من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
يوم ذى قار
قال أبو عبيدة: يوم ذى قار هو يوم الحنو، ويوم قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذات العجرم، ويوم بطحاء ذى قار، وكلّها حول ذى قار.
قال أبو عبيدة: لم يكن هانىء بن مسعود المستودع حلقة النعمان، وإنما هو ابن ابنه، واسمه هانىء بن قبيصة بن هانىء بن مسعود، لأنّ وقعة ذى قار كانت وقد بعث النبىّ ﷺ وخبّر أصحابه بها فقال: «اليوم أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبى نصروا».
ولما قتل النعمان كتب كسرى إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يضمّ ما كان للنعمان، فأبى هانىء بن قبيصة أن يسلّم ذلك إليه، فغضب كسرى وأراد استئصال بكر بن وائل، فقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبىّ فقال: يا خير الملوك، ألا أدلّك
على غرّة بكر بن وائل، قال نعم، قال: أقرّها وأظهر الإضراب عنها حتى يجليها القيظ ويدنيها منك، فأقرّهم، حتى إذا قاظوا نزلت بكر حنو ذى قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيّرهم بين ثلاث خصال: إمّا أن يسلّموا الحلقة، وإمّا أن يعرّوا الدّيار، وإمّا أن يأذنوا بحرب. فتنازعت بكر بينها، فهمّ هانىء بن قبيصة بركوب الفلاة، وأشار به على بكر وقال: لا طاقة لكم بجموع الملك، فلم تر من هانىء سقطة قبلها.
وقال حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ: لا أرى غير القتال، فإنّا إن ركبنا الفلاة لمتنا عطشا، وإن أعطينا بأيدينا تقتل مقاتلتنا وتسبى ذراريّنا، فراسلت بكر عنها وتوافت بذى قار، ولم يشهدها أحد من بنى حنيفة، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانىء بن قبيصة الشيبانىّ، ويزيد بن مسهر الشّيبانىّ، وحنظلة بن ثعلبة العجلىّ.
فقال حنظلة بن ثعلبة لهانىء بن قبيصة: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، ففرّقها فيهم. وقال للنعمان:
لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالما.
قال: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنّمر. وعقد لخالد بن يزيد البهرانىّ على قضاعة وإياد. وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه: الشهباء ودو سر. وعقد للهامرز التّسترىّ على ألف من الأساورة، وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذى الجدّين- وكان عامله على طفّ سفوان- يأمره أن يوافى إياس بن قبيصة، فسار إليه.
وسار إياس بمن معه من الجند وغيرهم، فلما دنوا من بكر أقبل قيس بن مسعود الى قومه ليلا، فأمرهم بالصبر ثم رجع.
فلما التقى الزّحفان وتقرّب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ فقال:
يا معشر بكر، إنّ نشّاب الأعاجم يفرّقكم، فعاجلوهم الى اللّقاء وابدءوهم بالشدّة، وقال هانىء بن مسعود: يا قوم، مهلك مقدور، خير من منجى مغرور.
إنّ الجزع لا يردّ القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر، المنيّة خير من الدنيّة، واستقبال المنيّة خير من استدبارها، فالجدّ الجدّ، فما من الموت بدّ.
ثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع وضن النساء فسقطن الى الأرض وقال: ليقاتل كلّ رجل عن حليلته، فسمّى مقطّع الوضن.
قال: وقطع يومئذ سبعمائة من بنى شيبان أيدى أقبيتهم من مناكبها لتخفّ أيديهم لضرب السيوف فتجالد القوم، وقتل يزيد بن حارثة اليشكرىّ الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد بعد ذلك. فضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، واتبعتهم بكر حتى دخلوا السواد فى طلبهم، وأسر النعمان بن زرعة التغلبىّ. ونجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة، فكان أوّل من انصرف إلى كسرى بالهزيمة هو. وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلّا نزع كتفيه. فلمّا أتاه إياس بن قبيصة سأله عن الجيش فقال: هزمنا بكر بن وائل وأتيناك ببناتهم. فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس فقال: أخى قيس بن قبيصة مريض بعين التّمر، فأردت أن آتيه، فأذن له.
ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: إياس، فظنّ أنه قد حدّثه الخبر، فدخل عليه وأخبره بهزيمة القوم
وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه. وقد أكثرت الشعراء فى يوم ذى قار. فمن ذلك ما قاله أعشى بكر من قصيدة له:
لو أنّ كلّ معدّ كان شاركنافى يوم ذى قار ما أخطاهم الشّرف
لمّا أمالوا الى النّشّاب أيديهمملنا ببيض لمثل الهام تختطف
بطارق وبنو ملك مرازبةمن الأعاجم فى آذانها النّطف
كأنما الآل فى حافات جمعهموالبيض برق بدا فى عارض يكف
ما فى الخدود صدود عن سيوفهمولا عن الطّعن فى اللّبات منحرف
وقال الأعشى يلوم قيسا من أبيات:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالدوأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهمفلا يبلغنّى عنك ما أنت فاعل
فعرّيت من أهل ومال جمعتهكما عريّت ممّا تمرّ المغازل
شفى النفس قتلى لم توسّد خدودهاوسادا ولم تعضض عليها الأنامل
لعلّك يوم الحنو إذ صبّحتهمكتائب لم تعصك بهنّ العواذل
قال: ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود بما فعل مع قومه حبسه حتى مات فى حبسه، ففيه قال الأعشى:
وعرّيت من أهل ومال جمعته
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع