه.
وقال أحمد بن طاهر يصف حمارا:
شية كأنّ الشمس فيها أشرقتوأضاء فيها البدر عند تمامه
وكأنّه من تحت راكبه إذاما لاح، برق لاح تحت غمامه
ظهر كجرى الماء لين ركوبهفى حالتى إتعابه وجمامه
سفهت يداه على الثّرى فتلاعبتفى جريه بسهوله وإكامه
عن حافر كالصّخر إلّا أنّهأقوى وأصلب منه فى استحكامه
ما الخيزران إذا انثنت أعطافهفى لين معطفه ولين عظامه
عنق يطول بها فضول عنانهومحزّم يغتال فضل حزامه
وكأنّه بالرّيح منتعل، وماجرى الرياح كجريه ودوامه
أخذ المحاسن آمنا من عيبهوحوى الكمال مبرّأ من ذامه
وقال آخر:
لا تنظرنّ إلى هزال حمارىوانظر إلى مجراه فى الأخطار
متوقّد جعل الذكاء إمامهفكأنما هو شعلة من نار
عادت عليه الريح عند هبوبهافكأنه ريح الدّبور يبارى
هذا ما ورد فى مدحها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع