من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأمّا ما جاء فيها على سبيل الذم
- فمن ذلك قولهم: «أضلّ من حمار أهله». وقولهم: أخزى الله الحمار مالا، لا يزكّى ولا يذكّى. ومنه قول جرير بن عبد الله: لا تركب حمارا، فإنه إن كان حديدا أتعب يديك،، وإن كان بليدا أتعب رجليك.
والمثل مضروب فى الحمير المهزولة بحمار طيّاب، كما يضرب المثل ببغلة أبى دلامة.
قال شاعر:
وحمار بكت عليه الحميردقّ حتى به الرياح تطير
كان فيما مضى يسير بضعفوهو اليوم واقف لا يسير
كيف يمشى وليس شىء يراهوهو شيخ من الحمير كبير
لمح القتّ مرّة فتغنّىبحنين وفى الفؤاد زفير:
«ليس لى منك يا ظلوم نصيبأنا عبد الهوى وأنت أمير»
وقال خالد الكاتب:
وقائل إنّ حمارى غدايمشى إذا صوّب أو أصعدا
فقلت لكنّ حمارى إذاأحثثته لا يلحق المقعدا
يستعذب الضرب فإن زدتهكاد من اللّذّة أن يرقدا
وقال أبو الحسين الجزّار:
هذا حمارى فى الحمير حمارفى كلّ خطو كبوة وعثار
قنطارتبن فى حشاه شعيرةوشعيرة فى ظهره قنطار
ولمّا مات حمار هذا الشاعر داعبه شعراء عصره بمراث وهزليّات؛ فقال بعضهم:
مات حمار الأديب قلت قضىوفات من أمره الذى فاتا
مات وقد خلف الأديب ومنخلّف مثل الأديب ما ماتا
ونحو هذين البيتين قول الآخر:
قال حمار الحكيم تومالو أنصفونى لكنت أركب
لأننى جاهل بسيطوصاحبى جاهل مركّب
وكتب أبو الحسن بن نصر الكاتب إلى صديق له اشترى حمارا، يداعبه.
قال من رسالة: «قد عرفت- أبقاك الله- حين وجدت من سكرة الأيّام إفاقه، وآنست من وجهها العبوس طلاقه؛ [كيف] أجبت داعى همّتك، وأطعت أمر مروءتك؛ فسررت بكمون هذه المنقبة التى أضمرها الإعدام، ونمّ على كريم سرّها الإمكان؛ واستدللت منها على خبايا فضل، وتنبّهت منها على مزايا نبل؛ كانت مأسورة فى قبضة الإعسار، وكاسفة عن سدفة الإقتار؛ وقلت: أىّ
قدم أحقّ بولوج الرّكب من قدميه، وحاذ أولى ببطون القبّ من حاذيه؛ وأىّ أنامل أبهى من أنامله إذا تصرّفت فى الأعنّة يسراها، وتحتّمت بالمخاصر يمناها؛ وكيف يكون ذلك الخلق العظيم، والوجه الوسيم؛ وقد بهر جالسا، إذا طلع فارسا!.
ثم اتّهمت آمالى بالغلوّ فيك، واستبعدت مناقضة الزمان بإنصاف معاليك؛ فقبضت ما انبسط من عنانها، وأخمدت ما اشتعل من نيرانها؛ حتى وقفت على صحيحة الشك. أرجو علوّ همّتك بحسن اختيارك، وأخشى منافسة الأيّام فى درك أوطارك؛ فإنها كالظّانّة فى ولدها، والمجاذبة بالسّوء فى واحدها؛ يدنى الأمل مسارّها، ويرجئ القلق حذارها؛ حتى أتتنا الأنباء تنعى رأيك الفائل، وتفلّ عزمك الآفل؛ بوقوع اختيارك على فاضح صاحبه، ومسلم راكبه؛ الجامد فى حلبة الجياد، والحاذق بالحران والكياد؛ السّوم دينه ودأبه، والبلادة طبيعته وشأنه؛ لا يصلحه التأديب، ولا تقرع له الظّنابيب؛ إن لحظ عيرا نهق، أو لمح أتانا شبق، أو وجد روثا شمّ وانتشق؛ فكم هشم سنّا لصاحبه، وكم سعط أنف راكبه؛ وكم استردّه خائفا فلم يرده، وكم رامه خاطبا فلم يسعده؛ يعجل إن أحبّ الأناة والإبطاء،
ويرسخ إن حاول الحثّ والنّجاء؛ مطبوع على الكيد والخلاف، موضوع للضّعة والاستخفاف؛ عزيز حتى تهينه السّياط، كسول ولو أبطره النّشاط؛ ما عرف فى النّجابة أبا، ولا أفاد من الوعى أدبا؛ الطالب به محصور، والهارب عليه مأسور؛ والممتطى له راجل، والمستعلى بذروته نازل؛ له من الأخلاق أسوؤها، ومن الأسماء أشنؤها، ومن الأذهان أصدؤها، ومن القدود أحقرها؛ تجحده المراكب، وتجهله المواكب؛ وتعرفه ظهور السوابك، وتألفه سباطات المبارك. والله الموفّق.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع